مقاربة الخطاب الملكي أمام البرلمان

خارطة الطريق المغربية إلى الديمقراطية والتنمية

الأحد 22 أكتوبر 2006 - 10:26

استأثر خطاب افتتاح الدورة التشريعية الأولى من السنة الخامسة باهتمام كل المهتمين بالشأن السياسي بالبلاد، خصوصا أنه يكتسي طابعا متميزا لتزامنه مع الدخول البرلماني والسياسي.

وكالعادة مثل الخطاب الملكي خارطة طريق للبرلمانيين وللأحزاب السياسية وللحكومة بالنسبة إلى السنة المقبلة موعد إجراء الانتخابات البرلمانية.

وما دام أن الديمقراطية التمثيلية هي أساس التنمية، فقد ناشد جلالة الملك الأحزاب أن تتخذ من هذه القاعدة المرجعيات الأساس لمواجهة تحديات مغرب القرن 21، مؤكدا في الوقت نفسه أن الخيار الديمقراطي خيار لا رجعة عنه، وأنه عازم على المضي في ترسيخه مهما تغيرت الظرفيات والأغلبية، وهي رسالة موجهة من جلالته لكل القوى المعادية والمعارضة والمشككة في الخيار الحداثي الديمقراطي، الذي انخرط فيه المغرب
وهي فكرة ترددت في كل خطب الملك منذ توليه السلطة.

وإذا كان لكل نظام سياسي أركان، ولكل خيار سياسي دعائم، فإن جلالة الملك اغتنم افتتاح السنة التشريعية الحالية لجعلها وقفة موضوعية لإعادة التذكير بمرجعيات الديمقراطية التمثيلية الحقة والمواطنة المسؤولة لدفع الأحزاب السياسية إلى الاستثمار في هذه المرجعيات، وهي مقبلة على الانتخابات لتأمين الانتقال الديمقراطي
وإذا كان كل خطاب سياسي وليد شروطه، فهذا الخطاب لم يخرج عن هذه القاعدة، وهذا هو ما تجلى في مقدمة الخطاب، التي جاء فيها أن افتتاح هذه الدورة يأتي في : "سياق حافل بالمنجزات، مفتوح على العديد من الاستحقاقات، وواعد برفع شتى التحديات
كما تزامن مع آخر سنة تشريعية نيابية، واستشراف أخرى في إطار مرحلة مطبوعة بتحديد المؤسسات".

وإذا أردنا أن نحدد أهم المحاور، التي هيمنت على هذا الخطاب فيمكن تحديدها في عناصر المعادلة التالية : الديمقراطية التمثيلية ( المشاركة الشعبية) "توفر أحزاب سياسية ديمقراطية" سلطات عمومية يقظة.

وأمام هشاشة الديمقراطية التمثيلية وضعف التنمية الشاملة بالمغرب جاء الخطاب الملكي بمثابة دعوة مباشرة وصريحة لكل مكونات المجتمع للوقوف على مواطن القوة في المسار الديمقراطي والتنموي والتصدي لمكامن الخلل فيه.

باعتبار أن الديمقراطية والتنمية هما ورشان متكاملان مفتوحان باستمرار لاقتناع جلالته بأن التنمية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة.

وإن كانت التنمية ليست سببا في الديمقراطية وإنما هي نتيجة لها .

وإذا أردنا أن نحدد أهم القضايا ( الأفكار، التي هيمنت على الخطاب الملكي، فإننا نجدها تتوزع بين عدد من المفاهيم، حاولنا أن نحلل فيها تلك التي ترددت أكثر من (3 تردد ونسبة 0.31 في المائة) من مجموع 938 كلمة المكونة لهذا الخطاب، والتي سنقدمها على الشكل التالي :

