نعيمة النوري في 15 من هذا الشهر حلت الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس بعد صراع طويل مع مرض السرطان.
ففي 15 ماي 1997، رحل ونوس الذي تحدى الألم لمدة خمس سنوات، وعبر عبر عن تحديه للمرض اللعين بمقولته المشهورة "إننا محكمون بالأمل وما يحدث اليوم ليس نهاية التاريخ".
مسرحيات ونوس كانت نقدا سياسيا اجتماعيا للواقع العربي، إذ في كتاباته "رموزا كونية بشكل دلالي فعال دون أن يتخلى عن خصوصيته الثقافية«".
لقد استطاع ونوس، أن يوظف في أعماله رموزا ومرجعيات تمكنه من التواصل مع الشرائح الواسعة من الجمهور.
يقول "سيباستيان غونثر"، باحث وأستاذ في جامعة تورونتو في كندا »لقد طرح هذا الكاتب في أعماله قضايا تخص المجتمع العربي ولكنها في الوقت نفسه قضايا كونية تخص الإنسانية عامة.
لقد حاكم ونوس ونقد الوجه المادي الجشع للحياة الحديثة لقد كان في أعماله صرخة من أجل العدالة ودعوة الى الوعي في مواجهة مشكلات العصر".
اهتم الباحثون عربا وأجانب بأعمال ونوس دراسة وتحليلا ونقدا، وأكدوا مقدرته على توظيف أشكال الفرجة التراثية وخصوصا فن الحكواتي.
لقد استطاع ونوس، حسب الباحث والناقد الألماني فريديريك بانويك، أن يشخص التاريخ من خلال هذه التقنية الدرامية وأن يجعله مادة للمعرفة وكان هدفه من توظيف هذا الشكل التراثي تحقيق التواصل بين عناصر العرض المسرحي وإيصال رسالته الى الجمهور بشكل فعال.
عبر ونوس في أعماله الأولى عن مأزق الإنسان في العالم الحديث، لكن ما يميزه أكثر، هو انه صور الجانب العبثي من معاناة الإنسان في السياق الاجتماعي والسياسي
لقد كان ونوس المسرحي الأكثر قدرة على منح الجمهور مساحة إبداعية للتفكير والتأمل.
قبل عام على وفاته كتب سعد الله ونوس رسالة المسرح العالمي باسم كل مسرحيي العالم، فكان أول عربي يكلف بهذا الشرف.
وفي ذكرى رحيله أعادت صحيفة "تشرين«" السورية نص الرسالة التي جاء فيها : "كلفني المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو بكتابة "رسالة يوم المسرح العالمي" لعام 1996 وقد كتبت هذه الرسالة التالية التي ترجمت الى لغات العديد من بلدان العالم وقرئت على مسارحها«".
لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات التي يلبيها المسرح ولو على المستوى الرمزي لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان "الجوع الى الحوار" : حوار متعدد مركب، وشامل، حوار بين الأفراد وحوار بين الجماعات.
ومن البدهي ان هذا الحوار يقتضي تعميم الديموقراطية واحترام التعددية وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء، وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته فإني أتخيل دائماً أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ثم يتموج متسعاً ومتنامياً حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوع ثقافاته وأنا أعتقد أن المسرح، ورغم كل الثورات التكنولوجية، سيظل ذلك المكان النموذجي الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معاً.
وميزة المسرح التي تجعله مكاناً لا يضاهى هي المتفرج يكسر فيه محارته كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه الى الجماعة ويعلمه غنى الحوار وتعدد مستوياته فهناك حوار يتم داخل العرض المسرحي وهناك حوار مضمر بين العرض والمتفرج، وهناك حوار ثالث بين المتفرجين أنفسهم.
وفي مستوى أبعد هناك حوار بين الاحتفال المسرحي عرضا وجمهورا وبين المدينة التي يتم فيها هذا الاحتفال.
وفي كل مستوى من مستويات الحوار هذه ننعتق من كآبة وحدتنا ونزداد احساسا ووعياً بجماعيتنا.
ومن هنا فإن المسرح ليس تجلياً من تجليات المجتمع المدني فحسب بل هو شرط من شروط قيام هذا المجتمع وضرورة من ضرورات نموه وازدهاره
ولكن عن أي مسرح أتكلم؟( هل أحلم أم هل أستثير الحنين الى الفترات التي كان المسرح فيها بالفعل حدثاً يفجر في المدينة الحوار والمتعة؟)لا يجوز ان نخادع أنفسنا؛ فالمسرح يتقهقر.
وكيفما تطلعت فإني أرى كيف تضيق المدن بمسارحها وتجبرها على التقوقع في هوامش مهملة ومعتمة بينما تتوالد وتتكاثر في فضاءات هذه المدن الأضواء والشاشات الملونة والتفاهات المعلبة.
