أكد الدكتور موحى الناجي، أستاذ باحث في اللسانيات والثقافة المغربية، ومدير مهرجان فاس للثقافة الأمازيغية، أن اللغة والثقافة الأمازيغيتين حظيتا باهتمام كبير بفضل توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس الرامية إلى النهوض بهما وإدماجهما في التعليم والإعلام وا
وقال في حوار مع "الصحراء المغربية" إن الجميع الآن مطالب ببذل مزيد من الجهد للارتقاء بالثقافة الأمازيغية إلى مستوى رفيع يشرف المغاربة، مؤكدا أن الاعتراف بالأمازيغية دستوريا سيعطيها دفعة نوعية جديدة للنهوض بالثقافة الأمازيغية بكل أنواعها عبر التراب الوطني، وتشجيع الاهتمام بالإنتاج الفني والأدبي المغربي، على العموم، وبالثقافة والفنون الأمازيغية على الخصوص.
وأضاف أنه لا ينبغي تسييس الأمازيغية لأن أكثر من 90 في المائة من المغاربة أصلهم أمازيغي، وأن محاولة تسييسها لن يفيد الثقافة الأمازيغية في شيء، بل سيزيد من تهميشها والتخوف منها، مشيرا إلى أن ما تحتاجه الأمازيغية هو الإدماج في التعليم والإدارة والإعلام كما تحتاج إلى الأطر والباحثين.
- في نظري هذا النقاش صحي، ويدل على أن المغاربة بلغوا درجة مشرفة من النضج السياسي، فهذه اللغة يتكلمها ما يقارب 15 مليون مغربي ومغربية، وتعتبر لغة أم مهمة إلى جانب العربية الدارجة.
ففي بلد مثل الهند هناك 24 لغة رسمية معترف بها في الدستور، وهذا لم يمنع هذا البلد الكبير من السير إلى الأمام نحو مزيد من التقدم والنمو، بل ساهم هذا الاعتراف في توطيد الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والبشرية.
في المغرب أعطيت فرصة ثمينة للغة والثقافة الأمازيغيتين، ربما لأول مرة في التاريخ بفضل توجيهات صاحب الجلالة من أجل النهوض بهما، ومن أجل إدماجهما في التعليم والإعلام والإدارة.
فنحن مطالبون بأن نعمل ما في جهدنا للارتقاء بالثقافة الأمازيغية إلى مستوى رفيع يشرف المغاربة لأن الأمازيغية ملك لنا جميعا.
فما هو أساسي هو الاجتهاد والسير بخطى حثيثة، إذ ينبغي أولا تقعيد وتوحيد اللغة الأمازيغية ليتم إدماجها بصفة ناجعة في المنظومة التعليمية وفي الإعلام.
كما ينبغي تنشيط الحقل الثقافي والفني الأمازيغي وإعطاء دفعة إلى البحث والإنتاج الأدبي والفني كأداة لتفعيل اللغة والثقافة الأمازيغيتين.
لكن لكي تعطى المشروعية الضرورية لهذا الإدماج والانبعاث ينبغي في نظري دسترة اللغة الأمازيغية والاعتراف بها كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، أو الاعتراف بها كلغة وطنية وذلك أضعف الإيمان.
- ستخدم هذه الدسترة الثقافة المغربية عموما واللغة والثقافة الأمازيغيتين خصوصا، إن الاعتراف بالأمازيغية دستوريا سيعطيها دفعة نوعية جديدة وسيجعل أصحاب القرار في الوزارات والدوائر الحكومية كما في القطاع الخاص يخطون خطوات مهمة لصالح الأمازيغية
و ستساهم الدسترة في الحوار الثقافي وفي التعريف بالثقافة المغربية في جميع مكوناتها ومظاهرها.
كما ستبرز أهمية التراث الأمازيغي كمكون أساسي لثقافتنا المغربية الأصيلة من خلال ما تزخر به من أدب شفهي وفنون ومعمار وصناعة تقليدية وتقاليد وأعراف.
كما ستساهم هذه الدسترة في النهوض بالثقافة الأمازيغية بكل أنواعها عبر التراب الوطني وتشجيع الاهتمام بالإنتاج الفني والأدبي المغربي على العموم وبالثقافة والفنون الأمازيغية على الخصوص.
ومن جهة أخرى ستساهم الدسترة مساهمة كبيرة في إظهار عمق الشخصية المغربية وثقافة المغرب في بعديها التاريخي والحضاري، وفي الجهود المبذولة على الصعيد الجمعوي والرسمي من أجل الحفاظ على هويتنا الثقافية وشخصيتنا الأصيلة دون إغفال الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى.