المفهوم التردد النسبة المائوية

المسار الديمقراطي والتنموي ـ 4 0.42 في المائة

الديمقراطية والتنمية ـ 4 0.42 في المائة

الخيار الديمقراطي ـ 3 0.31 في المائة

الديمقراطيةـ 4 0.42 في المائة

البناء ( التطور) الصرح الديمقراطي ـ 4 0.42 في المائة

باقي مشتقات الديمقراطية ـ 10 1.06 في المائة

الإصلاحات ـ 7 0.74 في المائة

الانتخابات التشريعية ـ 6 ـ 0.62 في المائة

الوطن  المواطنين ـ 4 ـ 0.42 في المائة

الإرادة الشعبية ـ 1 ـ 0.10 في المائة

التنموية البشرية ومشتقاتها ـ 21 ـ 2.23 في المائة

الأحزاب والهيآت ـ 9 0.95 في المائة

يتبين من جدول فئة المفاهيم الأكثر حضورا في الخطاب الملكي، أنها تنتمي كلها إلى عالم السياسية الداخلية وليس السياسة الخارجية.

وهذا أمر طبيعي مادام أن شروط إنتاج هذا الخطاب ترتبط بقضايا السياسية الداخلية المرتبطة بالديمقراطية التمثيلية وبالتنمية البشرية وبالمؤسسات الحزبية في بعدها الوطني.

وأمام أشكال الخلل، التي تعاني منه هذه السياسة الداخلية على المستوى التنظيمي والهيكلي والمؤسساتي والتدبيري والبشري، جاء الخطاب لوضع النقط بشكل منهجي وعقلاني وصريح وواقعي وجريء وعميق وشامل.

مؤكدا أن الديمقراطية والتنمية مقولتان تقوم بينهما علاقات تداخل فكل منهما تشتمل في آن واحد على عناصر اقتصادية ومجتمعية وسياسية.

الأمر الذي جعل جلالة الملك يعتبر المسار الديمقراطي التنموي، الذي اختاره المغرب هو خيار استراتيجي لا رجعة عنه.

1- الخيار الديمقراطي التنموي لا رجعة عنه وان كان شاقا وطويلا :

احتل مفهوم "الديمقراطية بكل مشتقاتها الرتبة الأولى في هذا الخطاب من ناحية التردد بـ (29 تردد بنسبة 3.09في المائة(، إلى جانب مفهوم »التنمية«، الذي احتل الرتبة الثانية (بـ 19 تردد ونسبة 2.02 في المائة) و هو ما يعكس الأهمية، التي يعطيها جلالة الملك لمعادلة الديمقراطية والتنمية.

ويبرهن الحضور القوي للديمقراطية على مدى مراهنة الملك على الخيار الديمقراطي - وفي هذا الظرف بالذات - لاقتناع جلالته بأن التدبير الديمقراطي هو الغاية والوسيلة للنهوض بالأوراش الكبرى بالمغرب، لكن ليس أي "ديمقراطية" بل "الديمقراطية التمثيلية" و"الديمقراطية الحقة".

وحضور صفتي "التمثيلية" و"الحقة" يشيران إلى أن "الديمقراطية" الممارسة اليوم داخل المؤسسات الحزبية المغربية ليست "تمثيلية"ولا "حقيقية" لأن هذه الأحزاب غير جاهزة لدفع ثمن "الديمقراطية التمثيلية"أو "الحقيقية"، بل تريد تطبيق ديمقراطيتها الخاصة.

ونشير إلى أن الخطاب الملكي استثمر الديمقراطية في كل أشكالها المختلفة : كونها أولا نهجا في تدبير الشأن العام، ثانيا : كونها مشاركة في الانتخابات والانخراط في العمل السياسي، ثالثا : كونها خيارا وطنيا لا رجعة للمغرب عنه، رابعا : كونها صرحا وبناء مستمرين باعتبار الديمقراطية ليست »وصفة جاهزة« بل إنها بناء وتشييد وممارسة على مراحل.

وما دامت الديمقراطية آلية لتدبير الشأن العام فقد راهن عليها الخطاب الملكي كآلية سياسية لبلورة مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، معتبرا الديمقراطية التنموية التشاركية الجهوية أفضل رد على أعداء الوحدة الترابية، وواصفا ( في الوقت نفسه ) هذا الحل بأنه حل سياسي توافقي ونهائي للنزاع المفتعل لمغربية الصحراء.

