عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل

حبيبة الزاهي : هناك مخطط يحاك ضد العمل النقابي

الجمعة 27 أكتوبر 2006 - 12:19
حبيبة الزاهي

قالت حبيبة الزاهي، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، إن هناك جهات معينة تروج لخطاب سلبي قصد نزع المصداقية عن العمل النقابي في المغرب، وكذا عن العمل الجمعوي والمدني، اللذين يقعان ضحية لهذه الهجومات غير المبررة.

وعبرت الزاهي عن اعتقادها بوجود مخطط يحاك ضد الأنشطة النقابية من طرف جهات لم تكشف عن هويتها بشكل قطعي، مشيرة إلى وجود نيات تسعى إلى إبعاد المواطن عن العمل النقابي، وقالت في هذا الصدد إن هذا"يجعلنا نشعر وكأننا عدنا إلى حقبة (أدخل سوق راسك)".

وأوضحت الكاتبة الوطنية لقطاع الاتصالات داخل النقابة الوطنية للبريد والمواصلات، أن العمل النقابي كان يمارس دائما في ظل ظروف صعبة، سياسية أو اقتصادية كانت، دفاعا عن فئة من الشغيلة المغربية في مواجهة جهة أخرى تحرص بدورها على الحفاظ على مصالحها، مبينة أن هذه الأخيرة تمتلك من الإمكانات ما يخول لها الدفاع عن نفسها، من خلال استعمالها لجل السبل، معرفية كانت أو مالية أو إعلامية أو غيرها.

وأعلنت حبيبة الزاهي، أن قرارات النقابيين أضحت تسير نحو اختيار الأشكال النضالية التي تضمن التوازن بين المكسب والخسارة في ما يطلبون تحقيقه وما يلزمون به مشغليهم، موضحة أنهم لا يقدمون على خوض الإضرابات، إلا بعد استنفاد كل الطرق النضالية والمفاوضات المباشرة.

وأكدت المسؤولة النقابية أن العمل النقابي رغم كل الإكراهات، لايزال يؤدي وظيفته المنتظرة منه، مشيرة إلى وجود 15 في المائة فقط من المقاولات التي تحترم قانون الشغل.

وعبرت الزاهي عن أملها في" أن تجري الوزارة المكلفة بالتشغيل، بحثا حول المقاولات التي يحترم فيها قانون الشغل، ومدى قبولها بتأسيس مكاتب نقابية داخلها، لمعرفة مدى سعي العديد من الأطراف وراء محاربة العمل النقابي".

في الحوار التالي، تكشف حبيبة الزاهي عن معلومات أخرى تتعلق بالأداء النقابي المغربي ومعيقاته القانونية والسوسيوثقافية .

٭ يلاحظ بعض الأفراد والجماعات أن العمل النقابي يشهد تراجعا في أدائه بالمغرب، وبالتالي لم تعد له منزلته التي كان يتمتع بها في وقت سابق، إذ كان يحسب للنقابات ألف حساب إلى أي حد تتفقون مع هذا القول؟

ـ للأسف، هناك توجه لنزع المصداقية عن العمل النقابي، كما يرتقب نزعها عن العمل الجمعوي والمدني، اللذين يقعان ضحية لهذه الهجومات غير المبررة.

أعتقد أن هناك مخططا يحاك ضد العمل النقابي في المغرب، يرمي التشكيك في مصداقية عمله من طرف جهات لا أستطيع تحديد هويتها بشكل قطعي، لكن يظهر جليا أن هناك نيات أو أفكارا تدور حول إبعاد المواطن عن العمل النقابي، ما يجعلنا نشعر وكأننا عدنا إلى حقبة "دخل سوق راسك".

إن مثل هذه الخطوات ليست بالجديدة، لكنها أساليب قديمة كانت تستهدف عرقلة أي عمل جماعي يرمي إلى تحقيق مصلحة عامة أو مصلحة مجموعة، ولذلك لا بد أن أذكر بسنوات الستينيات، التي عرف فيها المغرب قمع الحريات العامة ومن ضمنها العمل النقابي وحرية التأسيس وحرية التعبير وغيرها من الحقوق.

