قبل ثلاث سنوات كان التأسيس للجمعية الوطنية لرعاية الصم، وهي الجمعية التي حملت على عاتقها مسؤولية الالتفات إلى هذه الشريحة من المجتمع التي تعاني من إعاقة ليس كغيرها من الإعاقات المرئية، الشيء الذي يجعل المعاناة مضاعفة.
فالكشف فقط عن إعاقة الصمم تقتضي الكثير من الجهد بحيث سعت الجمعية إلى البحث عن المعاقين سمعيا داخل أحيائهم وفي بيوتهم، حتى يمكنها الاهتمام بهم وبالتالي، المساهمة في مساعدتهم على الاندماج في المجتمع، الشيء الذي جعلها تراهن ضمن برامجها على ملء الفراغ الحاصل في ميدان رعاية الصم في المغرب.
منذ أن أصبحت الجمعية عملية في ماي 2003، وهي تسخر كافة جهدها من أجل تقديم المساعدة للأطفال الصم من أجل إدماجهم مدرسيا ومجتمعيا، وهكذا كانت البداية بالقيام بحملات طبية للكشف عن إعاقة الصم، في غياب إحصائيات رسمية توضح الطريق أمام مثل هذه الجمعيات.
فالصعوبة تكمن أكثر في غياب تشخيص مبكر للإعاقة من قبل الأسر خاصة المعوزة
بعده فكرت الجمعية في الدخول في تجربة تعليم متخصص للأطفال الصم، وهي الفكرة التي توجت بإنشاء مركز العهد الجديد، كترجمة للإرادة القوية لكل أعضاء الجمعية للعمل من أجل إنعاش هذا المشروع الاجتماعي والإنساني.
مركز العهد الجديد لتعليم الصم
استطاعت الجمعية الوطنية لرعاية الصم، منذ إنشائها، تنظيم 3 حملات لتشخيص وكشف الصمم في كل من جماعة سيدي مومن وسيدي البرنوصي وكذا الجماعة القروية المنصورية حيث تم إحصاء عدد لا يستهان به من الصم في سن التمدرس لكنهم لا يستفيدون من أي تعليم باعتبارهم حالات خاصة، ولا تعي أسرهم مدى قدرة أبنائها على تجاوز هذه الإعاقة لو أتيحت لها الإمكانيات المادية والوسائل الضرورية لذلك وبحوالي 20 طفلا، انطلق نشاط مركز العهد الجديد، بعد أن شغلت الجمعية، لهذا الغرض محلا بعين السبع على وجه الكراء.
واستهدفت الأطفال من 4 إلى 14 سنة، وبلغ عددهم اليوم 28 طفلا وطفلة، لكن هناك لائحة انتظار تفوق 40 طفلا لا تسمح الطاقة الاستيعابية للمركز بضمهم كلهم، في غياب مقر كاف وأقسام مدمجة بالمدارس العمومية، يقول الدكتور إبراهيم الريحاني رئيس الجمعية الذي يؤكد على الحاجة الملحة إلى الدعم المادي للمركز من أجل تطويره.
ويشرف على المركز مربيات هن متطوعات أكثر منهن موظفات، لهن تجربة وخبرة في مجال ترويض النطق والتعليم بالإشارات، و يهتمن بتلقين الأطفال الصغار المبادئ الأولية للتواصل مع بعضهم البعض، وذلك لمدة ثلاث سنوات كتعليم تمهيدي يستعمل فيه المركز المناهج البيداغوجية الخاصة بتسهيل تعلم الأطفال وتطوير لديهم القدرات الكافية والضرورية لهم، لمساعدتهم على النطق بطريقة سليمة.