لكن الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم إلا عبر الانتخابات النزيهة أولا وتحقيق التنمية الشاملة، ثانيا والتنمية البشرية ثالثا الأمر الذي دفع جلالة الملك أن يطلب من البرلمانيين اتخاذ فرصة الدخول البرلماني : »فرصة موضوعية مع الذات« للوقوف على مكامن القوة والضعف في"المسار الديمقراطي التنموي"، منبها البرلمانين والحكومة، ومن خلالهما كل مكونات الشعب، إلى المسار الديمقراطي التنموي، الذي اعتبره الخطاب "مسارا شاقا وطويلا"، وهي إشارة قوية إلى كل من يظن أن بناء المسار الديمقراطي التنموي خيار سهل المنال خصوصا في بلد كالمغرب.

ولكن يجب ألا يفهم من ذلك أن تحقيق الديمقراطية التنموية أمر مستحيل إذا ما توفرت الإرادة القوية عند المواطنين والأحزاب والحكومة.

وفي هذه النقطة اعتقد ان صاحب الجلالة كان صريحا بقوله إن المسار الديمقراطي والتنموي لا يمكن إقامته من طرف مؤسسة أو فاعل واحد حتى من طرف المؤسسة الملكية ذاتها بل هو مشروع مجتمعي مبني على مبدأي المشاركة والإشراك بين كل قوى البلاد ومؤسساتها.

ذلك أن المسار الديمقراطي التنموي هو أكثر من : "مساطر وهياكل وتجهيزات" إنه قبل كل شيء تعبير عن طموح وطني مشترك وإرادة لمشاركة المواطنين في كل القضايا الوطنية المصيرية والمشاريع والإصلاحات الهيكلية الكبرى، خصوصا في وقت زيفت فيه مقومات الديمقراطية "الديمقراطية التمثيلية" و"الديمقراطية الحقة" وضعفت فيه المشاركة الشعبية، وتخلت فيه الأحزاب السياسية عن مهامها الأساسية، وأصبحت فيه "الوطنية" مستهدفة في عمقه.

ومن منطلق اقتناع الخطاب الملكي، بأن الخيار الديمقراطي والتنموي عمل شاق وطويل فقد ذكر البرلمانيين والحكومة بأن كل ما حققه المغرب من مكاسب في البناء الديمقراطي فإنها تبقى بدون فاعلية إذا لم تقترن بالتنمية البشرية القادرة على تحقيق التنمية السياسية والتنمية الاجتماعية الفعلية.

وفي هذه النقطة أعتقد أن الخطاب الملكي يعد من الخطب السياسية الرائدة في ربط نجاح الانتقال الديمقراطي بتحقيق قفزة نوعية في الانتقال الاجتماعي وتوفير العيش الكريم للمواطن، التي هي من مهام الأحزاب السياسية والسلطات العمومية.

2- دور الأحزاب السياسية والمواطنين والسلطات العمومية في تحقيق الديمقراطية التنموية :

وصف الخطاب الملكي هذه القوى بـ »الأطراف الفاعلة« في الممارسة الديمقراطية
ونتيجة علاقاتها بالديمقراطية التنموية خاطبها جلالة الملك بكيفية مباشرة وصريحة طالبا منها تحمل مسؤوليتها في دعم وبناء الخيار التنموي.

أ- الأحزاب والمشروع الديمقراطي الحداثي :

احتلت مفاهيم الأحزاب والهيآت مرتبة متقدمة في فئة مفاهيم هذا الخطاب (بـ 9 تردد وبنسبة 0.95 في المائة).

وقد حضرت هذه المفاهيم أثناء تعرض الخطاب الملكي للديمقراطية التمثيلية قائلا : "أنه لا ديمقراطية تمثيلية بدون أحزاب" وبهذا أكد الخطاب الملكي على علاقة الديمقراطية والأحزاب باعتبار أن سلوك وممارسات الأحزاب هم من يحدد المضامين الملموسة للديمقراطية، مجيبا ( في نفس الوقت) عن بعض الكتابات الإعلامية والأكاديمية، التي تهاجم الأحزاب أو تنادي بإلغائها أو تردد بعدم أهمية وجودها مقدمة المجتمع المدني كبديل للأحزاب السياسية، وهذا انزلاق سياسي خطير على مصير الانتقال الديمقراطي.

