باعتقال بعض متهمي قضية بارون المخدرات المسمى "الشريف بين الويدان"، وإدانة ذراعه الأيمن المعروف باسم "الأعور"، ووضع آخرين تحت المراقبة، يكون المغرب قد دخل شوطا مهما في الإصلاحات.
وصار المغاربة البسطاء يشعرون أن القانون يمكن فعلا أن يسري على الجميع في هذا الوطن.
اندلعت إذن حمى الاعتقالات، وسمعنا عن "مداهمات مباغثة" أسقطت رؤوسا وازنة من قبيل "الشريف بين الويدان" الطويل القامة، القوي البنية، الأبيض الشعر، الذي لا يتجاوز عمره 38 سنة، وقد قال "النيني"، أحد شركائه المعتقلين، إن "الصيد الثمين"، الذي اعتقلته الشرطة في مقهى "الغروب"، ذلك الذي دأب باستمرار على ارتداء سروال من نوع "جينز"، وأحذية رياضية، ويتوفر على سيارة رباعية الدفع سوداء اللون، ويقطن بمدينة القصر الصغير قرب فندق.
والأدهى من ذلك أنه معروف إلى حد أن بعض رجال الشرطة والدرك كانوا يؤدون لسيارته التحية كلما مر من ملتقيات طرق المدينة.
والحقيقة أنه مجرد مهرب للمخدرات ينتحل صفة "الشرفاء".
وكان "النيني" أدلى بأسماء وكُنْيَة شركاء "الشريف"، ضمنهم مغاربة وإسبان، من بينهم المغاربة الملقبون بـ "كارلو"، و"الحوزي"، و"الهياطي"، و"دوناطو"، كانوا يهربون جهارا نهارا المخدرات، بمساعدة رجال سلطة من المفترض فيهم تطبيق القانون.
تسارعت الأحداث، وشكلت اللهفة في الحصول على آخر أخبار »تطورات القضية« أحد مجالات التنافس بين الصحف اليومية.
وكان القراء يتيهون بين أخبار تؤكد الاعتقالات، وأخرى تشدد على الاستماع لمعتقلين، وكان الوكيل العام للملك باستئنافية البيضاء، بين الفينة والأخرى، يرسل بلاغات تتكفل وكالة المغرب العربي للأنباء بتوزيعها.
بعد سقوط "الشريف بين الويدان" و"إيزو" ورجال شرطة ودرك وقواد، جرى إعفاء الجنرال حميدو لعنيكري، المدير العام السابق للأمن الوطني من منصبه، وحل محله الشرقي الضريس، وأمر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بإيداع متهمين في الشبكة الدولية للاتجار في المخدرات السجن، ووضع آخرين تحت المراقبة القضائية، بإغلاق الحدود في حقهم، وسحب جوازات سفرهم.
خلفت هذه الحملة ارتياحا كبيرا في صفوف المغاربة البسطاء، وصار الناس يرون أن الكل بات سواء أمام العدالة.
حتى النزلاء في سجن عين السبع (عكاشة) بالدار البيضاء صاروا يحيكون القصص وراء الأسوار، تؤكد مصادر من مديرية السجون، أن ذلك بلغ حد أن إيداع المدير السابق لأمن القصور الملكية، وضباط في البحرية والدرك، السجن، شكل "حدثا استثنائيا" بين المعتقلين، وحاكوا حوله الكثير من القصص.
لكن اللافت، حسب المصادر ذاتها، هو أن نزلاء سجن عكاشة شعروا بنوع من الرضى عن أوضاعهم، لأن المهربين الكبار والمتاجرين في السموم صاروا أيضا يدخلون السجن مثل أي "بزناس" صغير تضبطه الشرطة متلبسا ببيع كمية صغيرة من المخدرات للمستهلكين في ناصية زقاق بدرب السلطان.
كانت أخبار تفاعلات اعتقال شركاء مهرب المخدرات الشريف بين الويدان تسيل لعاب القراء، وهي أخبار بدت متضاربة في الكثير من الأحيان في "مانشيطات" اليوميات
الكل كان يبحث عن "السبق الصحافي"، ووضعت "مصادر الخبر" على المحك في غياب مخاطب رسمي.