وأشير هنا إلى ما عايشه النقابيون التابعون للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، من طرد من مقرات عملهم واعتقالهم وقمعهم وممارسة الضغط عليهم، ما يظهر لنا بأن العمل النقابي لم يخرج إلى الوجود بشكل يسير، بل كانت طريقه كلها مفروشة بالأشواك المؤلمة، بل هو عمل محارب بشكل عنيف من قبل الإدارة.

اليوم نعيش حالة من خوصصة العمل النقابي وتفويته من الدولة إلى أجهزة معينة سواء كانت مقاولات أو جهات أخرى، أنا لا أفهم مثل هذا الهجوم على العمل النقابي، في الوقت الذي يمكن فيه مناقشة مواضيع وطرح أسئلة حقيقية عن العمل النقابي ليس على المستوى الوطني، وإنما على الصعيد العالمي.

لذلك لا يمكن القول إن العمل النقابي يشهد تراجعا في أدائه في ظل غياب أرقام أو دراسة ميدانية تؤكد هذه النتيجة أو تفندها، علما أنه تتوفر إمكانية إجراء مثل هذه الدراسات لتحديد قوة أو ضعف العمل النقابي في المغرب، من قبل الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة التشغيل، اعتقد أنها مسألة صعبة، لكن إذا خطط لها بشكل جيد ونفذت كما ينبغي، فستعطي نتائج قريبة جدا من الحقيقة.

عموما، العمل النقابي دائما كان يمارس في ظل ظروف صعبة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، لأنه عمل يدافع عن فئة من العمال والشغيلة في مواجهة جهة أخرى تحرص بدورها على الحفاظ على مصالحها، لكن لا يمكن الاستهانة بقدراتها في الدفاع عن نفسها، باستعمال جل السبل المتوفرة لديها، معرفية كانت أو مالية أو إعلامية أو غيرها من الطرق.

أظن أيضا أنه عمل تتصارع فيه الطبقات لأجل للحفاظ على ما اكتسبته من حقوق، وبالتالي عدم السماح المساس بها.

فهذا الصراع، هو صراع عاد وأزلي بين الفئات والطبقات المختلفة داخل المجتمع التي لن تسمح المساس بها، كما يمكن لهذه الجهات استغلال إمكاناتها المهمة لترويج مثل هذه الفكرة، فتدعي أن العمل النقابي تراجع لتضعفه وتنزع عنه مصداقيته وتشكك في جدوى أدائه، بهدف القضاء على الوحدة العمالية وإبعاده عن الأنشطة النقابية وتركه منزويا منطويا، وهذا طبعا في مصلحة الباطرونا .

لكن في الواقع، نعي جيدا حجم الصعوبات التي تعوق العمل النقابي في المغرب.

٭ هل تدخل الصعوبات الاقتصادية وما تفرضه العولمة على الاقتصاد الوطني من شروط قاسية، (تدخل)في إطار الصعوبات التي تتحدثون عنها الآن، والتي دفعت بالنقابات العمالية إلى نهج أسلوب المهادنة مع الباطرونا عند المطالبة بالحفاظ على مصالح الفئة التي تمثلها؟

ـ لابد أن نتفق على أن العمل النقابي، هو عمل يجري في مواجهة الجهة المالكة للرأسمال، ما يحتم علينا الاختيار بين مقاربتين في الدفاع عن حقوق العمال، الأولى تتمثل في استخدام أسلوب يمكن وصفه بالفوضوي أو المتهور في خوض الأشكال النضالية دون مراعاة للنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها، أو اعتماد المقاربة الثانية التي تتطلب تأن شديد وضمان ربح الطرفين.

فالاختيار الحالي الذي تتجه إليه النقابات هو المقاربة الثانية، لأن المقاولة المغربية لم تعد محمية بالحواجز الجمركية، أو بسياسة حمائية كالتي كان ينهجها المغرب في وقت سابق لحماية المنتوج الداخلي، وذلك ابتداء من برنامج التقويم الهيكلي الأول، والتوقيع على اتفاقيات الكات أو تلك الموقعة مع الاتحاد الأوروربي، أو بموجب الاتفاقية الأخيرة الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية.

