هكذا بدا السجن المحلي لعين السبع "عكاشة" صباح الثلاثاء الماضي، حشد من المواطنين تجمهروا أمام بوابة السجن الحديدية منتظرين دورهم للولوج إلى الداخل،
نساء طاعنات في السن يحملن "قفف الزيارة" لأبنائهن السجناء، أطفال مصحوبين بأمهاتهم جاؤوا لعيادة أب أو قريب وراء القضبان، ببوابة السجن يرتفع اللغط، ويحاول موظفان جاهدان أن ينظمان حركة انسياب الزوار اعتمادا على نظام الأفواج
بالداخل موظفون ببزاتهم الزرقاء الداكنة يتفحصون محتويات القفف درءا لتسرب ممنوعات، يقومون بفحص يدوي قبل أن تمر هذه القفف داخل جهاز سكانير لقطع دابر الشك.
في مدخل السجن وضع جهاز "سكانير" تمر منه المواد الغذائية التي تأتي بها أسر السجناء، الجهاز يكشف المخدرات والقطع المعدنية، وكلما تضاعفت المراقبة تفنن المهربون في ابتداع طرق جديدة لتهريب الممنوعات إلى النزلاء.
خلال العام الجاري أحبط الحراس محاولات لإدخال المخدرات إلى السجن، فقارورات المشروبات الغازية استعملت لتهريب "الفودكا"، والتمر لتهريب النقود، وعلب الشامبوان لإدخال الأقراص المهلوسة، والحلويات صنعت خصيصا لإدخال مخدر "المعجون"، أما علب الشاي فهي المكان الأفضل لوضع أوراق »النيبرو« التي تلف فيها لفائف الحشيش قبل تدخينها.
موظف بالسجن قال لـ "المغربية" إن الإدارة تعمل جاهدة على أن تمر الزيارة المباشرة التي بدأ العمل بها منذ شهرين بسجن عكاشة في أحسن الظروف، وأشاد بالتدابير الجيدة التي اتخذها المدير المسؤول، المعطي بوبيزة، كالسماح بالزيارة المباشرة من الاثنين إلى الجمعة بالنسبة إلى الزوار القادمين من مدن بعيدة لعيادة أقاربهم، و الحرص على أن يلتزم الموظفون باللياقة في التعامل مع الزوار.
تجاوزنا الساحة الداخلية للسجن حيث نصبت خيمة كبيرة مزودة بكراسي، إذ يجلس زوار ينتظرون دورهم للاستفادة من الزيارة المباشرة، لندخل إلى ساحة أخرى تطل على إدارة السجن، استقبلنا المدير، رجل وقور دمث الأخلاق، يتحدث بدون كلفة، وقال إن السجن مفتوح أمام فعاليات المجتمع المدني والصحافة انسجاما مع تعليمات الإدارة العامة، وأضاف "لقد جئتم في زيارة مباغتة وتفضلوا بمعاينة الأجنحة والمرافق التي ترغبون في زيارتها"سألناه عن التقاط الصور، وقال بلهجة صادقة"التقطوا ما تريدون من الصور، فليس لدينا شيء لنخفيه ونحن نعمل وفق ما يمليه علينا ضميرنا ونلتزم بتطبيق القانون"
يعمل هذا الرجل رفقة فريق شاب من النواب، خريجي كلية علوم التربية، وفق فلسفة "العمل الجماعي والالتزام بأخلاق المهنة، واتخاذ القرارات المناسبة، وخدمة النزلاء والإنصات لشكاياتهم وحل مشاكلهم بشكل فوري".
رافقنا موظف لقاعات الزيارة المباشرة، وبعد أن نزلنا إلى الطابق الأرضي لسجن عكاشة، وجدنا سبع قاعات فسيحة مخصصة للزيارة المباشرة، تستقبل هذه القاعات أفواجا من الزائرين، ويوجد في كل قاعة موظفان يسهران على تتبع العملية.
