قصائد منسية وأخرى تنشر للمرة الأولى

صدور الأعمال الكاملة للويس أراغون

الجمعة 01 يونيو 2007 - 11:06

صدرت "الأعمال الشعرية الكاملة" للشاعر الفرنسي لويس اراغون في باريس عن"دار لابلياد" العريقة التي يعتبرها الفرنسيون بمثابة ورقة تكريم لكل كاتب يتم اختياره لتكريسه.

عبر هذه الدار، وهي ليست المرة الأولى التي تصدر فيها أعمال اراغون كاملة ولكن ليس عن هذه الدار الأمر الذي فاجأ العديد من النقاد الذين تساءلوا عن سبب هذا التأخير ووصف البعض الامر بأنه يشبه "الاعتراف المتأخر بما صار يقيناً"، وعنوان هذه الأعمال الشعرية الكاملة العريض : "انها مملكة أراغون« وأيضاً »هي سيرته الشعرية من دون تكلف".

واذ تنشر سلسلة »لابلياد« للطباعة والنشر أعماله فهذا شاهد على عظمة أراغون لأنها لاتطبع إلا للمشاهير وعملها مكرس لنشر المؤلفات الكاملة لأعلام الأدب الفرنسي.

وكان أراغون قبل وفاته قد قام بطباعة مؤلفاته الشعرية وشكل هذا المشروع حينذاك ورشة عمل كبيرة لانه بالاضافة إلى القصائد الشعرية أدرج نصوصه النقدية ودفاتر رسومات وتعليقات أخاذة متعلقة بحياته وحسب قوله : (كل ما استطعت ايجاده سواءً أعجبني أم لم يعجبني) وكان من المفترض أن يبلغ عدد المجلدات سبعة لكنها امتدت إلى خمسة عشر مجلداً، وتندرج طبعة اليوم ضمن إطار كنز المكتبات الصغيرة ومع مجلدين من سلسلة البلياد دخل أراغون سلسلة الطباعة النقدية الجامعية وأكثرها روعة كانت بشهادة الكاتب المعروف أوليفيه بارباران الذي ألف كتاباً مرموقاً عن أراغون عام 1997 أسماه ) الذاكرة والإفراط ( وفي شيخوخته كتب الشاعر أراغون يقول : (إنهم يتعاملون معي لما لو أنهم يرونني لكن دون أن يروني) لعله في هذه الكلمات قد وضع حاشية وسام على تاريخ سيرته الشعرية.

وتفتح هذه »الأعمال الكاملة« صفحات منسية من حياة أراغون وأيضاً تضيء على عدد كبير من كتبه التي صارت منسية لأن البارز منها تصدر الواجهة وسرعان ما تراجعت مجموعات رائعة منها مثل مجموعة "البهجة الكبيرة" التي تعود الى العام 1929 وكان اراغون قد حاول الانتحار قبلها بسنة واحدة بعد ان قطع علاقته بنانسي كونار واحرق آنذاك جزءاً من مخطوطه »الدفاع عن اللانهاية".

لكنه بعدها التقى إلسا ترييوليه وكانت ايضا يائسة، وبقيت قصائده تدور في فلك بائس وحزين الى ان ربطه الحب بإلسا ترييوليه التي ستشكل معه ليس فقط ثنائياً عاطفياً انما مشروع كتابة قائمة على تفاعل الشعر مع ترياق الحب المنقذ وصارت مملكة الشعر في حياة اراغون منذ حينه مرتبطة بمملكة الحب.

في هذا الاطار، يبقى ديوان "البهجة الكبيرة" مفاجأة المجموعة لأنها وحدها التي "طواها" حب اراغون في خانة النسيان ما ان تحول شعره مع لقاء الحب والسا، وايضا مع تحوله من ناحية ثانية صوب الشيوعية، فكتب في "مجنون السا" عام 1963، "هي التي من دونها يصير كل شيء مثل الرمال الهاربة ".

ومنذ حينه صارت قصائده كلها الحب والثورة والحرية وصارت تبرز فيها كلمات مثل : "المصانع، ستالين، البروليتاريا والجبهة الحمراء ومع كل ديوان في هذه المجموعة يلتقي القارئ مرحلة جديدة وجماعات هذه المرحلة، ومن الشيوعية الى السوريالية وشعراء المرحلة السوريالية وتطلع أسماؤهم ووجوههم من قصائده المهداة اليهم حيناً او التي تذكرهم وتذكر قصائدهم حيناً آخر : ابولينير، اراغون، روبير دسنوس، بنجامين بيريه، بول ايلوار وغيرهم

وصولاً الى كتابة "فلاح باريس" حيث يقع القارئ على قصائد منسية ايضا تغلبت عليها اعلاميا قصائد اخرى كان لها وقعها لسبب أو لآخر.

ومن ابرز القصائد في "فلاح باريس" قصيدة "مدام كوليت" التي اهداها اراغون الى الكاتبة الفرنسية كوليز بعيد رحيلها بأيام قليلة عام 1954 .

تفاصيل هذه القصائد سيعثر عليها القارئ في المجموعة الشعرية الكاملة الصادرة حديثا إذ ستعود كل القصائد الى امكنتها الطبيعية زمنياً بالتدرج، وبعيداً عن كل الحسابات والظروف التي جعلت بعضها يتقدم على البعض الآخر او يلغيه او يعتم عليه، فكل اراغون الشعر هنا في هذه المجموعة الكاملة التي تضع القصائد في حضرة الذاكرة ولكن ايضا في منطق القارئ الجديد الذي له أن يحتسب إيقاعها وجماليتها في حضرة منطق القرن الجديد.

يشار أن أراغون الذي توفي عام 1982، من مواليد ضاحية "نييللي" المتاخمة لباريس، في العام 1897، كطفـل غير شرعي، وقدمته أمه إلى المجتمع الفرنسي كأخ لها، وليس كإبن، في الوقت الذي رفض فيه أبوه الاعتراف رسميا بأبوته له.

لم يدرك أراغـون، الذي عاش عذابات الفقر ، وعانى من عـوز الحياة ، حتى فترة متأخرة من حياته،، حقيقة وضعه إلاَّ في سن العشرين.

وكانت هذه الواقعة أحد مؤشرات تفسير حياة أراغون الفنية، وروحه المتمردة الرافضة، كما أورثه ذلك كرها عميقا لأسلوب الحياة، والأخلاق البرجوازية، وزرعت في نفسه بذور الالتزام.

غير أن التطورات الاجتماعية التي عاشتها فرنسا، وعلاقته الخاصة بزعيم الحركة السوريالية، أندريه بريتون، وانضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، كل ذلك أدى إلى التزام أراغون التام، وانحيازه في فـنه ونضاله إلى جانب الجماهير التي آمن بها، وبقدرتها على الفعل والتغيير، حتى يوم رحيله المشفوع بدموع هذه الجماهير، وحبها وتخليدها للرجل الذي أفنى حياته من أجلها، معبراً عن آمالها وتطلعاتها، مستثيراً فيها بكلماته مكامن التضحية، والفداء، باعثاً فيها أسمى المشاعر الإنسانية.




تابعونا على فيسبوك