فوجودنا كبلد ضمن المنظمة العالمية للتجارة، قضى على جميع الأشكال الحمائية للمنتوجات المغربية، ففي ظل هذه الظروف نواجه حقيقة وجود مقاولات لا يمكن لها الاستمرار إلا إذا توفرت شروط معينة، ووفقها من مصلحة العامل بقاء المقاولة لضمان بقائه في العمل خوفا من البطالة، لذلك أصبحنا أمام خيار استمرار المقاولة وحفاظ العامل على عمله، مع ضمان شغل لائق لكل العاملين داخلها.

لكن هذا لا يعني أننا كنقابات أصبحنا نقبل العمل في أي شروط، وهذا ما تتجه إليه منظمة العمل الدولية، التي تتدخل بعد أن انتبهت إلى هذا التحدي، فتحدثت عن العمل اللائق من خلال حرصها على الحد الأدنى من الأجر، وضبط ساعات العمل، وباقي حقوق العمال.

في المغرب توجد 15 في المائة فقط من المقاولات التي تحترم قانون الشغل، وأفترض أن تكون من التي بها مكاتب نقابية، وهنا تأتي محاربة العمل النقابي.

وأتمنى لو أن مديرية التشغيل أجرت بحثا حول النقابات التي يحترم فيها قانون الشغل، ومدى قبولها بتأسيس مكاتب نقابية داخلها.

كنقابات عمالية تمكنا من الحفاظ على بقاء النقابات في قطاع النسيج دون المساس بحقوق العمال أو المستخدمين، إذ تشكلت لجنة ثنائية ما بين أرباب عمل النسيج والنقابات، وفي إطارها انخفض عدد النزاعات الاجتماعية من سنة 2002 إلى اليوم.

٭ هل هذا يعني أنكم راضون عن العمل النقابي في المغرب؟

ـ لا يمكن أن نكون راضين بشكل نهائي عن العمل النقابي، وهذا ليس اختيارالنقابيين ذاتهم، وإنما الأمر يعود إلى الظروف التي يعملون في إطارها، إذ أن جل أرباب العمل لم يقتنعوا بأنه لا يمكن للمقاولة الاستمرار في الوجود، والاحتفاظ بقدرتها على المنافسة في غياب وجود من يمثل العمال ويصون مصالحهم.

فعمليا لا يزال النقابيون الذين دعوا لتشكيل المكتب النقابي يتعرضون للطرد وللمضايقة، والمكاتب النقابية عموما تولد وتخرج إلى الوجود، بوجع ومخاض عسير، إذ غالبا ما يرفض طلب عقد اللقاء التأسيسي لمكتب نقابي داخل شركة أو مقاولة معينة.

ففي إطارالقمع العام الذي كان يمارس على الحريات بشكل عام ومن ضمنها النقابات، أصبح الآن الأمر أكثر صعوبة بفعل توفر الامكانات المهمة التي يتوفر عليها أرباب العمل، وتساعدهم على ممارسة المضايقات على النقابيين.

أما بخصوص أشكال التضييق على عمل النقابيين في أسلاك الوظيفة العمومية، فتتجلى في عرقلة الترقية أو مواجهتهم بالتنقيل التعسفي.

٭ ألا يساعدكم قانون الشغل على ضمان حماية للعمال الموظفين الذين تمثلونهم؟

ـ القانون حاضر، وتتوفر ترسانة قانونية لحماية الأجراء والموظفين، إلا أن المشكلة تكمن في صعوبة تطبيقه، وفي آليات التطبيق، فالأدوارالموكولة إلى مفتشي الشغل، هي أدوار مهمة لكنها لا تعطي أكلها بفعل ضعف الإمكانات والوسائل المتاحة لهم للوفاء بعملهم على أحسن صورة.

كما أن عدد مفتشي الشغل ضعيف جدا، إذ لا يتوفر المغرب سوى على 400 مفتش شغل، يعمل وسط مئات آلاف من المؤسسات والشركات والإدارات، ما يعوق المفتشين عن إجراء كل المعاينات وزيارة مقرات العمل للوقوف على الخروقات.

ثانيا تغيب في المغرب الوسائل المادية المرصودة لتعويض المفتشين عن التنقل تشجيعا له على أداء مهمتهم على أكمل وجه، وأخيرا فقدان القيمة القانونية للمحضرالذي ينجزه مفتش الشغل بعد إرساله إلى المحكمة .

