أعادت الأحداث الإرهابية، التي شهدتها، أخيرا، الدار البيضاء، المغاربة، سلطات ومواطنين، إلى التلاحم المتأصل فيهم لدرء أي خطر خارجي يتهدد البلاد.
ولم تكن أيام 11 مارس المنصرم، و10 و14 أبريل الماضيين، إلا تواريخ رفعت الغطاء عن التحول الذي عرفه مسار العلاقة التي باتت تجمع المواطنين بالأمن بعد اعتداءات 16 ماي الإرهابية في 2003 بالدار البيضاء.
فمنذ تلك الأحداث الأليمة، طوى الطرفان صفحة الماضي، ودخلت العلاقة بينهما مرحلة جديدة توجت بتلاحم قوي استرجعت من خلاله السلطات الأمنية شرعيتها كخدمة عمومية ومؤسسة عمومية نابعة من صلب المجتمع.
وسجلت العاصمة الاقتصادية، من 16 ماي إلى 14 أبريل، تضامنا لا محدودا ووقوفا تلقائيا من المواطنين إلى جانب الأمن ليشكلا بذلك جبهة أمنية شعبية فعالة أنقذت الدار البيضاء من أخطر مخطط إرهابي كان يتهددها.
لم يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه ما يقع، فكل واحد منهم تسلح بحب الوطن، قبل أن يدخلوا مع الأمن، في تعاون غير مشروط، قاد إلى بلوغ أهداف جوهرية، خلطت أوراق الإرهابيين وفرقت السبل في ما بينهم بعد أن قطعت أوصالهم.
الأمثلة كثيرة على هذا التعاون المتين، وهي تعزز موقف المغاربة الشجاع والنبيل، النابع من إرادة وطنية صادقة، ومن إحساس عميق بأن الإرهابيين والظلاميين، ومن يقف وراءهم من الآثمين لا صلة لهم إطلاقا بالتقاليد وبالثقافة وبالتربة المغربية الأصيلة
وكان حي الفرح أبرز محطة كشفت ما كان يخبئ ه المغاربة من شجاعة ونبل، النابعان من إرادة وطنية صادقة.
فبعد أن افتضح أمر "صناع الموت" في الحي المذكور، أحس المواطنون بأن يدا غادرة امتدت إلى أمنهم وسلامتهم، في محاولة لسلبهم إياهما، ما جعلهم يعقدون العزم على قطع رأس الأفعى التي تسللت إلى حصنهم لتروع عائلاتهم وتسمم أبدانهم.
بعد حوالي أربع سنوات، حاول الإرهابيون أن يكرروا اعتداء »الجمعة الأسود«، غير أن استعانة الأمن بالمواطن ودفعه إلى اليقظة والحذر لما يتهدده من أخطار إرهابية، جعله يحمل على عاتقه أمن البلاد بعد أن فتحت له أبواب تقديم المساعدة لكسب "الحرب الاستباقية" التي يخوضها الأمن ضد الإرهاب
مسؤولية الدفاع عن الوطن في مقهى الإنترنيت بحي سيدي مومن، أظهر محمد الفايز أن المواطن قادر على تحمل مسؤولية الدفاع عن بلده وحمايته من أي خطر قد يتهدده .
فهذا الشاب وقف في وجه الإرهاب القبيح وأطفأ فتيل نيرانه قبل أن تشتعل وتحرق عشرات الأبرياء، ليبرهن بأن شجاعة المغاربة لا حدود لها، وأن الثقة التي وضعت فيهم، قادرين على الحفاظ عليها وترجمتها بالتصدي لكل من تسول له بنفسه أن يمد يده بالسوء إلى هذا البلد.
وجاءت البداية بعبد الفتاح الرايضي، الذي هزمته بطولة مواطن أعزل، فلم يجد أمامه سوى تفجير نفسه، في خطوة يائسة بعد أن أحس بأنه قريب من قبضة الأمن.
ولم تقف شجاعة المواطنين عند هذا الحد، بل امتدت إلى حد ملاحقة الانتحاري يوسف الخودري في محاولة لإيقافه، قبل أن تعتقله السلطات الأمنية على بعد أمتار من موقع الحادث.
