ما زالت تتواصل جهود السلطات المختصة وجمعيات المجتمع المدني والمنظمات الدولية لفضح الممارسات غير الإنسانية من أسر وتعذيب وتقتيل، التي كان ضحيتها المحتجزون في مخيمات تندوف بالجزائر، من قبل ميليشيات بوليساريو .
وخلال جولاتهم بالعديد من دول أوروبا وأميركا، حمل عدد من العائدين من المخيمات، الناجين من الجحيم الانفصالي، من مدنيين جرى احتجازهم داخل التراب الوطني، وعسكريين حاربوا ضد بوليساريو، ومهجرين إلى كوبا حين كانوا أطفالا، صورا عن حجم المعاناة الموشومة فيهم بآثار التعذيب النفسي والجسدي.
وكانت نتائج جولاتهم إيجابية إلى حد كبير، إذ توصلوا إلى فضح جرائم بوليساريو لدى هيئات دولية كانت تجهلها.
ذلك ما يكشفه بعض هؤلاء العائدين، الذين التقتهم "الصحراء المغربية" والذين حكوا لها عن محنهم أثناء الاعتقال، وعن مساهمتهم في فضح جرائم البوليساريو بإشراف جزائري
يقول عبد الله لماني، أحد المدنيين العائدين من تندوف، إنه كان ضمن لجنة مكونة من أسرى سابقين ومهجرين إلى كوبا، تتكون من الملازم السابق في الجيش، علي جوهر، وسعداني ماء العينين والبشير الدخيل، سافرت إلى واشنطن، وعقدت لقاءات مع ممثلي الكنيسة المسيحية بالولايات المتحدة الأميركية، التي تمثل أزيد من 40 مليون أميركي
وأكد لماني"حققنا نجاحا كبيرا.إذ أن الأميركيين تفاجأوا بما سمعوه منا من شهادات حول ممارسات بوليساريو غير الإنسانية كانوا يجهلون تماما مشكل الأسرى والمحتجزين في مخيمات العار بتندوف في الجزائر في أي لقاء لنا معهم كانت ردة فعلهم تتسم بالأسى والأسف على الوضع إلى درجة البكاء والوعد بالمساندة والدعم لقضيتنا".
وبالإضافة إلى تلك اللقاءات الرسمية، يضيف لماني، كانت هناك لقاءات جانبية مع أميركيين عاديين، وكنا دائما نتلقى استجابة وتفهما للوضع.
وعبر لماني عن متمنياته باستمرارية اللقاءات والسفريات عبر العالم من أجل فضح انتهاكات حقوق الإنسان في المخيمات، من تعذيب وقتل وهتك أعراض، يمارسها جلادو بوليساريو.
وأكد لماني أن فضح الخروقات الجزائرية إزاء السيادة الوطنية المغربية يجب التحسيس بها حتى لدى المواطنين المغاربة، لأن هناك من يجهل حقائق الأعمال الهمجية التي مورست على المحتجزين بمخيمات العار.
وحول التأليف والكتابة عن الموضوع، يقول عبد الله لماني، إنه تنقصه فقط الإمكانيات، لأن لديه الكثير مما يكتبه عن من مشاهد القتل والتعذيب والشنق والتعليق على الأشجار، والحرق تحت أشعة الشمس، وقد تصل المسألة إلى الدفن.
وقال إن "هذه الصور ما زالت حية في الذاكرة، وتستحق أن تدون في عشرات الكتب لتكون شاهدا تاريخيا حيا عن خرق سلب الحريات في زمن يدعو فيه العالم إلى تكريس مبدأ حقوق الإنسان واحترام الحريات العامة".
وأكد أن الكتابة عن كل ما عاشه هو تخليص للذات والروح من معاناة نفسية قاسية
وأوضح مؤلف كتاب حول خروقات البوليساريو في تندوف، في تصريح لـ "الصحراء المغربية"، أن "حالة المدنيين العائدين تتحسن ولكن بشكل بطيء جدا، وأنها يمكن أن توصف ما بين متوسطة وضعيفة جدا، وأن عددا قليلا أصبح يمتلك مسكنا، وهناك كذلك مساعدة مالية شهرية في حدود الألف درهم، ولكن منا من لا يتوصل بها".
وأضاف"شخصيا لا يمكنني تفسير ذلك، ولكن أظن أن هناك سوء تنسيق بين وزارة الداخلية وبعض العمالات بالنسبة إلينا، نحن ثلاثة مدنيين القاطنين بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء، وهبت لنا شقق من طرف المؤسسة الجهوية للتجهيز والبناء للمنطقة الجنوبية، والفضل في الأمر يعود إلى الفنانة نعيمة لمشرقي، التي اتصلت بي شخصيا وبذلت جهودا تشكر عليها".
وشرح لماني "نحن نتوفر على دلائل وحجج لا مجال فيها للشك على أننا عانينا الأمرين كأسرى لدى الجزائر، ويشهد بذلك الصليب الأحمر الدولي الذي كان يزورنا سنويا".
ويتمنى أن تساعدهم جمعية الصحراء المغربية في تحسين الوضع المعيشي هنا في المغرب وتسهيل اتصالاتهم مع السلطات، ويرجو أن يكون هذا المنبر وسيلة لرفع نداء إلى السلطات لإعادة النظر في ملفات المدنيين العائدين إلى أرض الوطن خاصة مسألة التغطية الصحية التي هي منعدمة، مع العلم أن أغلبهم يعاني أمراضا مزمنة إضافة إلى إعاقات جراء التعذيب.