أقول إن أطراف الشغل، الأجير والنقابات الممثلة لهم، والمقاولات والجمعيات أوالمؤسسات التي تمثلها، كلهم ملزمون بمعرفة أن النقابات العمالية هي شريك في العملية الاقتصادية، وليست أعداء، لأننا نلمس أنه ينظر إلى النقابيين بنظرة عداء وليس نظرة تكامل.

فالمقاولة في المغرب هي غير المقاولة في البلاد الأوروبية على سبيل المثال، إذ عندنا لا يزال رب العمل ينظر إليها على أنها ضيعة في ملكه، وهو الوحيد الذي يستفيد من خيراتها، في مقابل نظرته للعامل وكأنه "خماس" في أرض فلاحية، بل ويستكثر على العامل تمتيعه بأبسط الحقوق.

الكثير من المقاولات تنهج أسلوب القمع ضد العامل أو الأجير، وتحرمه من حق الدفاع عن مصالحه في ظل هذه المقاولة، لذا لا بد للمقاولات المغربية أن تعي أن العامل هو شريكها، وأنه المساهم في ما تحققه من أرباح وإنتاج جيد ومردودية مرتفعة، كما عليها احترامه لتستمر المقاولة في السوق العالمي.

ومن أكثر النقاط التي يركز عليها العمال مطالبهم، تتمثل في احترام وصيانة كرامتهم، بعد مطالبتهم بارتفاع الأجر وتحسين شروط العمل.

٭ ما هي القضايا الأساسية التي تفرض ذاتها لمساءلة العمل النقابي في المغرب؟

ـ يطرح على العمل النقابي بأن لا يظل مجال عمله أو تدخله منحصرا في ظل العولمة على المطالب الضيقة للطبقة العاملة المتمثلة في الزيادة في الأجور وتحسين شروط العمل، بل لا بد من تزعمه لمختلف الحركات الاحتجاجية داخل البلد، ومثل ذلك عند الزيادة في الأسعار، أو عند تدهور الأداء السياسي أو تراجع الخدمات الصحية أو التعليمية.

ونحن في إطار الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، اقتنعنا بهذا الطرح ووعينا به، فقررنا مثلا بخصوص قضايا التعليم، العمل إلى جانب المطالبة بحقوق أسرة التعليم، والدفاع عن المدرسة العمومية ومآلها، ودراسة هموم القطاع ككل.

والأمر نفسه نهجناه بالنسبة إلى قطاع النسيج، إذ رغم الظروف الصعبة التي تعيشها الطبقة العاملة داخل هذه المؤسسات، يجري تكوين العاملات لمعرفة حقوقهن، وبالتالي تحسيسهن بمدى مشاركتهن في أرباح الشركة، وهذا يستوجب تفتح العمل النقابي على محيطه.

٭ وماذا عن تراجع الدعوة لخوض إضرابات في القطاع الخاص في مقابل تزايد عدد الإضرابات في القطاع العام، وأعطي مثالا بقطاع الصحة والتعليم والجماعات المحلية

ـ في السابق كان عدد القطاعات التابعة للقطاع العمومي، التي تتوفر على مكاتب نقابية محدودة ومعروفة، ومن أهمها قطاع التعليم والصحة وقطاع البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، بخلاف قطاعات أخرى ظلت تعاني التضييق على نشاطها فلم يستطع العاملون بها الانخراط في نقابة من النقابات الموجودة.

لكن مع سياسة الانفتاح السياسي، أصبح بإمكان باقي القطاعات الانضمام إلى العمل النقابي، فتأسست مكاتب نقابية بإدارات المالية والتشغيل على سبيل المثال لا الحصر، وهي من القطاعات التي كانت "مقجوجة"، فكان الانفتاح فرصة للتعبير عن مطالبهم المجمدة، خاصة في ما يتعلق بالترقية ومطالب المهندسين والمتصرفين، لكن هناك واقع نقابي ليس هو الأمثل بالمغرب، ويمكن لأي نقابي الاعتراف بهذا المستوى.

