ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد أمس الاثنين بالقصر الملكي بالدار البيضاء، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.
وألقت درس أمس السعدية بلمير، مستشارة بديوان وزير العدل، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع "إبلاغ الأحكام ومسؤولية الاختيار في الشريعة والقانون"، انطلاقا من قوله تعالى "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا« صدق الله العظيم .
وأبرزت المحاضرة أنه من عدل الله سبحانه وتعالى أن أسس مسؤولية الإنسان في الالتزام بأحكام الشريعة، المنزهة عن العبث، على العلم بها، إذ اقتضت إرادة الله أن يبلغ أحكامه وتعاليمه إلى عباده في الأرض من خلال ثلة مصطفاة من البشر، من الأنبياء والرسل، لإقامة الحجة الواضحة والكاملة على عباده، مصداقا لقوله تعالى "فللله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين"، بل إنه تعالى وصف القرآن بقوله "هذا بلاغ للناس ولينذروا به".
ومن هذا المنطلق القرآني، شددت المحاضرة على أهمية إبلاغ القواعد القانونية كمستند لترتيب التزامات ومسؤوليات يتحملها المكلف بهذه الأحكام، إذ يجب أن تتوفر في المكلف معرفة الأحكام والمقاصد.
وتوقفت عند أهمية القاعدة القانونية كضابط للسلوك الاجتماعي، ملاحظة أن مجال القانون غدا بدوره مجالا مفتوحا أمام دينامية العولمة التي تهدف إلى تنميط المجال القانوني، من خلال عدة تقنيات ترتبط بالقانون الدولي، فكان أن تفرعت عن ذلك الازدواجية في المصادر الإقليمية والعالمية للتشريعات.
وخلصت المحاضرة في هذا الباب إلى أن تضخم إنتاج القاعدة القانونية، نتيجة لهذا الوضع، جعل من الصعب الإلمام بكل القوانين الجارية، وأفرز عدة أصوات تطالب بإعادة انتشار القواعد القانونية في الاقتصاد وحقوق الإنسان، وإصلاح التشريعات الوطنية المقارنة.
وأضافت أنه من المفروض في كل نظام قانوني ناجع أن تعرف فيه القوانين وتكون واضحة في معناها وتطبق بشكل منصف على الكل وتحمي الحريات، على أن مناط التكليف والخطاب بالأحكام يستلزم من الناحية الفقهية توافر شروط البلوغ والقدرة والعقل، بل مضى بعض الفقهاء، حسب المحاضرة، إلى إضافة العلم بالحكم شرطا من شروط التكليف العامة، استنادا إلى قوله تعالى"وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون".
ومن هنا، اعتبرت المحاضرة أن ولوجية القانون ممر ضروري للديمقراطية وتحقيق المواطنة.
وذكرت بأن نشر القوانين كشرط وضمان لنفاذها مسألة مرتبطة بالسلطة السياسة، فالدولة التي لا تعمل على نشر قوانينها لا تعتبر في المواثيق الدولية دولة قانون.
وأبرزت أن النشر يجسد ترتيب الحقوق والواجبات على المخاطبين بالقاعدة القانونية، وبذلك ينشئ نظاما قانونيا يحقق الأمان والاستقرار ويجعل القانون في متناول المخاطبين به.
وعرجت، في هذا السياق، على دور القضاء في تقريب النصوص من المخاطبين بها، من خلال صلاحية تأويل القانون في الوقائع المطروحة عليه.
وعلى مستوى التشريع الوطني، سجلت المحاضرة، أن الحركة التشريعية في المغرب تعرف وتيرة متنامية، مبرزة أنه أمام تضخم المادة التشريعية، فإن شكليات نشر القاعدة القانونية وكيفيته تكتسي أهمية بالغة.
وعلى هذا المستوى، لاحظت أن آليات النشر القائمة لا تشمل جميع المخاطبين بسبب هشاشة وضعهم اقتصاديا واجتماعيا وغياب آليات وسيطة للتواصل في المجال القانوني، وأنه تترتب عن هذا النقص في التبليغ أضرار كبيرة للمجتمع والدولة والفرد، ويحرم الناس من فوائد تربوية أكيدة.
ودعت المحاضرة إلى استلهام قدسية التبليغ في الإسلام في تدبير الواقع التشريعي، موضحة أن المسؤولية تقع على السلطة العامة في توصيل المعلومة إلى المخاطبين بها
وثمنت في هذا السياق الاهتمام المولوي بإيجاد الحلول لهذه المسألة على الصعيد التشريعي.
وشددت على أهمية أن يندرج هذا الأفق في استراتيجية وطنية تضمن الحق في التواصل والإخبار، ومن خلال توعية يشارك فيها العلماء ورجال القانون والإعلام، قوامها تبسيط لغة التشريع لتطال أوسع الشرائح .
وفي ختام هذا الدرس الديني، تقدمت المحاضرة السعدية بلمير للسلام على صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
كما تقدم للسلام على جلالته جلول الجريبي، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي بتونس، ومحمد منصور سي الخليفة العام للطريقة التيجانية بالسينغال، ومحمود غازي، رئيس الجامعة الإسلامية بإسلام أباد (باكستان)، وعبد القادر طاهر أمير داكومبا (غانا) ومحمد مصطفى سانو، مدير المعهد العالي لوحدة الأمة الاسلامية بماليزيا، وسيسي الشيخ ديبري من علماء السينغال.
وتقدم للسلام على جلالته أيضا الشيخ عبد العزيز سيم من الطريقة التيجانية بالسينغال، والشيخ مدني طال من الطائفة العمرية بالسينغال، ومحمد الأكحل شرفاء، أستاذ محاضر وهو من الجزائر، ومحمد هيثم الخياط كبير مستشاري الممثل الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط وهو من مصر، ومحمد أحمد شفيع أمين عام الجمعيات الإسلامية بالنيجر، ومحمد جاما رئيس مؤسسة الملك محمد السادس للسلام بغامبيا، والبقالي الخمار رئيس رابطة الأئمة بهولندا، وهو من الجالية المغربية المقيمة بهولندا، وعبد الإله الجامعي، أستاذ تاريخ الأديان المقارن بجامعة أوتريخت بهولندا
وبالمناسبة نفسها، قدم عبد الهادي بوطالب لصاحب الجلالة الملك محمد السادس عددا من إصداراته.
ويتعلق الأمر بـ"قبسات من نور الذكر الحكيم في تفسير القرآن"، و»من قضايا الإسلام المعاصر« الذي يقع في جزأين.