فلا يمكن للإنسان أن ينفتح على الآخر إلا إذا كان متشبعا بثقافته وقيمه.
- أظن أن كل القوى الوطنية تهتم بالثقافة الأمازيغية وتساند الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار لهذه الثقافة التي هي فعلا جزء لا يتجزأ من الثقافة المغربية، ولا يختلف اثنان في أن النهوض بها واجب وطني.
هناك جدل لأن بعض الجهات المتطرفة حاولت تسييس القضية الأمازيغية من أجل إفشال إدماجها في المؤسسات.
فالكل يتذكر الجدل حول الحرف، الذي حسم بالتحكيم الملكي لصالح حرف تيفيناغ.
وفي نظري لا خير في تسييس القضية أو خلق مشكل عرقي منها لا قدر الله، باعتبار أن هذا التسييس قد يثير مغالطات وصراعات نحن في غنى عنها.
لذا لا ينبغي تسييس الأمازيغية لأن أكثر من 90 في المائة من المغاربة أصلهم أمازيغي على كل حال، وتسييس الأمازيغية لن يفيد الثقافة الأمازيغية في شيء بل سيزيد من تهميشها والتخوف منها.
إن ما تحتاجه الأمازيغية هو الإدماج في التعليم والإدارة والإعلام، كما تحتاج إلى الأطر والباحثين الذين يمكنهم الارتقاء بها من خلال البحث في التاريخ والتراث والأدب والفن وتشجيع الإنتاج الفني الأمازيغي.
وينبغي التذكير هنا بأن علاقة الثقافتين العربية والأمازيغية عميقة بشهادة التاريخ، وقد اتسمت هذه العلاقة دائما بالأخوة والتضامن والوئام والانسجام.
فالمغاربة كلهم سواسية أمام القانون وجلهم مسلمون سواء منهم الناطقون بالأمازيغية أو الناطقون بالعربية.
ويشكل هذا الانسجام الحاصل بين الثقافتين مصدر افتخار وطني، لأن أهم ما يميز الهوية الوطنية هو تنوعها وتعدديتها، والتلاقح الموجود بين الثقافتين العربية والأمازيغية يوطد الوحدة الوطنية.
- تدريس اللغة الأمازيغية له أهمية كبرى لأنه الكفيل بضمان استمراريتها وضمان الاهتمام بها على المستويين المؤسساتي والمجتمعي.
لكن التدريس في حد ذاته غير كاف في نظري إذا لم يكن مصحوبا بالإرادة السياسية
فمثلا ينبغي على وزارة التربية الوطنية أن تضاعف الجهود لتفعيل هذا التدريس وتتبعه وإنجاحه وطنيا وليس محليا فقط.
الإرادة نفسها ينبغي أن تتجسد في الوزارات الأخرى كوزارة الإعلام، وبادرة القناة الأمازيغية خطوة إلى الأمام للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين في ميدان الإعلام
كما ينبغي على المجتمع المدني أن يقوم بمبادرات للنهوض بالثقافة الأمازيغية على جميع المستويات على غرار ما تقوم بهم مؤسسة البنك المغربي للتجارة الخارجية.
كما أوردت سابقا اللغة الأمازيغية رافد أساسي من روافد الشخصية الثقافية المغربية، وهي أيضا لغة غنية بتراكيبها ومعجمها ودلالتها وأدبها الشفهي وأغنيتها الأصيلة، لهذا ينبغي علينا جميعا أن نقوم بصيانتها وتدعيمها في أفق توحيدها ومأسستها من أجل أن تتبوأ المكانة اللائقة بها في المجتمع في إطار دولة الحق والمؤسسات.
وقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس غير ما مرة أن الأمازيغية مسؤولية وطنية وملك لجميع المغاربة، يجب المحافظة عليها وتعزيز مكانتها في المجتمع، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل، أن الإرادة السياسية متوفرة، وأن اللغة الأمازيغية معترف بها على أعلى مستوى في الهرم السياسي.
ولا يبقى لنا سوى توفير الشروط المؤسساتية للنهوض بها من أجل إدماجها في المنظومة التربوية والإعلام وفي الحياة العامة.
التدريس مهم لأنه يضمن الاستمرارية لهذه اللغة ويضمن تنميطها وحيويتها
وما هو أساسي، كما أسلفت، هو الاجتهاد والسير خطوة خطوة، إذ ينبغي أولا تقعيد وتوحيد اللغة الأمازيغية حتى يجري إدماجها بصفة ناجحة في النظام التعليمي.