ومن حظ الأحزاب السياسية أن تجد الفاعل المركزي أي المؤسسة الملكية تدافع عن الأحزاب والهيآت السياسية وتعتبرها شريكا في ترسيخ الديمقراطية التمثيلية.

وإذا كان الخطاب الملكي قد عبر عن موقفه من الأحزاب، فإن هذه الأخيرة ما زالت ترتكز على الديمقراطية الشكلية في علاقاتها مع الانتخابات وهو ما يهدد مستقبل الانتخابات البرلمانية المقبلة خصوصا على مستوى المشاركة الشعبية.

وحرصا من جلالته على نبل العمل السياسي، طالب الملك الأحزاب السياسية بأن تكون في المستوى تحديات الانتقال الديمقراطي، آمرا إياها بأن تلتزم باحترام الناخب وذلك بعدم فسخ تعاقداتها الأخلاقية والسياسية، التي أبرمتها مع الناخبين أثناء حملاتها الانتخابية.

وهي إشارة قوية من الملك إلى الأحزاب السياسية وبرلمانييها، الذين استقالوا من الغرفة الأولى للترشح للانتخابات الغرفة الثانية سنة على نهاية انتدابهم، وهو ما مثل خرقا سافرا للالتزام التعاقدي وتمييعا للعمل السياسي وضربا لمصداقية الأحزاب ذاتها
ومن هذا المنطلق، نبه الملك الأحزاب السياسية إلى ضرورة احترام الناخب، الذي هو جزء من الالتزام بمواد قانون الأحزاب رقم 04-36، المتعلق بالأحزاب السياسية. وإلى جانب مطالبة الأحزاب باحترام الناخب، أثار الخطاب الملكي نقطة أساسية، نادرا ما ينتبه إليها، وهي لغة التواصل، التي توظفها الأحزاب مع الناخبين، إذ حث جلالته الأحزاب السياسية على مخاطبة الناخبين بلغة الوضوح والحقيقية وهذه مسألة أساسية، ذلك أن الأحزاب السياسة ما زالت لم تع بعد أهمية لغة التواصل أو قيمة التواصل في توجيه السياسيات العمومية، حيث ما زالت الأحزاب تستثمر لغة الخشب واللغة المطاطية والفضفاضة ولغة الأوهام بعيدا عن احترام أبسط قواعد التواصل المؤسساتي، الذي أصبح اليوم سلطة قائمة بذاتها لا يمكن للأحزاب السياسية الحداثية أن توجد دونها كمؤسسات.

وفي السياق نفسه حث الخطاب الملكي الأحزاب على تحمل المسؤولية في اختيار المرشحين للانتخابات، وذلك باختيار الموارد البشرية الحزبية المؤهلة بتحمل أمانة الانتداب النيابي باعتبار "البرلمان القلب النابض للديمقراطية وأرفع تعبير عن الإرادة الشعبية".

والأكيد أن مطالبة الملك الأحزاب بضبط اختيار المرشحين فرضه ما شاب انتخابات ثلث مجلس المستشارين من استهتار بالقيم الديمقراطية تضرب في العمق مصداقية المؤسسات والديمقراطية نفسها، بل إن ما جرى في هذه الانتخابات شوش كثيرا على كل شعارات العهد الجديد ومنها الانتقال الديمقراطي، الذي يقوده الملك نفسه
الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي انتقد فيه هرم السلطة بالبلاد ما عرفته انتخابات ثلث المستشارين من تزكيات ومن ترحال ومن بيع وشراء نجد الأحزاب السياسية ساكتة أو غير مبالية بما يجري من خرق للعمل السياسي النبيل، بل إنها لم تجرؤ على أن تعترف بمسؤوليتها في ما وقع والإعلان عن التدابير التكتيكية والاستراتيجية المتخذة في حق هؤلاء المستشارين المتورطين.

وفي مقدمة هذه التدابير تحديد معايير منح تزكية الترشح، التي يتحمل فيها رؤساء الأحزاب والدولة مسؤولية كبرى.

