الصقور لا تستسلم أبدا. إنها تكابر وتتحمل الجراح مهما كانت غائرة. ودحمان بيروك, احد ابرز الوجوه الرياضية في الصحراء المغربية, يشبه الجوارح في صبرها كما عنادها.
قد يقوى المرء على تحمل الآلام والمآسي إذا كانت قدرا, لكن أن تكون من ذوي القربى فذلك أشد مضاضة.
بيروك الذي قضى ازهي فترات عمره يكد و يجتهد لخدمة الرياضة والرياضيين بالعيون والضواحي, وجد فجأة نفسه مرميا على هامش المدينة.
صدق أو لاتصدق, فلاعب شباب العيون سابقا و مؤسس أول فريق نسوي لكرة القدم بالأقاليم الجنوبية يقطن حاليا في احد مستودعات ملابس المركب الرياضي الشيخ محمد الأغضف.
لم يكن بيروك ليتلقى مثل هذه الصفعة في كرامته رفقة زوجته وأطفاله لولا بتر أهم عضو عند الإنسان ولاعب كرة القدم, بالخصوص.
ففي أواخر السنة الماضية أجريت له عملية جراحية بسبب مرض عضال انتهت ببتر رجله اليمنى التي كانت أداته الأساسية في تلقين أطفال العيون أبجديات كرة القدم.
عندما اتصلت "المغربية" بصقر الصحراء الجريح, قال بصوت يكاد يخنقه الإحساس بالغبن وظلم ذوي القربى انه "راض بقدر الله" و لكنه "جد متأسف" لعدم العناية به وتنكر المسؤولين لتاريخه الكروي وما قدمه للرياضة الوطنية في الأقاليم الجنوبية.
الصقور لا تموت. ويكفيها قليل من العناية لتستعيد عنفوانها. وبيروك تلقى وهو على فراش المرض والنسيان التفاتة لا تقدر بثمن أعادت له البسمة والأمل في غد أحسن. فقد قررت مجموعة من فرق كرة القدم النسوية في العيون بيع البدل الرياضية التي حصلت عليها من سلطات المدينة للمشاركة في دوري هناك وعرضتها للبيع قصد شراء الدواء للذي كان ذات يوم الأب والمدرب للاعبات.
حتى حدود سنة 2005, كان بيروك بسنواته الخمسين يبدو في ريعان شبابه زادته لياقته البدنية وسامة وصلابة. ولكن شبح مرض السكري ظل يلاحقه إلى أن تسبب له في بتر رجله. وكان الخطب سيكون اخطر لولا تدخل حسن الدرهم, زميله السابق في ميادين كرة القدم و رئيس المجلس البلدي للمرسى العيون حاليا, الذي سارع بالتكلف بمصاريف التنقل لأكادير وإجراء العملية الجراحية.
من مواليد سنة 1956 بالعيون الساقية الحمراء وخريج المعهد الملكي لتكوين الأطر سيدي معروف الأول بالدار البيضاء سنة 1976, ضحى بيروك بكل وقته في مجال التأطير والتدريب.
كانت البداية في السبعينات حيث لعب في سن مبكرة للكشفية الصحراوية وكان يمتاز بالتسديدات القوية, الأمر الذي أثار انتباه تقنيا إسبانيا كان متواجد بالإقليم حيث عجل بانتقاله إلى فريق شباب العيون حيث تفتقت موهبته الكروية وأصبح محل إعجاب مجموعة من خبراء كرة القدم الاسبان الذين اقترحوا عليه الانتقال للعب في بطولة الليغا و "لكن حبي لوطني أحال دون ذلك رغم الإغراءات وضمان المستقبل"•
بعد تحرير الصحراء وعودتها إلى الوطن الأم سنة 1975, أسس بيروك فريقا تحت اسم مولودية العيون وقاده كعميد للفوز بأول كأس للمسيرة الخضراء.
بعد استكمال دراسته في علوم التربية البدنية بالدار البيضاء أواخر 1977سنة, عاد ليقود الفريق للفوز بجميع الدورات المحلية والجهوية, ما أثار انتباه الجامعة حول وجود فريق قوي في كرة القدم, فقررت تنظيم مباراة له ضد منتخب الشاوية بملعب الحارثي بمراكش في رفع الستار بين المنتخب المغربي والمنتخب الروسي. فكانت المفاجئة أن فاز أصدقاء الدحمان بهدفين لواحد و بعد ذلك "تم إدماجنا بالقسم الوطني الثاني حيث كنت لاعبا ومسيرا ومساعدا للمدربين المتعاقبين على الفريق ومنهم لاعب أولمبيك مرسيليا الفرنسي سالم دندون والمعطي لاعب المنتخب في السبعينات وعبد الغني الناصري مساعد الزاكي في كأس افريقيا بتونس ونجيب احمييد مساعد هنري ميشال في كأس العالم 1998".
بعد صعود الفريق إلى القسم الأول, يحكي بيروك "كلفت بتدريب شبان الفريق اذ احتل االرتبة الثالثة في البطولة الوطنية بعد أن هزمنا الرجاء والوداد والكوكب المراكشي والجيش الملكي".
دخل بيروك عالم التحكيم من بابه الواسع حيث اختير في اقل من سنتين من بداية تجربته بالبذلة الصفراء أحسن حكم بالأقاليم الجنوبية "ما أهلني لأكون طرفا في نهاية كأس العرش 1984 بين النهضة القنيطرية والجيش الملكي حيث كان لي الشرف المثول أمام الرياضي الأول الحسن الثاني رحمه الله".
بعد ذلك, ورغبة منه لاستكمال برامجه التربوية, أشرف على تدريب فرق الأحياء حيث تكون على يديه عشرات الأطفال الذين يلمعون اليوم في سماء كرة القدم بالأقاليم الجنوبية.
يقول بنبرة تحمل حزنا عميقا: "لقد ضحيت بكل شيء في خدمة أطفال العيون وشبابها وساهمت بكل ما أقوى عليه للرفع من شأن الرياضة في الصحراء العزيزة, وأهملت نفسي وأسرتي من اجل ذلك واليوم أجدني مرميا على الهامش".
الصقور لا تستسلم. فرغم انه أصبح مقعدا وصحته تنخرها يوميا رطوبة مستودع الملابس بملعب الأغضف حيث يقيم رفقة أسرته في وضع تغيب فيه شروط الكرامة , فإن دحمان بيروك يرفض بكبرياء أن يمد يده لاستجداء صدقة من المسؤولين المحليين. " في كل مرة يقومون بتكريمي أتلقى وعودا من طرف العمال والولاة الذين تعاقبوا على الإقليم بمساعدتي وتوفير سكن لائق لي وأسرتي".
ولكن الوعود تبقى وعود. والواقع الحالي وحده يؤكد أن بيروك فعلا طواه النسيان في الصحراء.