كما يتم مساعدة الطفل في هذه المرحلة على التمييز بين الأصوات باعتماد بعض الآلات الموسيقية كالطبل والمزمار، إلى جانب بعض حصص للتربية البدنية، بعدها تنطلق مرحلة التعليم الابتدائي الذي يستغرق 6 سنوات، وهنا يصبح الأطفال في مرحلة متقدمة من التعلم ويتبع معهم المركز وسيلة بيداغوجية جديدة تعتمد على بعض الاستراتيجيات المتطورة في مجال تعليم الصم، لكن تعترف مديرة المركز ونائبة رئيس الجمعية هيبة بووليد الادريسي بأن »من أصعب ما يواجه العاملين في مجال إعاقة الصمم تنمية قدرات الأطفال على التواصل مع غيرهم قصد إدماجهم في المجتمع، لكن إرادتنا أكبر وأقوى لرفع التحدي وإتاحة الفرص للمعاق سمعيا لمواصلة تعليمه وإدماجه في المجتمع« تقول المديرة التي تراهن على برنامج التكوين أيضا في استراتيجية المركز إلى جانب التعليم، وهو التكوين الذي يهم البالغين الصم في مجالات الحلاقة مثلا، والطرز، والتربية النسوية
دون أن يغفل المركز أهمية الأنشطة الجماعية من خلال تنظيم ورشات للرسم والمسرح والرقص "إننا نطمح إلى توسيع اختصاصات المركز حتى نتمكن من تلبية أكبر الحاجيات في التكوين والتعليم للصم وهذا لم ينسينا الاهتمام بمحاربة الأمية من خلال فتح قسم لفائدة 8 بالغين صم موازاة مع تكوينهم في مجال الحلاقة، لكن الإمكانيات تبقى جد محدودة في غياب مساعدات ورعاية مادية كافية من أجل ضمان حياة أفضل" تقول المسؤولة الجمعوية في إشارة منها إلى الخصاص المادي الذي تعاني منه الجمعية.
بالنسبة لرئيس الجمعية إبراهيم الريحاني "فالأمر يتعلق بإعاقة غير مرئية، وهذا ما يتطلب تكافلا كبيرا من كافة قوى المجتمع، لأن مهمة التكفل بإعاقة الصمم تبدو جد صعبة كونها تقتضي غلافا ماليا ضخما حتى يمكن إعداد فريق متعدد الاختصاص من أطباء متخصصين في كافة جوانب الإعاقة ومربيين ومساعدات اجتماعيات وكذا مجموعة من المعدات والتجهيزات السمعية والبصرية".
ورغم المجهود الذي يبذله أعضاء الجمعية الذين يطرقون كل الأبواب من أجل التحسيس بقضية هؤلاء المعاقين سمعيا، إلا أنه لا يفوتهم التذكير بالمسؤولية التي يمكن أن يضطلع بها المجتمع من أجل إرساء تضامن فعال مع الأطفال الصم وضمان اندماج حقيقي لهم، ابتداء بالتوعية والتحسيس والتأثير الإيجابي على العقليات ومرورا بتهييء المناخ الملائم لضمان تكافؤ فرص الشغل لصالحهم.
"في الوقت الذي تولي الدول المتقدمة وحتى بعض الدول السائرة في طريق النمو عناية خاصة للصم ويحظون فيها بالعديد من الامتيازات الاجتماعية تضمن لهم بلوغ مستوى معين من التعليم العالي نجد أن الصم عندنا لا يحظون بأي امتياز، وتبقى الوسائل المخصصة لهذه الإعاقة جد متدنية، وهذا ما يجعلنا نناضل من أجل أن تنعم علينا وزارة التربية الوطنية بأقسام مدمجة داخل المدارس العمومية تفي الحاجيات وتستوعب الأعداد من المعاقين التي تبقى في لوائح انتظار تنتظر نصيبها من التعلم والتمدرس".
وهذا ما يطرح تساؤلا عريضا لدى أعضاء الجمعية وهو: "ما مصير المعاق سمعيا بعد المرحلة الابتدائية؟". ويبقى الأمل معلقا حول إمكانية تحمل الدولة مسؤوليتها اتجاه إنشاء مدارس متخصصة، أو على الأقل توفير أساتذة ومربين متخصصين يوضعون رهن إشارة مثل هذه الجمعيات حتى تتمكن من أداء دورها في رعاية الصم »فأهم عائق تربوي هو ندرة مروضي النطق".
الأطفال الصم هم بحاجة إلى أجهزة تقوية السمع، وذلك في وقت مبكر من اكتشاف إعاقته، وهذا يساعده بطبيعة الحال على دخول مرحلة النطق وتعليم الطفل القراءة والكتابة، "لكن نصطدم دائما بعدم توفر هذه الآلات السمعية نظرا لثمنها الباهض خاصة وأن الأطفال الصم المستفدين من خدمات الجمعية ومركزها التربوي من أسر ضعيفة.
وهذا عائق آخر، نأمل أن نتجاوزه لو تمكنا من إيجاد من يرعى تمدرس تلاميذتنا والتكفل بمصاريفه"من ضمن المشاكل التي تصطدم بها الجمعية في تعليم وتربية هؤلاء الأطفال، مشكل التنقل فأغلبيتهم موزعين من حيث السكن في أطراف متباعدة من المدينة "وسيلة نقل الوحيدة التي نتوفر عليها هي لصاحب مدرسة خصوصية وضعها رهن إشارتنا".