فباستثناء البلاغات اليتيمة التي تعممها "لاماب"، كان بعض الزملاء في اليوميات يرتكنون إلى "مصادرهم الخاصة"، وغالبا ما تكون أمنية أو مقربة من التحقيق أو "حسنة الاطلاع"
كانت "المانشيطات" تتوالى حول تداعيات الاعتقال، وكيف أن الشريف بين الويدان قال الكثير، وتسربت أخبار تفيد أن مسؤولين كبارا جرى إيقافهم، ضمنهم عبد العزيز إيزو مدير الأمن بالقصور الملكية.
يعيش المعتقلون الآن ضمن هذا الملف في جناح "كاليفورنيا" داخل سجن عكاشة، جيرانا في الحي الأوروبي لعبد المغيث السليماني وكبار المسؤولين والشخصيات المتهمين في قضايا الفساد المالي والإداري، وأفادت مصادرنا أنهم يعاملون بشكل جيد، وأن أفرادا من عائلاتهم يزورونهم بـ "شكل عاد"، وأكدت مصادرنا وجود تعليمات صارمة بعدم اختلاط المعتقلين في هذا الملف مع باقي السجناء.
وسط هذا "الاستنفار الإعلامي"، كانت زيادات أسعار المواد الاستهلاكية تتوالى يوما بعد آخر.
ووجد المواطن نفسه مجبرا على تحمل زيادات الأثمان، وانسجم مع "خبار الحوادث" ومع "لحملة الإعلامية" التي شكلت فرصة سانحة لتواتر أنباء رفع أسعار الدقيق والخضر والزيت وتذاكر حافلات النقل الحضري.
ومع هذه الأخبار صار المواطن شبه كائن مدجن، يقول باحث في الاتصال، ملمحا إلى أن أحداث الاعتقالات كانت أيضا "ملية إلهاء أنست جمهور الرأي العام تدني القدرة الشرائية بالنظر إلى ارتفاع أسعار المحروقات".
لكن الحدث هو بالفعل من "لنوع الدسم" صحافيا، فالعميد عبد العزيز إيزو، متابع بتهمة استغلال النفوذ والارتشاء، والتستر عن مبحوث عنه.
هناك أيضا المقدم عقا احبار، قائد الفرقة البحرية للدرك الملكي بطنجة، المتابع بتهمة الارتشاء، ويوجد ضمن المجموعة "أبناء ذوات" كالرائد يوسف الحليمي علمي، الذي يعمل مساعدا لقائد الدرك الملكي بالقنيطرة، المتابع بتهمة الارتشاء والتستر عن مجرم مبحوث عنه.
كما أن رئيس الموقع البحري بطنجة متابع بدوره بتهمة الاتجار والتهريب الدولي للمخدرات، ويترأس اللائحة بارون المخدرات، محمد الخراز، الملقب باسم "الشريف بين الويدان"، وشقيقه، وعبد السلام عباد، ومحمد تريبح، بتهمة التهريب الدولي للمخدرات والارشاء.
كأن المغرب يعيش هذه الأيام الجزء الثاني من حملة تطهير جديدة موصولة بحلقات سقوط هشام الرماش.
وكان المغرب منتصف التسعينيات عرف ساعتها بـ "حملة تطهير" مماثلة عندما تعقبت الدولة آنذاك أفراد شبكات تهريب المخدرات في منطقة الشمال المحاذية لأوروبا، حيث تنشط زراعة القنب الهندي.
اعتقلت ساعتها "رؤوس كبيرة"، وامتدت الاعتقالات لتشمل كذلك تجار أثواب مهربة بدرب عمر التجاري بالبيضاء، لكن سرعان ما خفتت هذه الحملة، ليعقبها ارتفاع أصوات تدعو لمعاقبة "ناهبي المال العام"، وكان أن عرضت على القضاء المغربي بعد ذلك ملفات كبرى لـ "قضايا الفساد المالي والإداري" لم تطو بعد.
هناك لائحة طويلة للملفات المؤجلة في ردهات المحاكم المغربية والمتعلقة باختلاسات ارتكبت في مؤسسات عمومية كبرى، كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري والسياحي، والقرض الفلاحي، مرورا بملف المطاحن، والتلاعب في حصص الدقيق المدعم من قبل الدولة، وانتهاء بتجاوزات كبرى لرجال سلطة ومنتخبين ومدراء أبناك.