ونشير إلى أنه عندما يطالب الملك الأحزاب بإعادة النظر في علاقاتها مع الناخب والاستثمار في التواصل المؤسساتي المسؤول والمواطن واختيار المرشح المناسب، فإنه يراهن على أن تكون انتخابات سنة 2007 قطيعة مع ما جرى في انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين لمصالحة المواطن مع العمل الحزبي.

هذه المصالحة، التي لا يمكن أن تحقق دون تصدي الأحزاب السياسية في برامجها للقضايا الكبرى للبلاد، وأن تقترح لها أفكارا جديدة وآليات قابلة للتنفيذ وهذه النقطة، التي أشار إليها الخطاب الملكي تبقى أساسية في نظام سياسي لتتناسب فيه التعددية الحزبية مع التعددية السياسية.

ومن النقط المهمة الأخرى، التي طرحها الخطاب الملكي هو ضرورة اعتبار الانتخابات فرصة للتباري بين البرامج والمشاريع أكثر منها تنافسا على المقاعد والمواقع.

وهذا ما عشناه مع انتخابات إعادة انتخاب رئيس مجلس المستشارين، إذ قبل حزب الرئيس المنتخب كل شيء للحفاظ على الرئاسة، ولو تم ذلك على خرق القانون الأساسي لمجلس المستشارين وروح الدستور اللذين ينصان على احترام التمثيل النسبي في انتخاب رئاسة مجلس المستشارين، بل الطامة الكبرى هو تدخل الوزير الأول عند الأحزاب لإعادة انتخاب عكاشة حفاظا على أغلبيته الحكومية من جهة، وعدم ترشيح أي مرشح آخر من طرف المعارضة ينافس مرشح الأغلبية الحكومية من جهة أخرى، وكأن مرشح الأغلبية هو مرشح المعارضة، وهذا استهتار خطير بمبدأ التداول على السلطة، خصوصا وأن انتخاب رئيس مجلس المستشارين قد تم بعد أسبوع من خطاب الملك أمام نفس أعضاء "الأغلبية" و"المعارضة".

ب - المواطنة المسؤولة والمشاركة الإيجابية أساسيان للديمقراطية التنموية :

احتل مفهوما المواطن والمواطنة ومشتقاته (4 ترددات بنسبة 0.42 في المائة)، وقد حث الخطاب الملكي على"المواطنة المسؤولة"، التي "تستوجب المشاركة الإيجابية".

ونلاحظ هنا استثمار الخطاب الملكي لصفة"المواطنة المسؤولة" وهو ما يفترض وجود مواطنات أخرى قد تكون غير مسؤولة وهو ما يعني ان المواطنة الحقة في الخطاب الملكي هي مسؤولية قبل شيء".

ونشير في هذا الصدد إلى أن المواطنة تعتبر من أهم القيم، التي توجه خطب جلالة الملك محمد السادس منذ توليه السلطة، خصوصا بعد تراجع التشبث بالالتزامات المدنية المرتبطة بالقيم الوطنية.

وأمام هذا الواقع دعا الخطاب الملكي لثورة ثقافية ومدنية بالمغرب من أجل استعادة قيم المواطنة المسؤولة وما تتطلبه من مشاركة إيجابية في كل مجالات الحياة الوطنية.

فالمواطنة ليست مجرد الإدلاء بالأصوات فقط ولا النظر إلى السياسة على إنها لحظة اقتراع أو مسألة احتراف حزبي تحتكره الطبقة السياسية وحدها، بل هو الانخراط القوي والمستمر في العمل السياسي الملتزم على كل مستوياته الديمقراطية وأوراشه التنموية .

وما دعوة الخطاب الملكي الموطنين "للمشاركة الإيجابية"في الانتخابات إلا وعي منه بأهمية المشاركة المكثفة في توطيد الديمقراطية التمثيلية .

وعلى هذا الأساس فالمواطنة المسؤولة في هذا الخطاب ليست مجرد مشاعر أو ادعاءات بالانتماء، بل إنها عقد اجتماعي وأخلاقي أساسه الانخراط في الاستحقاقات الانتخابية لاختيار مؤسسات تمثيلية تكون مؤهلة لتحقيق الديمقراطية التنموية.