وتواصل الجمعية حملاتها الطبية للكشف عن الصمم "لقد اكتشفنا عند افتتاح المركز حوالي 60 حالة، لكن أسر هؤلاء لم يكونوا ليعيروا أي اهتمام لتعليم أبنائهم إما لغياب الوعي أو لبعد سكناهم عن مقر المركز« يقول إبراهيم الريحاني.
أيضا تقوم الجمعية بحملات للكشف عن السكري و الضغط الدموي والتهاب الكبد، وهي حملات يقوم بها الأطباء المنخرطون في الجمعية وبمساهمة من مختبرات الأدوية "وقد استفاد من الحملة المنظمة، أخيرا، بمقاطعة سيدي مومن حوالي 200 شخص من الجنسين من ساكنة سيدي مومن".
غير هذا، لا تنفك الجمعية تقدم عروضا فنية ومسرحية سواء أكانت لأطفال المركز أو بتعاون مع جمعيات أخرى، كما لا تغفل توزيع اللعب والهدايا بمناسبات الأعياد
كتعبير عن تضامن الجمعية مع أولياء الأطفال، الذين هم في معظمهم من الأوساط الفقيرة والمعوزة، تضع الجمعية ضمن أولوياتها مشروع بناء مركز للرعاية المبكرة للأطفال الصم يتلاءم وحاجيات هذه الفئة المهمشة، وتسعى من خلاله الجمعية تطوير تجربتها، وهو الآن في طور الدراسة التقنية والمالية حتى تحدد الجمعية الموارد المالية الكافية لبنائه بعد أن تمكنت من الحصول على بقعة أرضية يقام عليها المشروع بجماعة سيدي مومن.
والجمعية في بحث دائم عن موارد كافية من أجل اقتناء الآلات السمعية لكل أطفالها، وإدخال المعلوميات وإنشاء مكتبة سمعية خاصة، وتوفير حافلات كافية لنقل المتمدرسين، وغيرها من الطموحات التي لا يكفيها مبلغ 4000 درهم كدعم وحيد توصلت به لأول مرة من مجلس المدينة في إطار دعم الجمعيات.
"هناك إرادة قوية للجمعية ومكتبها المسير، للعمل والتضحية لإنجاح هذا المشروع الاجتماعي والإنساني، لكن هذا لا يمنع من التحسيس بأهمية تكافل القوى الحية حتى نستطيع على الأقل ضمان الحد الأدنى من الاندماج في الحياة الاجتماعية والمدرسية والمهنية لهؤلاء الأطفال" يقول إبراهيم الريحاني رئيس الجمعية.
الجمعية الوطنية لرعاية الصم المقر الإداري: فيلا المنيوي كلم 7.8 طريق الرباط مقابل مقهى لونابارك. عين السبع الدار البيضاء الهاتف: 022355985 الهاتف المتنقل: 065135656 البريد الإلكتروني: [email protected] الحساب البريدي : SGMB-Agence jawhara 0019200009032835
الجمعية: أنشطة ومشاريع
رغم إشكالية التربية والتعليم بالنسبة لهذه الفئة من الأطفال، تحاول الجمعية الوطنية لرعاية الصم تجاوز الأمر بتوضعها لبرامج ثقافية ورياضية وترفيهية تمكن من تقديم فرص أخرى للاندماج، مثل تمكين أطفال المركز من الاستفادة من المخيمات الصيفية.
وهذا يعطيهم فرصة حقيقية للراحة والاستجمام، والتربية الاجتماعية في الاعتماد على النفس وتنظيم وتدبير مستلزماتهم واندماجهم مع الأطفال العاديين، كما ينظم المركز خرجات لفائدة الأطفال آخرها، خرجة إلى غابة تمارة، السنة الماضية، "وهنا تمكن الأطفال من المشاركة في منتدى السلام بمناسبة ذكرى أحداث 16 ماي".
ولعل تكريم أم المعاق، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، هي أهم تظاهرة تريد بها الجمعية إعادة الاعتبار لكائن تقع على عاتقه كل المتاعب والمسؤولية في تربية ابنها المعاق، لكن يبقى التحسيس أهم عنصر تعتمده الجمعية للتوعية بإعاقة الصمم، وهي لهذا تنظم عروضا تحسيسية بمساهمة متخصصين في الطب والتربية.