ورغم إنقاذ المدينة من أكبر مخطط إرهابي كان يحاك ضدها في الظلام، واصل الأمن مع المواطن اليقظة والحذر وعملا جنبا إلى جنب لكشف مخابئ الانتحاريين الذين عاشوا بين الناس بنية زرع الرعب فيهم وترويع ذويهم.
وفي 10 أبريل وجد "حماة الوطن" أنفسهم من جديد في معركة أخرى ضد"صناع الموت" الذين وقفوا أمام جبهة قوية تعجز أخطر مخططاتهم عن اختراقها، ما دفع بهم إلى تفجير أنفسهم بعد أن أغلقت جميع المنافذ في وجههم.
وفيما انكب الأمن على تكثيف البحث عن انتحاري فار بحي الفرح، سابق شباب الحي الريح وصعدوا إلى أسطح المنزل لكشف مخبأ المتهم، في حين ركز الباقون نظرهم على نوافذ المباني لرصد أي تحرك، قد يرشد الأمن إلى مكان الإرهابي.
توالت الضربات الموجعة الموجهة للإرهابيين، الذين حاولوا تخليص أميرهم من قبضة الأمن والمواطنين، الذين أبوا أن يهرب هذا العنصر الخطير بفعلته.
وبعد يومين تحقق لهم ما أرادوا، فبينما كان أمير الخلية سمير الشامي يستعد للفرار من منزل كان يختبأ فيه، اكتشف سكان المبنى أمره، غير أن تهديده بتفجير نفسه دفعهم إلى النزول عند رغبته بفتح الأبواب لتمكينه من الفرار.
في هذه الأثناء طفت شجاعة وبسالة المواطنين إلى السطح مجددا، وهب اثنان منهم لمطاردة هذا العنصر الخطير غير آبهين بأن يكون مدججا بحزام ناسف، قبل أن يوقفوه على بعد أمتار من موقع الحادث، ليتصلوا بالشرطة التي أنهت ما بدأه شباب الحي.
وفي 14 أبريل، أعاد المغاربة السيناريو نفسه ووقفوا إلى جانب الأمن في معركته ضد الإرهاب، ما مكنهم من اعتقال انتحاري بالقرب من القنصلية والمركز اللغوي الأميركيين، حيث فجر الانتحاريان الشقيقان محمد وعمر مها نفسيهما.
كما مكنت يقظة المواطنين من ضبط عدد من المشتبه بهم، في عين المكان، والذين تبين في ما بعد أن بعضهم تربطهم صلات بمنفذي هذه العمليات.
لقد تتبع المواطنون باهتمام بالغ صور المشتبه بهم المبحوث عنهم، التي نشرتها السلطات الأمنية في وسائل الإعلام، وسجلوا ملامحها بدقة متناهية، رغبة منهم في المساهمة في البحث عن هؤلاء الإرهابيين الذين يهددون أمن وسلامة بلدهم.
كان الحديث الدائر بين المواطنين إبان العمليات الانتحارية التي ألقت بظلالها على مدينة الدار البيضاء، أخيرا، يتركز أساسا حول ملامح وصور المشتبه بهم التي أدرجتها نشرات الأخبار، أو نشرتها صفحات الجرائد، مما أكسب المواطنين مناعة قوية ضد شبح الإرهاب، وأجمعوا على أن ملامح هؤلاء الإرهابيين لا تمت إلى قيم هذا الوطن المسالم وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف بصلة.
الأمن يستفيد من أحداث 16 ماي ويكتسب مناعة لوحظ خلال التدخلات الأمنية التي قامت بها السلطات الأمنية بمختلف أنواعها، لوأد الإرهاب واجتثاثه من جذوره، أن المصالح الأمنية اكتسبت خبرة كبيرة في التعاطي مع شبح الإرهاب والانتحاريين.