ج- السلطات العمومية وضرورة تجاوز الحياد الإيجابي في العملية الانتخابية :

بعد توجيه عدة رسائل للمواطن وللأحزاب السياسية بكونهم مسؤولين عن مصير التنمية الشاملة، انتقل الخطاب الملكي لدعوة الحكومة لكي تحمل مسؤولياتها في توفير ضمانات إجراء الانتخابات في أجواء سليمة وطبيعية وشفافة، مع تأمين شروط المنافسة الشريفة، وذلك بالتزام الحياد الايجابي في مختلف مراحل العمليات الانتخابية لكن مع التصدي للخروقات، التي تتم.

وفي هذا الصد أعتقد أن جلالة الملك ينتقد بصفة غير مباشرة أجواء انتخابات ثلث مجلس المستشارين، التي جرت في أجواء لا تشرف المغرب ولا مؤسساته.

والأكيد أن المتابعات والتحقيقات الجارية مع مفسدي الانتخابات كانت بأوامر عليا، وعلى الدولة أن تذهب بعيدا لمتابعة المتورطين وحتى الأحزاب، التي منحتهم التزكية لأن هؤلاء المرشحين تقدموا كممثلين للأحزاب السياسية وليس كأفراد مستقلين.

وهنا لا نفهم سكوت الأحزاب لاتخاذ قرارات التوقيف المؤقت لهؤلاء المتورطين حتى نهاية التحقيق.

وفي السياق نفسه، طلب جلالة الملك من الفاعلين المعنيين بالانتخابات الالتزام بمبادئ الديمقراطية والسمو عن المزايدات العميقة والكف عن الاستعمال اللامشروع للمال والنفوذ والترفع عن الحسابات الشخصية والحزبية.

ولابد من الوقوف هنا عن الاعتراف الرسمي بمسألة الاستعمال اللامشروع للمال والنفوذ، وهو ما يتطلب تحريك مساطر التحقيقات والمتابعات لوضع حد لاستعمال المال الحرام في الانتخابات، التي سيكون ما تفرزه من مؤسسات تمثيلية فاشلة في تحقيق التنمية الشاملة، التي هي حق من حقوق الإنسان.

ح - التنمية الشاملة والتنمية البشرية والديمقراطية :

أمام هول حاجيات جهات المملكة إلى التنمية الشاملة دعا جلالته جميع المغاربة إلى الانخراط الفاعل في كل المبادرات التنموية، التي تعرفها البلاد، وإلى التنافس من أجل تحقيقها.

ونلاحظ هنا أن الدعوة موجهة للمواطنين وللأحزاب السياسية وللسلطات العمومية على حد سواء لكونها قوى فاعلة وضرورية في أي تنمية وخصوصا التنمية الشاملة.

د - وسائل تحقيق التنمية الشاملة :

من أهم الوسائل، التي راهن عليها الخطاب الملكي لربح رهانات المغرب الآنية والمستقبلية ضرورة ربط الديمقراطية بالتنمية البشرية بكونهما أساس كل تنمية حقيقية
فالتنمية البشرية هي توفير العيش الكريم للمواطن، والديمقراطية تعد بتعميقها للوعي بالالتزام الوطني، أي تنمية سياسية فعلية.

ولذلك تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من الآليات الحاسمة، التي ركز عليها الخطاب الملكي لتحقيق المواطنة الكريمة، التي تستشرف آفاقها الواعدة من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية تضع على عاتقها تمكين المواطن من الاستثمار الأمثل لمؤهلاته وقدراته والاستفادة من الإمكانيات المتوفرة للانخراط الفاعل في الأعمال الجماعية المندمجة والمعتمدة على ضبط وتحديد الأهداف، التي يجب أن تجمع بين الطموح والواقعية والفعالية، وهذه إحدى الأسباب الرئيسية، التي كانت وراء إعلان جلالة الملك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتشييد مجتمع اندماجي ومتنوع، من حيث يجب أن تبنى التنمية البشرية أساسا على ضرورة توفير الدولة للإنسان حقوقه الطبيعية والمدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ليشعر بإنسانيته وبوطنيته ومواطنته.

وعلى هذا الأساس فمضمون التنمية البشرية في الخطاب الملكي ليست سن تغييرات على مستوى القوانين التشريعية والسياسية أو إلقاء الخطب والشعارات المطاطية، بل إنها قضية تأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطن المغربي.