من جهته، أكد علي جوهر، في تصريح لـ "الصحراء المغربية"، إنه "رفقة عسكريين آخرين عائدين، طلبنا من السلطات السماح لنا بتكوين جمعية، ولكن الوزارة المعنية رفضت لنا ذلك، ولقد بلغ الحال أن أحد أصدقائنا كان اتهم من طرف مسؤول عسكري سام، بالخائن، بزعمه أننا سلمنا سلاحنا وأعلننا أنفسنا محتجزي حرب، ولم نكن قد سجنا رغما عن إرادتنا، مع العلم أنه كنا ندافع في الصحراء على وحدتنا الترابية، وكنا مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل الوطن، ومكثنا هناك مسجونين لدى "بوليساريو"، وبقينا في الرتبة نفسها (ملازم)، مع العلم أننا عشنا الاحتجاز مدة 23 سنة".0
ويشرح جوهر "نحس بمرارة شديدة وجرح عميق وبإقصاء كبير لم يعترف بخدماتنا ومعاناتنا، ولم يرد لنا الاعتبار، لا من الإدارة ولا العائلة الآن، أكثر من التعويضات، نطلب إعادة رد الاعتبار التعويضات تأتي بعد ذلك".
وأوضح أن السفريات التي شارك فيها كانت كلها ناجحة، والدليل على ذلك هو أن عدد من الضباط قامت بتحركات هنا وهناك، خاصة بواشنطن، جاء على إثرها إطلاق سراح أسرى مغاربة لم تتمكن جهات أخرى من تخليصهم، مضيفا أن ذلك تحقق بتعاون مع الأسرى أنفسهم وجمعية فرانس ليبرتي.
وتابع جوهر "أؤكد أن قتالية جنودنا في الأسر هي التي ساعدت على الإفراج عن المعتقلين بتندوف، وكذا إخلاصهم لوطنهم وغيرتهم عليه هي التي دفعتهم لمساعدة إخوانهم والعمل على تغيير وجهة نظر فرانس ليبرتي وفتح أعينهم على الحقيقة، بحكم أنها كانت صديقة للبوليساريو وكان من الصعب إظهار الحقيقة لها".
وقال جوهر إن "ما يهم حاليا هو الحصول على حقوقنا في إطار قانوني".
وأضاف أنه طيلة الفترة التي قضوها في الأسر، ظلوا مخلصين لهذا الوطن، ولا يمكن في أي لحظة أن يتغير ولاؤهم لبلدهم.
من جانبه، أكد البشير الدخيل، رئيس جمعية "بدائل" بالعيون، الذي ترأس الوفد إلى الولايات المتحدة الأميركية لفضح الخروقات ضد العائلات المحتجزة بمخيمات تندوف، التي ما زالت تعاني التشتت والتضليل والحرمان، فالأب لا يعرف ابنه، والأبناء المرحلون إلى كوبا يكادون يفقدون هويتهم.
وقال الدخيل إن جهودهم تدخل في إطار المطالبة بتجميع العائلات وتصحيح الأوضاع مع توفير الضمانات الكافية للمحتجزين من أجل العودة إلى وطنهم والعيش في أرضهم الآمنة المستقرة، مضيفا أنهم يعملون على التنديد بكل الخروقات التي تمس أي فرد مغربي أينما كان.
وأوضح أن هناك أناسا قتلوا وذبحوا وطردوا، مضيفا أنه لا يمكننا التحدث عن حقوق الشعوب والحريات والتنمية، في حين جزء منا مقسم ومبعد.
وأبرز الدخيل أن جولاتهم الأخيرة عبر العالم لقيت صدى طيبا لدى المنظمات والهيئات الدولية، خاصة بالولايات المتحدة الأميركية، مؤكدا عزمهم على الاستمرار في فضح ممارسات بوليساريو، التي ترتكب جرائمها بتوجيه ومساعدة الجزائر.
وقالت الفنانة نعيمة المشرقي إن إطار اهتمامات تحالف"وطننا"هو قضية لصحراء المغربية.
وأكدت أن "مسيرة 6 مارس 2006 كانت مناسبة للالتقاء بمجموعة من الأسرى العائدين من تندوف، والتعرف على أوضاعهم وأحوالهم الصحية، التي لمسنا أنها جد مزرية، ومن هذا المنطلق بذلنا الجهود لمساعداتهم ومحاولة رد الاعتبار لهم، كأبطال مغاربة لم ينسوا أنهم منتمون كليا لوطنهم، ورغم معاناتهم لم يتزحزح إيمانهم إزاء مغربيتهم".
ووجهت نعيمة المشرقي، بالمناسبة، الشكر للمؤسسات والمحسنين وبعض الشركات الوطنية، الذين مدوا يد العون لتوفير السكن لبعض المدنيين، مضيفة أن هؤلاء في حاجة لأدنى مساعدة، لأن المبلغ الذي يتقاضاه بعضهم غير كاف.
وتتمنى نعيمة المشرقي أن يصل النداء إلى كل من تحركه روح الوطنية، خاصة في هذا الشهر المبارك، من مؤسسات ومقاولين ومحسنين من أجل المساعدة.