هناك نواقص وصعوبات مادية وبشرية إلى جانب مشكلة تفرغ النقابيين ذاتهم، هذه النقط تطرح نفسها بقوة على العمل النقابي في المغرب، ومن الضروري توفير حلول لها لتطوير أداء العمل النقابي، الذي يعتبر ضروريا للعاملين، كما لأرباب العمل وأجهزة الدولة أيضا.

٭ لماذا غاب صوت النقابات العمالية بشكل عام للجهر بموقفها من حجم الزيادات في الأسعار كما كان الأمر في بداية سنوات الثمانينات؟

ـ موقفنا واضح من الزيادات التي شهدتها أسعار المواد الغذائية وأهم الخدمات، إذ أننا نطالب دائما بضرورة تحيين سلم الأجور، وفقا لحجم الزيادات في الأسعار، فمنذ سنة 92 إلى اليوم، ارتفع الحد الأدنى للأجر بنسبة 48 في المائة، بينما مؤشرتكلفة العيش وصل في الفترة ذاتها إلى 57 في المائة، بما يفيد تدهورالقدرة الشرائية، إذ إن موقف الكونفدرالية الديموقراطية للشغل واضح بهذا الصدد منذ إضرابات سنة 1981، التي عرفت خلالها مناهضة الزيادة في الأسعار أوجها، ومن مطالبها مراجعة القانون الضريبي، والضريبة المفروضة على الدخل، وتوفير آليات لتطبيق هذه الإجراءات.

وأشير إلى أننا منخرطون في تنسيقية مناهضة الأسعار التي تشكلت أخيرا خاصة في مدينة الدار البيضاء.

٭ ما ردكم على انتظارات المواطن من النقابات للنيابة عنه في المطالبة من تحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي من خلال رفع الأجور، وخفض الأسعار؟

ـ على المواطن الانخراط في الجمعيات المدنية أو النقابات العمالية والمهنية والمشاركة في الشأن العام، من خلال الانضمام إلى الأحزاب للدفاع عن مصالحهم بمختلف جوانبها، وتأسيس جمعيات مستهلكين جادة وقوية.

فطموح المواطن هو طموحنا أيضا، خاصة وأن منخرطي النقابات، هم من الفئة القليلة التي تتوفرعلى عمل في إطار مهيكل، بينما يظل العاملون في القطاعات غير المهيكلة، وعددهم كثير، خارج إطار التأطير، لذلك لابد من تكثيف الجهود بين جميع الأطراف والجهات، وفتح حوار حقيقي حول هموم الوطن والمواطنين.

٭ ألا تجدون أن المواطن العادي غير مؤهل للدفاع عن نفسه؟

ـ هذه نتيجة لما أقدم عليه المسؤولون في فترة من الفترات من تاريخ المغرب، حين كان المواطن مبعدا ومقصيا، وكانت جهات بعينها تستأثر بأخذ القرارات خارج إطار معاملة المغربي على أنه مواطن له حقوق وعليه واجبات، كما أن عجزه يعود أيضا إلى فشل السياسة التعليمية ومحدودية التفكير لدى المواطن العادي.

ولأجل ذلك طالبنا خلال الانتخابات الأخيرة من خلال الشعارات التي حملناها، بإلزامية التوصل إلى عقد اجتماعي بين كل مكونات المجتمع، وفتح حوار اجتماعي تتمخض عنه قرارات وتوصيات، تضمن بلوغ الحد الأدنى من الاتفاقات والاشتغال عليه في مختلف المجالات، منبهين إلى أنه في غياب ذلك سيظل أغلب المواطنين بعيدين عن القرارات التي تتخذ، وبالتالي بقاؤهم في موضع المتفرج دون فعالية.

وفي ظل هذه الظروف يتخوف من أن تصبح هذه الفئة أكثر تهديدا لأمن المجتمع، وقنابل بشرية يمكن لها أن تنفجر في وقت من الأوقات.

وفي هذا الصدد تعتبر النقابات العمالية مشاركة في التأطير ومسؤولة عليه إلى جانب الأحزاب، وفقا لما جاء في الدستور المغربي، لكن يجب على كل الفاعلين أن يعوا أهمية الأدوار المنوطة بهم.