وكعادته كان الخطاب الملكي صريحا مع الشعب، حينما أكد أن المكتسبات المهمة المنجزة يجب ألا تقف دون الاستمرار في الطموح لتوفير الغد الأفضل، بل يجب اعتبارها حافزا على مواصلة العمل والسبيل في ذلك الالتزام بالوطنية الصادقة وروح المواطنة الصادقة.

وعلى هذا الأساس، كان الخطاب الملكي واضحا في صعوبة استلهام دلالات التنمية البشرية دون الالتزام بقيم المواطنة المتناقضة مع الفردانية، باعتبار المواطنة سلوكا مبنيا على الحياة المشتركة وليس على الممارسة السياسية فقط.

ونشير إلى أن المواطنة تعني المشاركة العامة وجعل المواطن قادرا على حكم الذات بواسطة نفسه وقادته ومؤسساته.

واقتناعا بأهمية المواطنة رأى جلالته أن بناء المغرب الحديث لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن إحساس المواطن بالمصير المشترك والرؤية المشتركة للصالح العام.0

وبهذا المعنى فالمواطنة المسؤولة هي عقد اجتماعي لكسب الرهانات الحيوية
نستخلص من مقاربة خطاب جلالة الملك أمام نواب الأمة أنه كان خطاب صراحة ومكاشفة وجرأة حول كل القضايا، التي تهم الرأي الوطني العام، وعلى رأسها التنمية البشرية والديمقراطية التمثيلية وإعادة المصداقية للمؤسسات الحزبية، التي تعد اليوم حجر الزاوية في تحقيق التنمية الشاملة في مغرب المواطنة الكريمة ومغرب العدل والمساواة الاجتماعية ومغرب الحداثة.

المغرب، الذي لا يمكن تشييده عبر الخطب والشعارات بل عبر تضافر جهود الفاعلين والقوى الحية بالبلاد.

لقد كان خطاب جلالة الملك في هذا الصدد برنامجا واقعيا لتقوية الثقافة السياسية المواطنة وقيم الوطنية لوضع المغرب على درب الحداثة لمصالحة المواطن مع مؤسساته الحزبية خصوصا وأن الأحزاب السياسية ما زالت تسيء إلى مصداقيتها عبر تفضيل المصالح الحزبية، على حساب المصلحة العام، ومنح التزكية لأصحاب المال والأعيان والتساهل على الترحال البرلماني رغم وجود قانون يمنع ذلك.

الأكيد أن التزام الأحزاب السياسية والمواطنين والحكومة بمضامين الخطاب الملكي لهو السبيل، الذي لا خيار عنه لإعادة المصداقية إلى المؤسسات التمثيلية وربح رهانات التنمية الاجتماعية والبشرية والسياسية لتحرير مستقبل البلاد ليصبح المغرب مجتمعا مزدهرا اقتصاديا ومتماسكا اجتماعيا وقادرا على التكيف مع المستجدات ومواجهة التحديات.

ونشير في نهاية هذه المقاربة إلى أن ترسيخ المواطنة المسؤولة تتطلب المواطن المسؤول العارف لحقوقه وواجباته، وهو ما يستدعي قيام الأحزاب السياسية بدورها الدستوري لإعادة ثقافته المدنية وتنشئته السياسية وتأطيره، وهذه أهم مهام الأحزاب السياسية، التي نص عليها القانون رقم 04 /36 المتعلق بالأحزاب السياسية والتي هي أيضا في حاجة إلى وجود قيادات مواطنة ووطنية مستعدة للاعتراف ( كالخطاب الملكي ) بأنها ليست قادرة وحدها لحل مشاكل مغرب القرن 21 دون إشراك المواطنين على أساس الثقة المتبادلة وليس على أساس الانتهازية الانتخابية وتسويق المغالطات.

فهل ستكون الأحزاب والحكومة والمواطنون في مستوى مضمون الخطاب الملكي؟

للإجابة نقول إن محطة انتخابات سنة 2007 ستكون المحك الحقيقي.




تابعونا على فيسبوك