الأصوات المطالبة بمحاكمة مختلسي المال العام تزامنت ومجيء حكومة التناوب التوافقي بقيادة الوزير الأول السابق، عبد الرحمن اليوسفي.
تحمست لهذا الخطاب أصوات كانت تحلم بحملة "الأيادي النظيفة" لتعقب جيش الفساد بقيادة لوبيات تجمعت للحفاظ على مصالحها.
ولا غرابة في أن تكون قضية "الشريف بين الويدان" أعادت من جديد طرح مصير الملفات الرائجة في ردهات محاكم المملكة، التي يفوق عددها 240 ملفا.
ولم تنج شركة "كوماناف" للملاحة المقبلة على الخوصصة نهاية السنة الجارية من غارات مختلسي المال العام، فمصادرنا قدرت حجم الأموال المنهوبة بأزيد من 18 مليار سنتيم، مع مديونية تفوق 20 مليار سنتيم.
وذهبت كذلك 16 مليار درهم من البنك الشعبي، و84 مليار درهم من الصندوق الوطني للقرض الفلاحي، أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فقد اختفت من حساباته 115 مليار درهم.
أنظر الملف حول "أموال الشعب المنهوبة".
وتؤكد مصادر أن التحقيق القضائي في قضية القرض العقاري والسياحي مثلا يدين أزيد من 30 مسؤولا، وأن هناك مبالغ تبخرت، وأخرى ذهبت إلى مصحة "القاضي" الخاصة.
يعتبر ملف القرض العقاري والسياحي أحد الملفات المهمة التي قد تعرض على أنظار محكمة الاستئناف بالبيضاء.
ويعد المدير العام الأسبق الذي تحمل مسؤولية إدارة هذه المؤسسة خلال الفترة الممتدة من 1993 إلى 1998، أحد المتهمين الرئيسيين في هذا الملف.
أما في ملف مجموعة البنك الشعبي، فيتابع فيه كذلك الرئيس المدير العام السابق، عبد اللطيف العراقي، الذي كان على رأس هذه المؤسسة، خلال الفترة الممتدة من 1985 إلى 1998، إلى جانب "أطر عليا" في البنك كانت تعمل في فرع باريس.
واستغرق النظر في ملف البنك "الأكثر شعبية" في المغرب، حوالي خمس سنوات دون أن يقع طيه.
أما بالنسبة إلى ملف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإنه ما زال يراوح مكانه بعد مرور حوالي عشر سنوات على فتحه.
وكان جرى فتح تحقيق جديد في شهر يوليوز 2005، واستدعاء عدد مهم من موظفي الصندوق، بمن فيهم عدد من الكتاب العامين، والمدير العام، الذي تحمل مسؤولية تدبير هذه المؤسسة خلال الفترة الممتدة من 1971 إلى 1992.
وحسب تقرير للجنة "تقصي حقائق" برلمانية، فإنه جرى تبديد ما يفوق 47 مليار درهم ضاعت من الصندوق في عمليات غير مشروعة خلال فترات مختلفة.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بحدة : ما هو مصير مئات الملايير المبددة من الأموال العمومية، التي ضاعت بسبب سوء التدبير وعدم احترام القانون، هل يمكن إرجاعها لخزينة الدولة مستقبلا.
وكان وزير العدل كشف أمام البرلمان المغربي عن معطيات رقمية لملفات الفساد المالي في المغرب، وقال الوزير إن القضاء المغربي أصدر طيلة 40 عاما أحكاما تهم استرداد 140 مليار سنتيم، ولم يقع تنفيذ سوى عدد محدود من هذه الأحكام بقيمة لا تتجاوز 4 ملايير سنتيم، في حين أن خزينة الدولة لم تسترجع بعد 136 مليار سنتيم حكمت محكمة العدل الخاصة باستردادها قبل إلغائها.
و منذ عام 1998 إلى 2004، أحيل على محكمة العدل الخاصة، التي جرى الغاؤها، 385 ملفا منها 318 مرتبطة باختلاس وتبديد أموال عمومية، و32 ملفا تتعلق بالارتشاء، و25 ملفا باستغلال النفوذ، و10 بالتزوير وخيانة الأمانة، فيما أحيل أكثرمن 100 ملف على محاكم أخرى.