اختتمت أول أمس فعاليات لقاءات فاس المنظمة في إطار الدورة الثالثة عشر لمهرجان فاس للموسيقى الروحية العريقة.
وكان هذا المنتدى الفكري، الذي تميز بحضور مفكرين وباحثين مغاربة وأجانب مناسبة للتفكير وتبادل الحوار حول مجموعة من القضايا والمواضيع المتعلقة بالتيمة الأساسية لهذه اللقاءات التي تمحورت هذه السنة حول "المقدس والحداثة"ثلاثة محاور رئيسية تطارحها المشاركون هي "هوياتنا الثقافية في مواجهة أحادية العالم"، و"مدننا التراثية، أهي انعكاس للعالم القديم أو منبع خيالي للمستقبل"، و"معتقداتنا وعقلنا في محك العالم الجديد"، في محاولة للإجابة عن السؤال الجوهري كيف نعيش حاليا الحداثة التي ما فتئت تفرض نفسها بإلحاح وكيف نوظفها مع القيم العريقة كالإيمان والثقافة والتراث
وكانت مديرة »لقاءات فاس« نادية بنجلون أكدت في كلمة تقديمية لهذه التظاهرة إن مقابلة الحداثة بالمقدس وبالثقافة والتراث أضحت تستدعي دقة متناهية، خصوصا في المرحلة الراهنة، مؤكدة أن مؤالفة الطابع الشمولي للعولمة مع القيم المتوارثة على مدى أجيال وأجيال مع التنوع الذي يطبع الأديان والتاريخ ليس بالأمر البسيط، لكن بناء صرح السلام يقتضي إنجاز هذه المؤالفة عبر الحوار، الذي يبقى دائما هي صلب هذه اللقاءات.
وقالت "إن عصرنا الحالي الذي يختزل لسوء الحظ في مجرد صراع بين الحضارات، يبدو حبيس الصراعات وانطواء الهويات وعدم الانسجام الثقافي، كما أن المصير الذي خصصناه للثقافة في مجتمعاتنا ذات التوجه التقني يساهم أيضا في تفسير الاصطدام بين الحداثة المستوردة والميولات الانطوائية"، متسائلة »ماذا يا ترى يتهدد هوياتنا الثقافية؟ وكيف نعيشها بشكل مغاير؟ وكيف نربط جسور الحوار بينها ونضمن إثراءها لبعضها البعض؟
وأضافت "إن التراث وتأهيله كعنصر اساسي لتأكيد الهوية في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها عصرنا الحالي وكحافز للغنى والتنمية، يطرح إشكاليات مشتركة عند تصميم مختلف المدن اليوم"، موضحة "أن العالم المعاصر الذي يفرق بقدر ما يجمع ويساهم في سيطرة الطابع العلماني على مختلف المجتمعات، وفي نفس الآن يرسخ التساؤل الميتافيزيقي والتوجه نحو المقدس لدى ملايين الاشخاص، يطرح التحدي صلتنا بالمقدس وبمعتقداتنا، موضحة »وعلى غرار ما ساد في الماضي حيث تعايشت العقيدة والعقل في عالمنا، كيف نصالحهما ونجعلهما يتعايشان بمنأى عن العنف والحرب, وكيف نستلهم منها الشجاعة للنهوض بالسلام والحرية؟".
الصبيحة الأولى من هذه اللقاءات التي احتضنها متحف البطحاء من ثاني إلى 4 يونيو الحالي، أدارها عبدو فيلالي الانصاري، تناولت موضوع "هويتنا الثقافية في مواجهة أحادية العالم"، إذ أبرز المتدخلون أن العصر الحالي الذي يختزل لسوء الحظ في مفهوم صدام الحضارات، لا ينتج سوى الصراعات وانعزال الهويات.
فتطور المبادلات وانهيار الكتل وديناميكية العلوم والتقنيات تجعل العالم يتوجه نحو النمطية أكثر من أي وقت مضى، وبالموازاة مع ذلك، يسجل رجوع نحو المقدس وتشبت بالتقاليد وبحث دؤوب عن التميز من خلال اختلاف الهويات الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الانكماش والانطواء والعنف والنزاعات.
فهل من الضروري أن تتواجه وتتقابل مفاهيم الحداثة والتقاليد والمقدس وغير المقدس والحرية والسلم؟ وكيف ننشر في العالم القيم الشمولية والهوية ونقلص من غنى وقيمة الموروث، والجمال والتنوع العالمي، وتنوع مصادر التأمل والإبداع.
وتطرقت أشغال الصبيحة الفكرية الثانية لموضوع "مدننا التراثية : أهي انعكاس للعالم القديم أو منبع الخيال للمستقبل" إذ حاول المشاركون الذين توزعوا بين علماء اجتماع ومهندسين ومؤرخين وجغرافيين وسياسيين وغيرهم، الوقوف على الطريقة التي يمكن من خلالها جعل المدن التراثية رمزا للأداء الجيد والاستمرارية في مواجهة التحولات المتسارعة للعالم، ومنبع إلهام متميز ومنفتح ومصادر تطلع تخلق الطموح لدى باني المدن الجديدة.
وأكد المتدخلون أن النقاش حول التراث تجاوز الإطار الوطني الضيق ليصبح موضوع العديد من الملتقيات الدولية، التي أدت إلى ظهور أشكال جديدة ومتنوعة من التراث.
فعلى أبواب المدينة العتيقة بفاس، التي امتد إشعاعها وما زال في شتى بقاع العالم، تسود قناعة أن الهندسة المعمارية والعمران والتاريخ والحياة في المدينة تحملنا في مغامرة حية عبر التطلع الروحي والإنساني وتربط المراحل والأجيال ببعضها، فكيف نجعل منها، مع الحفاظ عليها، رموزا للأداء الجيد والاستمرارية في مواجهة التحولات المتسارعة للعالم ومؤشرات على هوية قوية لتجاوز القرون وتبقى أيضا منبع إلهام متميز ومنفتح ومصادر تطلع تخلق الطموح لدى بناه المدن الجديدة.
واختتمت اللقاءات بنقاش حول موضوع »معتقداتنا وعقلنا في محك العالم الجديد«، بمشاركة مجموعة من المفكرين الذين حاولوا البحث في التطور الذي طرأ على هذه المعتقدات، والدور الذي باتت تضطلع به، وكيف يمكن تفعيل هذا الدور إن العالم المعاصر، عالم تبادل وتخالط يبعد بقدر ما يقرب ويؤدي إلى علمانية المجتمعات بفضل الاستمارة الميتافيزيقية والتطلع إلى المقدس من لدن ملايير الأشخاص الذين يقابلون منذ قرون الجمال بالبشاعة والفرح بالألم والمنتهي باللا منتهي.
تحت سماء مدينة فاس، كما في غيرها من المدن، لن يرى البعض سوى العدم، فيما يبحث آخرون عن الله، وآخرون لن يعرفوا الجواب، لكنهم جميعا، إن عاجلا أو آجلا، سيتساءلون، وسوف يفتر حماسهم بعد حين لامحالة.
في هذه النقطة بالذات، التقارب بين المجموعتين كبير، وكما كان الإيمان والعقل يتعايشان في السابق، كيف يمكننا مصالحتهما والعيش معهما، بل وإبعادهما عن العنف لتحقيق تطلعاتهما فيه وتشجيع والنهوض بالسلم والحرية؟ حسبما أكدته مديرة لقاءات فاس نادية بنجلون.