وأجمع العديد من المراقبين أن تعامل مصالح الأمن كان موفقا وناجحا من خلال الضربات الاستباقية، وإفشال المخططات في مرحلة المخاض قبل ولادتها، وكذا القيام باعتقالات همت فقط المتهمين، على عكس ما جرى خلال أحداث 16 ماي، إذ تجاوز عدد المعتقلين 3 آلاف متهم.
فلأول مرة يعيش المواطنون عن قرب المخاطر التي يجابها حماة الوطن في كل لحظة وحين، ولأول مرة يقف المواطنون بقرب عناصر أمنية بمسدسات حقيقية، ويستفيقون على وابل من الرصاص الحي كان يتعقب انتحاريين اختاروا طريق الظلامية.
بحي الفرح حضرت مختلف الأجهزة الأمنية، وعاين المواطنون عن كثب الإمكانيات التي يتوفر عليها الجهاز الأمني من فرق خاصة للتدخل السريع، ومتخصصين في تفكيك المتفجرات، وقناصة كانوا فوق الأسطح يبحثون عن الانتحاريين.
لقد أججت شجاعة رجال الأمن وبسالتهم، شرارة الوطنية في نفوس المواطنين بحي الفرح، وجعلتهم ينسون خطر المتفجرات ويطاردون الانتحاريين ويدلون رجال الأمن على المخابئ التي لجأوا إليها دون خوف أو تردد.
وبوضع اليد في اليد استطاع رجال الأمن ومعهم سكان حي الفرح التصدي بقوة لمخططات الانتحاريين، التي راح ضحيتها الشهيد محمد زنبيبة.
تطور في وسائل العمل ونجاعة في التدخلات منذ أحداث 16 ماي الإرهابية، فطنت المصالح الأمنية إلى أن خطر الإرهاب في تزايد مستمر، وأن أساليبه تتطور بسرعة، ما دفع بها إلى تعزيز إمكانياتها وتقوية بنايتهما التحتية، حتى تكون في مستوى التصدي لهذه الآفة بكل نجاعة وحزم.
ويعد مختبر الشرطة العلمية أهم مرفق، عملت السلطات الأمنية على تطويره وتعزيزه بإمكانيات جديدة من شأنها المساهمة في تقوية دوره لكشف المواد المتفجرة والمشبوهة.
وما يؤكد الدور الريادي الذي اضطلع به هذا المختبر، ما قام به أفراد الشرطة العلمية والتقنية إلى جانب نظرائهم في الدرك الملكي المتخصصين في المتفجرات، عندما فطنوا بخبرتهم، إلى أن غرفة الانتحاريين بحي مولاي رشيد، كانت ملغمة، وأي اقتحام عشوائي لها، يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية، تسقط عددا كبيرا من الضحايا، وعملوا على مداهمة المنزل وإخراج ما بداخله من مواد قابلة للانفجار دون وقوع اية خسائر أو ضحايا
"آلو، مختبر الشرطة العلمية والتقنية، عليكم إرسال فريق متخصص فورا إلى مكان الحادث".
تكررت هذه المكالمات الواردة على إدارة المختبر، الذي كان حضوره قويا، في الأماكن التي شهدت تفجيرات انتحارية منذ 11 مارس الماضي، إذ أعلنت حالة طوارئ داخله، وجندت جميع أجهزته لكشف طبيعة المواد المتفجرة، ورصد كل كبيرة وصغيرة بمواقع التفجيرات من شأنها أن تفيد في التحقيقات.
ولوحظ طيلة مراحل عملهم خلال الأحداث الإرهابية التي خيمت بظلالها على مدينة الدار البيضاء، أن أعضاء الشرطة العلمية والتقنية بلباسهم الأبيض ووسائلهم المتطورة، ظلوا منهمكين في جمع العينات، حريصين بشكل دقيق على رصد كل ما من شأنه أن يفيد في التعرف على نوعية وطبيعة المواد المستعملة في صنع المتفجرات، سواء التي استعملت في حادث »السيبير«، أو التي حجزت بغرفة الانتحاريين المفترضين، أو في الأماكن التي وقعت فيها التفجيرات الانتحارية بحي الفرح أو بشارع مولاي يوسف.