محمد بنيس

المسافر الأبدي في دنيا القصيدة

الإثنين 21 ماي 2007 - 12:53
الشاعر  محمد بنيس

محمد بنيس شاعر تولع بالنص الصوفي كتجربة كونية، وصدر عن ذلك الولع لينزع نحو فعلِ الشطحِ لكي يكون علامتَه في الحياة كما في الكتابة. كما هو كائن سجالي مميز.

وهذه خاصية نادرة في الثقافه العربية، وهذه الطبيعة السجالية هي التي ستجعل تجربةَ محمد بنيس محتدمةً وغنيةً، موضوعةً في مهب تجربة طموحة، حيث الحوار هو جناح المعرفة وجذوة الكتابة.

يعد الشاعر محمد بنيس ومن خلال منجزه الشعري أحد أولئك الذين استطاعوا أن يجنحوا بالقصيدة العربية عامة والمغربية خاصة إلى مكانتها الحقيقية لما تمثل قصيدته من سمو ورقي شعري يتمثل في التدفق وحرارة الانفعال وما يصاحبهما من نبوءة تداهم شرارة يقينه المعرفي المنطلق سوية مع تحليقه التعبيري والمشهدي ومتانة عاطفته المتأججة بالمثابرة وعمق التساؤل والعبور إلى ضفاف النص الشعري المتميز الذي ينتجه منطلقاً من مخيلة واثقة تلامس في تحليقها تلك اللغة المطرية التي تصوغ للموقف البكر دهشة شعرية تنحت لروح الكتابة مواجعها الدافئة.

محمد بنيس يقترح شخصيةَ الشاعر الايجابية الفعالة البالغة التنوع، التي يتجاوزُ الشعر فيها حدود القصيدةِ ليصبح ضربا من العيشِ الشاملِ في الحياة، وهذا ما يقدمه شاعرنا في الحقلِ الذي يحسن إدارةَ آلياته وينال فيه لذةَ النص.

فالحياة في القصيدة، هي الموت في القصيدة، وكلاهما ينتجان حياة ما من خلف ضفة ما، نبصرها أو لا نبصرها، الحياة في قصيدته، هذا ما يتنفس به محمد بنيس وينشده بوهج على حروفه المبتلة بغنائم الحبر، ففي ( المكان الوثني)، ديوانه الاخير ومن على تخوم صرخاته التسع التي جاءت على شكل قصائد من عطش وافر يرقد في أرض القصيدة وبستانها العذب عبر نور أزلي تصاعد منه نوافذ أزمنة مرة، مبشرة بنهوض نهارات واثقة من لون سحابها حين تنعم بشمس الهطول الوفية، وهي ترتسم بقوة إرادته المتجددة وتمرده الملحمي في نصوص تجهش بالطمأنينة والتمزق والرواء في آن واحد، هو أن نصوص الصبر والمثابرة والحصاد النبيل، من ذاكرة تعتنق الماء والصخر والتراب، ملاذاً حقيقياً لخصوبة أمله المقذوف فوق أعناق نصوصه، وعنفواناً صادقاً لمحراب الكلمة الباسقة، وانبعاثاً إنسانياً لمأوى القلب الذي بات قاب دمعتين أو ضحكتين من جنائن فاكهة التعب المقدسة التي يبذرها الشاعر المثابر محمد بنيس، طائر القصيدة وراعي لغة الماء

عرفه عرب المشرقِ باعتباره شاعراً ومقترحا نقدياً له اجتهاداته المميزة في حقلِ البحثِ الأدبي، وعُرفَ نشاطُه الحماسي بمثابة ورشة ثقافية بامتياز، حين كانَ في ذروة انهماكه في إصدار مجلة (الثقافة الجديدة)، العلامة الفارقةُ في مجلاتِ المغربِ الحديث، وقد ظل كذلك حتى بعد إقفالِها مع مجلاتٍ أخرى في المغربِ منتصفَ الثمانينات

ولكي لا نشير إلا لبعض إسهاماته الأهم، إضافة إلى الترجمة بين اللسانين العربي والفرنسي، لابد من التأكيد على دوره في تأسيس بيت الشعر في المغرب، وهو المشروع التأسيسي على المستوى العربي، فبعده انطلقت مشروعات مثيلة في مناطقَ عربية أخرى بوحي جادٍ من ذلك البيت الشعري الأول

وهو الذي اقترح على المنظمة الأممية أن تعلن اليونسكو يوما دولياً خاصا للاحتفال بالشعر، وقد استجابت اليونسكو بعد نقاشات طويلة بأن يكون 21 مارس، هو يوم الشعر في العالم.

ومن بيت الشعر، سوف يطلق محمد بنيس من الدار البيضاء مهرجانا عالميا للشعر، مسهماً في تنشيط العلاقات الحيوية بين الشعر العربي والعالم كل تلك االانهماكات
لم تشغله عن ولعه الأدبي بالبحث النقدي، ولم تصرفه عن متابعته المبتكرة للدرس الجامعي الرصين لكنه لن يستقرَ بعد ذلك، الشاعر لا يستقر بعد ذلك أبدا

ومحمد بنيس مسافر أبدا للمشاركة في العديد من اللقاءات ومهرجانات الشعر في أصقاع العالم، مطلقا، أو مشاركاً، في حوار الشعر، قراءة وترجمة وانتولوجيات مزدوجة اللغات، ومحفزاً على فضاءات إبداعية متنوعة

قبل ذلك وبعده، يبقى لنا محمد بنيس الشاعر، الذي يشكل جوهرة المراصد في مجمل هذه التجربة الثقافية والإنسانية التي لا تعرف تخوماً نحو الآخر، لمحاورته، لمعانقته، لوضع الشمس في قلبِهِ.

فمنذ أن طلع كتابه الأول (ما قبل الكلام)، حتى كتابه الأخير (هناك تبقى)، قدم بنيس عدداً من التجارب الشعرية المتنوعة الرؤى، والمتصلة دوماً بشرطٍ بالغِ الجمال لم يفارق قصيدته طوال النصوص والسنوات، وهو شرط الشطح.




تابعونا على فيسبوك