شاهدنا نزيلا يصرخ في وجه زوجته، وآخر يقبل رأس والدته، وثالث يعانق والده، و سجناء آخرون يحملون نظرات منكسرة، خاطبت أحدهم قائلا "الله يجيب العفو« فطأطأ رأسه ولم ينبس ببنت شفة.
الموظفون العاملون في قاعات الزيارة المباشرة أكدوا أنهم يواجهون أحيانا صعوبات مع العائلات، خصوصا عندما ينتهي الوقت المخصص للزيارة، وقالوا إنهم مضطرون لتقبل الإهانات أحيانا عندما يرفض الزوار مغادرة القاعة وفسح المجال أمام فوج جديد ينتظر دوره.
ويوم عيد الفطر الماضي اضطر هؤلاء الموظفون إلى العمل منذ الساعة التاسعة صباحا إلى حدود الساعة السابعة مساء، أما في الأيام العادية فإنهم يعملون إلى حدود الساعة الخامسة مساء، رغم أن التوقيت الإداري ينتهي مع الساعة الرابعة زوالا، انسجاما مع نظام التوقيت المستمر المعمول به في الإدارات المغربية.
وفاق عدد الزيارات المباشرة المسجلة بالسجن المحلي عين السبع بالبيضاء 147 ألف زيارة إلى حدود يوم الثلاثاء الماضي، وقالت مصادر من إدارة السجن، إن هذا النظام شكل مغامرة بالنسبة إلى المدير الجديد، بعد أن عجز سابقوه عن اعتماد نظام الزيارة المباشرة في أكبر سجن بالمغرب، يفوق عدد نزلائه 6500 نزيل يعمل في هذا السجن 420موظفا، ضمنهم 369 ذكورا و 51 إناثا، مطالبون بالعمل في إطار نظام مداومة على مدار الأربع والعشرين ساعة
الموظفون هنا يعملون في ظل شروط تغيب فيها التحفيزات المادية، طالما أن الأجور التي يتقاضونها تظل هزيلة ولاتسمن أو تغني من جوع.
سألنا نزلاء عن مدى رضاهم عن نظام الزيارة المباشرة فأبدوا ارتياحا شديدا وشكروا المسؤولين هنا بسجن عكاشة.
فمصطفى النزيل الذي أمضى داخل السجن 6 أشهر، قال إنه سيظل هنا لمدة عامين و10 أشهر، ليكمل عقوبته الحبسية، كان مصطفى يجلس أمام والدته التي قدمت ذاك الصباح لزيارته، لمع بريق فرح في عينيه وقال »أشكر إدارة السجن على هذه الخطوة، على الأقل صار بإمكاني التحدث مع أفراد أسرتي بحرية، وبت أشعر أنني قريب منهم
في السابق لم أكن استطيع سماع مقاطع من كلامهم، بسبب صخب نزلاء يتحدثون بدورهم مع عائلاتهم من وراء شباك يفصل بيننا
أما الآن فإنه صار بإمكاني الحديث مباشرة مع أمي التي تزورني كل أسبوع داخل أجنحة السجن توجد زنازن ضيقة لكنها نظيفة، نزلاؤها يرسلون نظرات منكسرة
ومخطئ من يعتقد أن"السجن للرجال" فالشهادات التي استقيناها، تؤكد أن السجن فضاء للذل والمهانة.
سمير الذي يقضي عقوبة حبسية بالسجن نفسه، قال إنه نادم على الجرم الذي ارتكبه في لحظة طيش، وحميد تاجر المخدرات الأسبق، قال إنه تاب ولن يكرر ما فعله بمجرد مغادرته للسجن، أما خالد فوصف الوضع بسجن عكاشة بالمهين للكرامة الإنسانية.
تركنا قاعات الزيارة المباشرة، وصعدنا مجددا لبهو الإدارة، شاهدنا نزلاء جدد جيئ بهم توا من المحكمة، ينتظرون تسوية أوراقهم، كانوا يصطفون في طابور أمام مكتب التشخيص القضائي في الطابق الأرضي، من بناية سجن عكاشة.
سيمكثون هنا في زنازن صغيرة ك "باجدية" في انتظار توزيعهم على الأجنحة.