٭ ما هي في تقديركم المكانة التي تتبوؤها النساء في العمل النقابي، وما هي نسب وجودهن في التنظيمات النقابية وحظوظهن في الوصول إلى الأجهزة التنفيذية في النقابات المغربية؟

ـ نسبة وجود المرأة في التنظيمات النقابية مهمة للغاية، إلا أن مستويات هذا الوجود هي التي تطرح مشكلة حقيقية .

فإذا نظرنا إلى عدد المنخرطات، ومستوى حضورهن في المعارك النضالية، أو وقفة احتجاجية، يكاد وجودهن يفوق عدد الرجال فيها.

وإذا تأملنا أيضا في نسبة العاملين في المغرب، فإن نسبة النساء بينهم لا يتجاوز 29 في المائة، بما يفيد أن تمثيليتهن داخل العمل النقابي يوازي تمثيليتهن داخل السكان النشيطين.

والمشكلة لا تكمن في مدى انضمامها إلى القاعدة أو في مدى رغبتها أو قدرتها على خوض الإضراب والاعتصام والوقفة الاحتجاجية، وإنما المشكلة تكمن في وجودها داخل الأجهزة، وتحمل المسؤولية داخلها.

بالنسبة إلينا في إطار الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، أسفر المؤتمرالأخير عن فوز4 عضوات في المكتب التنفيذي من ضمن 24 .

في بعض الأحيان نجد أن هناك نساء يمكن أن يتولين مسؤولية أعلى في جهاز نقابي، وفي كثير من الأحيان نجد المرأة قادرة على تولي مثل هذا المنصب، لكن نجدهن يمثلن قطاعا أو قطاعين فقط مثل التعليم أو الوظيفة العمومية، بينما تظل قطاعات أخرى دون تمثيلية نسائية وهذا يعود في نظري إلى حجم المشاكل التي تعوق النساء عن بلوغ مستويات تنفيذية عليا.

٭ ما هي طبيعة هذه المعيقات التي تحدثت عنها وأشكالها؟

ـ يظهر لي أن العوائق التي تعترض النساء، هي نفسها التي تمنعها من المشاركة في العمل الجماعي بشكل عام، لغياب الاعتراف بخروجها للعمل لانتمائنا إلى مجتمع محافظ، وإلى عدم تغير نظرة المجتمع إلى عملها، إذ لا يعتبر خروجها للعمل على أنه تحقيق لكيانها وإنسانيتها والشعور بكينونتها أوتحقيق لذاتها، فمازلنا في انتظار الاعتراف بمزاولتها لنشاط آخر غير العمل، من قبيل انخراطها في جمعية أو في إطار منظمة نقابية أو حتى الانخراط في ناد ترفيهي.

هناك معيقات سوسيو ثقافية لا تزال تتحكم في اختيارات المرأة للأسف.

لو كان المجتمع المغربي يهيئ الظروف التي تناسب مع خصوصية المرأة وتناسب الأدوار المنوطة بها، وتعمل النقابات بدورها على توفير الإمكانات لمساعدة للمرأة على العمل والبروز، وأن تكون فاعلة وحاضرة بقوة، لكان عطاءها أكبر من المحقق حاليا.

٭ كيف بلغت حبيبة الزاهي إلى منصب عضو المكتب التنفيدي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل؟

ـ الصعوبات كانت ولا تزال وستستمر، لكن بالنسبة إلي أعتبر نفسي محظوظة، كما يمكن لي القول إن الفترة الزمنية التي يتطلبها صعود المرأة من القاعدة إلى تولي مسؤولية في القطاع إلى المسؤولية في المركزية في الوقت الراهن، أو تداول المسؤولية أصبح أسرع ولم يعد كالسابق.

فشخصيا، حين اشتغلت في اتصالات المغرب، لم أكن مستخدمة عادية، وإنما كنت مناضلة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بما يعني أنني كنت مناضلة في السابق، وولجت هذه المؤسسة بحمولة نضالية وبعزم على الاستمرار في النضال، وأول شيء أجريته أنني ساهمت في تشكيل مكتب نقابي لاتصالات المغرب في الدار البيضاء، فتوليت مسؤولية نائبة الكاتب العام للمكتب النقابي للقطاع، وبعد عقد المؤتمر الوطني، لنقابة البريد والمواصلات سنة 1996 صعدت إلى عضو في المكتب الوطني وكنت العضو الوحيد النسائي، فأثبتت جديتي في العمل واستعدادي للتضحية.