لا أعرف فترة عانى فيها المسرح مثل هذا العوز المادي والمعنوي فالمخصصات التي كانت تغذيه تضمر سنة بعد سنة والرعاية التي كان يحاط بها تحولت الى اهمال شبيه بالازدراء غالباً ما يتستر وراء خطاب تشجيعي ومنافق، وما دمنا لا نريد ان نخادع أنفسنا فعلينا الاعتراف بأن المسرح في عالمنا الراهن بعيد عن أن يكون ذلك الاحتفال المدني الذي يهبنا فسحة للتأمل والحوار ووعي انتمائنا الانساني العميق.
وأزمة المسرح رغم خصوصيتها هي جزء من أزمة تشمل الثقافة بعامة ولا أظن أننا نحتاج الى البرهنة على أزمة الثقافة وما تعانيه الأخرى من حصار وتهميش شبه منهجيين، وانها لمفارقة غريبة ان يتم ذلك كله في الوقت الذي توفرت فيه ثروات حولت العالم الى قرية واحدة وجعلت العولمة واقعاً يتبلور ويتأكد يوماً بعد يوم، ومع هذه التحولات وتراكم تلك الثروات كان يأمل المرء أن تتحقق تلك اليوتوبيا التي طالما حلم بها الانسان.
يوتوبيا ان نحيا في عالم واحد متضافر تتقاسم شعوبه خيرات الأرض دون غبن وتزدهر فيه انسانية الانسان دون حيف أو عدوان ولكن يا للخيبة/ فإن العولمة التي تتبلور وتتأكد في نهاية قرننا العشرين تكاد تكون النقيض الجذري لتلك اليوتوبيا التي بشر بها الفلاسفة وغذت رؤى الانسان عبر القرون فهي تزيد الغبن في الثروات وتعمق الهوة بين الدول الفاحشة الغنى والشعوب الفقيرة والجائعة كما أنها تدمر دون رحمة كل أشكال التلاحم داخل الجماعات وتمزقها الى أفراد تضنيهم الوحدة والكآبة.
ولأنه لا يوجد أي تصور عن المستقبل ولأن البشر وربما لأول مرة في العالم لم يعودوا يجرؤون على الحلم فإن الشرط الانساني في نهايات هذا القرن يبدو قاتماً ومحبطاًَ
وقد نفهم بشكل أفضل مغزى تهميش الثقافة، حيث ندرك انه في الوقت الذي غدت فيه شروط الثورة معقدة وصعبة فإن الثقافة هي التي تشكل اليوم الجبهة الرئيسة لمواجهة هذه العولمة الأنانية والخالية من أي بعد انساني
فالثقافة هي التي يمكن ان تبلور المواقف النقدية التي تعري ما يحدث وتكشف آلياته وهي التي يمكن أن تعين الانسان على استعادة إنسانيته وأن تقترح له الأفكار والمثل التي تجعله أكثر حرية ووعياً وجمالاً، وفي هذا الإطار فإن للمسرح دوراً جوهرياً في إنجاز هذه المهام النقدية والإبداعية التي تتصدى لها الثقافة فالمسرح هو الذي سيدربنا عبر المشاركة والأمثولة على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسد الجماعة وهو الذي سيحيي الحوار الذي نفتقده جميعاً وأنا أؤمن أن بدء الحوار الجاد والشامل هو خطوة البداية لمواجهة الوضع المحبط الذي يحاصر عالمنا في نهاية هذا القرن
إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن ان يكون نهاية التاريخ منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان وكانت الكتابة وللمسرح بالذات أهم وسائل مقاومتي
خلال السنوات الأربع كتبت وبصورة محمومة أعمالاً مسرحية عديدة ولكن ذات يوم سئلت وبما يشبه اللوم ولِمَ هذا الإصرار على كتابة المسرحيات في الوقت الذي ينحسر المسرح ويكاد يختفي من حياتنا/ باغثني السؤال وباغثني أكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني بل وأغضبني
طبعاً من الصعب أن أشرح للسائل عمق الصداقة المديدة التي تربطني بالمسرح وأنا أوضح له ان التخلي عن الكتابة للمسرح وأنا على تخوم العمر، هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي وقد يعجلان برحيلي وكان عليّ لو أردت الاجابة ان أضيف« إني مصر على الكتابة للمسرح لأني أريد أن أدافع عنه وأقدم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حياً«
وأخشى أنني أكرر نفسي لو استدركت هنا وقلت : "إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن إنه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحاً وفقراً لو أضاعها وافتقر اليها" ومهما بدا الحصار شديداً والواقع محبطاً فإني متيقن أن تضافر الإرادات الطيبة وعلى مستوى العالم سيحمي الثقافة ويعيد للمسرح ألقه ومكانته.
إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ.