احتفالات عاشوراء بمنطقة الزيايدة

الحاجة رابحة تحكي طقوس وعادات المنطقة بالمناسبة

الإثنين 06 فبراير 2006 - 15:42
عاشوراء مناسبة يحتفل بها الكبار والصغار

دخلت الأيام العشرة الخاصة بالاحتفال بعاشوراء، وسط جو احتفالي بالتساقطات المطرية التي عمت البلاد، وتستعد العديد من الأسر المغربية للإحتفاء، حسب الأجواء المتعارف عليها بكل منطقة، وفق طقوس وعادات، تلاشت معالمها من جيل لآخر.

فإذا كانت العائلات المتمدنة، أفرغت برامجها الاحتفالية بعدة مناسبات من كل ما هو ثقافي تراثي، وحملت شعار التنافس على شراء ( لعب الأطفال(، وإدخال الحسد والضغينة بين الأطفال ، وتكريس أسلوب المساومة على ( شكون أحسن من الآخر)، باعتماد سعر اللعب وندرتها، وإغفال جموع الأسر الفقيرة التي يقتاد فيها الأبناء أمهاتهم أو آبائهم للتفرج على سلع الألعاب المعروضة، والتي أسالت لعاب الأبناء غير ما مرة.

وأدمعت لها العيون الفقيرة، ويستمر البحث عن ما قل سعره (الركلام بلعرام)، ليعودوا آخر النهار من السوق أو من محلات البيع بلعبة مرفوضة من لدن الأبناء وأولياء أمورهم، فإن العديد من الأسر القروية، تحن إلى طقوسها وعاداتها، وتعمل جاهدة إلى توريثها للأبناء والأحفاد، ولعل بشرى موسم فلاحي متميز تزيدهم عزما على رفع شعار : من فات قريبه تاه.

وتعقد العزم على أن تمر كل الأعياد والمناسبات الدينية في أجواء يغمرها التراث والفلكلور والعادات التي ساهمت في جمع شتات العائلات والجيران وزادت من تماسك الأسر المغربية واستمرار التكافل والمثابرة من أجل مغربي حر ووطن مستقل ابن سليمان: بوشعيب حمراوي تختزن منطقة الزيايدة التابعة لتراب إقليم ابن سليمان، الكثير من العادات والطقوس خلال عدة مناسبات دينية أو وطنية، نسجتها تخيلات وأعراف العديد من النساء والرجال، وضلت تنتقل بين الأجيال، اتسعت رقعة تجسيدها بتزايد عدد السكان وعزم مبدعيها وناقليها أبا عن جد على توريثها لأطفالهم.

ولعل الرفيسة الزيادية التي تعتمد على السمن البلدي حبة من قنطار التراث الزيادي، الذي شمل مجالات الفلاحة وتربية المواشي والعلاج عن طريق بعض الأعشاب والطقوس القديمة ومقاومة الاحتلال الفرنسي على يد خلية يقودها زياديون أحرار، وطقوس حفلات الزفاف والختان والحج، اعتمادا على اعبيدات الرما والسليمانيات وغيرهما من الفرق الموسيقية المحلية الخ.

ومن بين هذه العادات مايجري إبان الاحتفالات الخاصة بالأيام العشرة لعاشوراء، ومن أجل الوقوف عن قرب على بعض خصوصيات المنطقة، وإن بدأت في الإندثار، كان لـ "الصحراء المغربية" جلسة خفيفة مع الحاجة رابحة، امهاول الزيادية، التي وجدت في حديثنا عن أجواء الاحتفال بعاشوراء، فرصة للعودة إلى الوراء واستعراض ستون سنة من الحركية داخل منطقة الزيايدة.

ابتسمت الحاجة رابحة، وهي تستقبل سؤالي عن عادات وطقوس منطقتها الاحتفالية بأيام عاشوراء، وانطلقت الراوية المبدعة، ولسانها يوحي باحترافية في مجال الحكي (عن حواديث زمان): كنت في صغري رفقة فتيات الدوار، نلتقي صباح يوم عيد الاضحى، لنبدأ الاستعداد لليلة عاشوراء (العاشر من شهر محرم)، يأتي يوم فاتح محرم أول أيام عاشوراء فنختار عظما لفخذ (يلقب بالكصير) خروف العيد من بين العظام التي تأتي بها كل بنات الدوار، نزينه بالحناء ونلبسه أزهى اللباس بمساعدة الأطفال الذين كانوا يكلفون بخياطة الكسوة التي نكون قد فصلناها له (اتشامير والسلهام والرزة)، نصنع له كتفين ورأسا، ونضعه كالعريس فوق صينية، ثم نجول به كل الدواويرالمجاورة، نلتمس من أصحاب الخيام والمنازل ما تيسر لديهم من ثمر أو شريحة أو دقيق أونقود أو نهتف كل ما مررنا بمنزل: أعطينا فليس بابا عايشور آالله يعمر الدار وتصيح أخريات: عايشور أبابا ، عايشور أبيض الركاب إلى سوتي لالة منانة يعطيك الذباب.

تستمر جولات الفتيات كل يوم من أيام عاشوراء، وتتكفل إحداهن بجمع المحصول اليومي وتخزينه، حتى يوم العاشر من محرم، حيث يبدأ لاستعداد لتوديع (بابا عايشور)، الوداع الأخير، فتقوم الفتيات بإزالة لباسه، وغسله وتكفينه وتقبيله ووضعه في مكان ما في الخلاء القريب من الدوار، وتمثل إحداهن دور الزوجة أو الأم التي مات زوجها أو إبنها، فتبدأ في البكاء والنواح، وتنادي جاراتها اللواتي ابتعدن قليلا عن المكان : هاها عايشور، هاها بابا أوليدي عايشور أوليدي أبابا عايشور مات.


يأتي الفتيات من كل صوب وناحية يجسدن أجواء حالات الوفاة عند الكبار، ويصرخن: يا دار جديدة ودخلها برد الليالي أقوموا أنصارى ردوا عايشور فين غادي عايشوري عايشوري دليت عليك شعوري.

تبكي الفتيات بكاء حقيقيا وتندب خدودها وتقطع شعرها، وتنتظر الأولاد حتى يأتون ليقوموا في الفترة ما بين العصر والمغرب بتشييع جنازة (بابا عايشور)، فالفتيات ممنوعات من السير وراء الجنازة.

يذهب الأولاد في موكب جنائزي إلى محل في الخلاء، وهم يصيحون : لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتبقى الفتيات تندبن فقيدهن ويعدنه بالحزن العميق عليه : عايشور العزيز في الزاوية دفنتو

أنا حالفة على رأسي لا دهنتو وأضافت الحاجة رابحة : كنا نشتري الطعارج والبنادر، خلال فترة عاشوراء استعدادا لإحياء ليلة تشييع جنازة بابا عايشور، نلبس أزهى ما لدينا من قفاطن وجلالب ودفاين ومضمات وشرابل وزيوفة وشدودة.

ومن الفتيات من يأتين مكان الحفل متنكرات في أزياء أمهاتهن أو أخواتهن الكبيرات، ونقتسموا الأدوار طيلة ليلة عاشوراء نقتني قطع لحم من بيوتنا، فكل أسرة تختزن لابنتها قطعة لحم من ذبيحة عيد الأضحى، تأتي بها ليلة عاشوراء.

وتأتي الفتاة التي جمعت محصول الأيام التسعة من الجولان داخل الدواوير المجاورة
تنتهي فترات الحزن بعد دفن الجنازة، وتبدأ الاستعدادات لوليمة العشاء (خيلوطة)، وهي وجبة عشاء تشترك فيها كل الفتيات بقطع لحم العيد إضافة بعض ما يلزم الطهي من توابل وأواني وموائد، إضافة إلى ما جمعوه من تجوالهم رفقة العريس الفقيد (بابا عايشور، ويشارك في الحفل الأخير الأولاد الذين يشعلون نار قوية (الشعالة)، تضيء الخلاء كاملا، وتبدأ الفتيات بالرقص والطبل والأولاد يدورون حول (الشعالة)، يقفزون فوقها، ويهتفون رفقة الفتيات بعدة كلمات معبرة عن فرحتهم بالعرس الكبير، تستمر الاحتفالات حتى موعد متأخر من الليل، لينتهي العرس ويتوعد الجميع بعرس أحلى وأحسن لبابا عايشور السنة المقبل.

لم تقف الحاجة رابحة التي خلقت الدفء حولها بكلامها الموزون عند إحتفالات الأطفال، بل تابعت: وعند الكبار تكون ليلة عاشوراء ليلة التكافل والمساءلة عن أحوال الأهل والجيران، فالاسر تجتمع داخل خيمة أو منزل واحد، تقتني الفواكه الجافة (التمر واللوز والكركاع والزبيب والشريحة) من السوق الأسبوعي (الأربعاء)، تفرقها على الأطفال وجميع الأفراد الحاضر والغائب والإبن أو البنت المتزوجة خارج كنف الأسرة.

تجتمع الأسرة كاملة مع الأهل والجيران، وتعد وجبة عشاء من الكسكس الزيادي باللحم المجفف من خروف عيد الأضحى (الكرداس والكديد والديلولة) وأضافت أن )جزءا من الديلولة( يبخر به الإصطبل الخاص بالمواشي ليتزايد عدد المواشي وينمو أحسن. ويستمر سمر الكبار داخل المنزل وحفل الصغار في الخلاء إلى أن يدب النوم في جفون المحتفلين، فيبدأون في الإنسحاب تدريجيا، ويترك أطفال عاشوراء دخان الشعالة يرسل دفئه على الدوار.




تابعونا على فيسبوك