تفجيرات 2007 تثبت سعي الإرهاب إلى الاستيطان في المغرب

سلاح المواجهة الأمنية وأسئلة المقاربة الشاملة

الأربعاء 16 ماي 2007 - 08:07

أزاحت هجمات 16 ماي الإرهابية في الدار البيضاء، ثم بعدها التفجيرات الانتحارية بالمدينة نفسها قبل بضعة أسابيع، أطروحة"الخصوصية" المستندة إلى التبسيط الساذج، أو إلى العطالة الفكرية، وبات الحديث الآن يدور حول مغرب ما قبل 16 ماي وما بعده.

أربع سنوات بعد هجمات الدار البيضاء الإرهابية، مدة كافية كبعد زمني يفترض أن تكون تحددت خلالها استراتيجية متكاملة للتعاطي مع ظاهرة الإرهاب المرتبط بالتطرف الديني، بعيدا عن ردود الفعل العاطفية والانفعالية، التي عبرت عن نفسها مباشرة بعد الصدمة الأولى.

لعل أبرز ما يمكن تسجيله هو التحول الإيجابي لصالح المصالح الأمنية في تعاطيها مع الأحداث الأخيرة بالدار البيضاء، سواء على مستوى الاحترافية في الميدان، أو في الالتزام بالضوابط القانونية في التعامل مع المشتبه بهم.

كما يسجل أيضا انخراط المواطنين، بهذا القدر أو ذاك، في مكافحة الإرهاب والتعبير عن رفضهم لممارسيه وللمروجين لإيديولوجيته.

وعلى المستوى السياسي لم تخلف التفجيرات الانتحارية لمارس وأبريل الماضيين مثل ذلك الجدل المحمّل بالاتهامات والمزايدات، التي أعقبت 16 ماي 2003، بما قد يشير إلى نوع من النضج في التعامل مع"الظاهرة".

كل هذه العوامل (الإيجابية) تعزز فرضية اقتناع الجميع بأن جرثومة التطرف والإرهاب بدأت تستوطن في جسد البلد، مع تزايد المخاطر على ضوء المعطيات الإقليمية والدولية، وأبرزها استهداف تنظيم القاعدة الإرهابي لـ "بلاد المغرب الإسلامي".

يبقى السؤال المركزي إذن هو : ما العمل، وكيف العمل، حتى لا يتكرر ما جرى
على امتداد السنوات الأربع الماضية أدى المجهود الأمني إلى إبطال عمليات إرهابية كانت في الطريق إلى التنفيذ، وتفكيك خلايا وشبكات للمنظرين والمنظمين لإيديولوجيا الكراهية والقتل.

بعد هذا كله لا أحد يستطيع العودة إلى العزف على نغمة التطمين، وقد حمل كل شهر تقريبا جديده من الأدلة على سعي الإرهاب إلى الاستنبات في التربة المغربية، كما أتثبت أحداث ووقائع في مناطق ومدن مختلفة بالبلاد، كان آخرها تفجيرات حي سيدي مومن وحي الفرح وشارع مولاي يوسف بالدار البيضاء، والتي كانت مقدمة لمخطط إرهابي أكبر.

بات الجميع اليوم يدرك أن المغرب لم يعد »استثناء« في الوقت الذي شهد العالم منذ نهاية مطلع القرن الماضي تنامي ظاهرة الإرهاب المرتبط بالإسلام السياسي، وقد تعرض البلد بدوره لعمليات إرهابية، رد عليها الشعب المغربي بالرفض والإدانة، من منطلق نبذ فكر التطرف والعنف والوفاء للقيم المغربية في التسامح والتعايش والإقرار بحق الاختلاف والاحترام المتبادل بين مكونات الأمة وتجاه العالم الخارجي.

المعالجة الأمنية أعطت نتائج قد تكون موضوع جدل، لكنها أظهرت قصورها في معالجة عمق المشكل، إلا أنها ساهمت في الوقت نفسه في تغذية النقاش حول الإرهاب من زاوية موضوع الإصلاح السياسي والاقتصادي.

ولعل حصيلة المواجهة، بما تخللها من جدل حول الطرق والوسائل والمقاربات، باتت كافية لإقناع الجميع باستحالة اختزال سلاح مقاومة الإرهاب في المقاربة الأمنية وحدها، فالإرهاب الدولي أدرك من الخبرة ما جعله يراهن على التسرب والاستيطان واكتساب المواقع داخل البلدان المستهدفة، وهي ليست مواقع تنظيمية ولوجيستية فقط، بل أخطر من ذلك مواقع فكرية وذهنية في عقول تتغذى بالجهل والفقر والأمية، قبل أن تنتقل إلى التفكير في القنابل والمتفجرات.

ومع تسجيل مكسب القناعة العامة بجدية الخطر، فإن استراتيجية المقاومة لن تستقيم بدون سلاح مركب يجمع بين التربية والثقافة والسياسة والاقتصاد، مع طول النفس في معركة التنمية والمواجهة.

ويتزامن خطر الإرهاب الذي تجسد بعد صدمة 16 ماي 2003، وتقوى بالتفجيرات الانتحارية الأخيرة بالدار البيضاء وما كانت ترمي إليه، مع النقاش الجاري على المستوى السياسي والإعلامي والأكاديمي حول موضوع الإصلاح، بصرف النظر عن الطرق والآليات في تصور كل طرف، من منطلق قناعة تبدو مشتركة بين مكونات الحقل السياسي في مطلب تحقيق الانتقال الديموقراطي.

أظهرت الهجمات الإرهابية مسؤولية الأحزاب "الديموقراطية"في الفراغ الناتج عن استقالتها شبه المعلنة من الميدان في التوجيه والتأطير، وترك الساحة فارغة لتيار الغلو والتطرف.

وعلى امتداد أربع سنوات بعد التفجيرات الإرهابية الأولى ظل الخطاب الحزبي حبيس الشعارات وإعلان النوايا، بل سقط أحيانا في الانغلاق المضاد، دون أن يترجم في برامج ومبادرات سياسية.

في هذا السياق، تكون الذكرى الرابعة لهجمات الدار البيضاء بمثابة مساءلة، يفترض أن تكون مستفزة، للفاعلين السياسيين والاقتصاديين، فضلا عن المثقفين والإعلام وكل مكونات المجتمع المدني، ومساءلة للمدرسة المغربية وللنظام التعليمي، بعد أزيد من نصف قرن من الاستقلال.




تابعونا على فيسبوك