وأشير هنا إلى أن العمل النقابي ليس طريقه مفروشا بالورد، لكنه يتطلب بذل الجهد والكثير من التضحيات، لأنه نشاط يومي، وعمل لا تحصد نتائجه في الآن، وإنما على المستوى البعيد.

هذا العمل الذي يتطلب تفرغا وتضحية بالحياة الشخصية وبالمال الخاص أيضا.

فما ساعدني هو أن زوجي أيضا مناضل نقابي، فساهم وجودنا في مكان واحد على الاستمرار لكوننا نعيش الحياة نفسها، وأن هناك امتدادا لحياتنا خارج البيت بالنقابة.

وهناك مسألة أخرى، وهي مؤسفة بالنسبة إلي، لكن ربما هي من حسن حظ النقابة التي أشتغل فيها، كوني لا أتوفر على أطفال، وبالتالي فأنا لا أعيش ضغط رعاية الأطفال وتربيتهم، وما يتطلبونه من مسؤوليات وحضور مستمر بحانبهم في كل مراحل سنهم، فكنت متحررة من كل القيود.

وفي سنة 1997 عقد المؤتمر الوطني الثالث للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، فرشحت لأصبح عضو اللجنة الإدارية للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وفي المؤتمر المنعقد سنة 2001، عينت عضوا في المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وعلى المستوى القطاعي، اليوم أتحمل مسؤولية الكاتبة الوطنية لقطاع الاتصالات داخل النقابة الوطنية للبريد والمواصلات، لكن هذا لا يعني أنني أمثل وضع باقي النساء وإنما قد يكون وضعي استثنائيا، فمثلا في القطاع الذي أمثله يوجد 19 عضوا، وأتولى مهمة المنسقة الوطنية فيه، لكن باقي الأعضاء كلهم رجال رغم أن القطاع تشتغل فيه النساء بنسبة 25 في المائة .

عموما، لا يمكن أن يكون عطاء المرأة كبيرا لغياب الإمكانات المساعدة والمشجعة لها من جهة، ولوجود عيب في النساء، من جهة أخرى، كونهن لا يتوفرن على الشجاعة الكاملة لتقلد المسؤولية من أدنى مستويات تكوينهن، وإنما جلهن ينتظرن بلوغهن مستويات عالية وكبرى، خوفا من أن توجه إليهن الانتقادات، مع الملاحظة أن عمل النساء يكون دائما تحت مجهر الرجال الذين يتصيدون أخطاءها.

٭ أنت لست مناضلة نقابية فحسب، وإنما تتزعمين العمل الجمعوي النسائي

ـ بالفعل، أنا رئيسة الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، وهي جمعية يعود زمن تأسيسها إلى ما بعد فترة تخرجي من الكلية، إذ أن المرحلة الطلابية صنعت مني الكثير وأعطتني الحس والنضال النسائي والنقابي معا، وهما شيئان لا يمكن أن يفترقا، كما لا يمكن لي أن أنشط نقابيا دون جمعويا، لأن العمال والنساء هما الفئتات المضطهدتان في نظري.

لدى الانتهاء من دراستي الجامعية، بدأت أفكر ورفيقاتي في الحركة الطلابية، ومن بينهن نجاة الرازي، في الأشكال النضالية التي يمكن لنا المساهمة فيها لتطوير المجتمع، فانصب تفكيرنا في المرحلة الأولى على تأسيس أندية نسائية داخل دور الشباب، واشتغلنا في محاربة الأمية وتأطير النساء.

وكانت تجربة نسائية رائدة جدا، أتمنى أن يستلهم منها لأنها مكنتنا من كسب عدد كبيرمن النساء.

فرغم العمل الذي تقدمه الجمعية حاليا من خدمات صحية ومساعدات قضائية وغيرها، فإن العمل يظهر وكأنه موجه لجمهور مجهول، فأنا كامرأة أعي جيدا حجم المشاكل التي تعانيها النساء، ما يدفعني للنضال لفائدة قضيتهن، وهو نضال طويل وطريقه شاق جدا، ولا يعطي أكله في الآن نفسه .




تابعونا على فيسبوك