- مستقبل تدريس اللغة الأمازيغية بين أيدي المغاربة جميعا الآن، وهو رهين بمدى تشبثهم بأصالتهم وهويتهم الغنية والمتنوعة، وهو رهين كذلك بمدى وعيهم بأهمية اللغة الأمازيغية في تقوية الجبهة الداخلية وفي تدعيم التنوع الثقافي في المغرب وفي إرساء دولة الحق والقانون.
وأمام الزحف الكبير للعولمة التي ترمي إلى تقليص الهويات الثقافية للشعوب وإلى تهميش التراث الشفهي للأقليات عبر العالم فلابد من الارتكاز على مقوماتنا الوطنية وهويتنا المغربية وتعددية ثقافتنا.
ولهذا وجب علينا أخذ تدريس الأمازيغية بجدية بإدماجها بصفة رسمية ودائمة في المنظومة التعليمية.
ومن سار على الدرب وصل وإذا نحن قمنا بتقييم موضوعي لما تقوم به الدولة والمجتمع المدني من أجل النهوض باللغة الأمازيغية، فلا يمكن للمرء إلا أن يكون متفائلا بالمستقبل.
- لابد من التذكير أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تمكن في وقت وجيز من تحقيق منجزات مهمة نذكر منها : تنميط حروف تيفيناغ وتقعيد الإملائية وإدخال الحرف الأمازيغي في المنظومة المعلوماتية الحديثة، وكذا إعداد البرامج والمناهج والكتب المدرسية الكفيلة بإدماج الأمازيغية في التعليم والشروع في تكوين المؤطرين والمدرسين عبر التراب الوطني.
وقد صدر عن هذا المعهد نحو خمسين كتابا في مجالات اللغة والأدب والتربية والتاريخ والجغرافية والسوسيولوجيا والفنون والترجمة،إلخ .
ويساهم المعهد كذلك في تعزيز وتقوية حضور الأمازيغية في وسائل الإعلام العمومية
وفي هذا النطاق يلاحظ المتتبعون أن الثقافة الأمازيغية أصبح لها حضور لايستهان به في وسائل الإعلام السمعية البصرية ، ومن المنتظر أن تكون حاضرة بصفة متميزة في الإذاعة والتلفزيون مستقبلا.
- هذا المؤلف الذي صدر باللغة الإنجليزية قبل سنة بنيويورك بالولايات المتحدة، يضم 10فصول تتعلق بالجانب التاريخي وبعلاقة اللغة بالثقافة والهوية، وهناك فصول تتناول وضعية اللغات الوطنية (العربية والأمازيغية) واللغات الأجنبية ( الفرنسية والإسبانية والإنجليزية)، وازدواجية اللغة، وإشكالية الخلط اللغوي، والمواقف من اللغات الوطنية والأجنبية، والسياسة اللغوية وتفاعلها مع المنظومة التعليمية ببلادنا .
والكتاب مساهمة في مجال التعدد اللغوي والثقافي ويعالج القضية اللغوية في المغرب منذ الاستقلال وأثرها على مردودية التعليم وعلى الصراع القائم بين الحداثة والتقليد.
أملي أن يساهم هذا الكتاب في التعريف بالخصوصية اللغوية والثقافية المغربية وأن يفيد النقاش الحالي حول إشكالية اللغة والتعدد اللغوي ويكون مساهمة متواضعة في الجهود المبذولة من أجل الرفع من مستوى تعليمنا ولغاتنا.
- نحاول في هذا المهرجان إبراز الثقافة الأمازيغية في جل تمظهراتها من فكر وأدب، وشعر وغناء ورقص وصناعة تقليدية ولوحات فنية و فروسية.
ويتم التركيز على الندوة الفكرية لأننا نرفض تكريس صورة الفولكلور التي عادة ما تلصق بالثقافة الأمازيغية.
ولهذا تحتل الندوة العلمية حيزا مهما في برنامج هذا المهرجان.
أيضا أردنا أن نظهر الثقافة الأمازيغية في أبهى الحلل لنغير النظرة الدونية عند البعض لهذه الثقافة المغربية الأصيلة الضاربة في عمق التاريخ والتي قاومت المستعمر الفرنسي بشجاعة في الجنوب والأطلس المتوسط والريف، وقاومت كل الصعاب عبر التاريخ لتبقى حية، شامخة وغنية بكل المقاييس.
قررنا كذلك منذ البداية أن يقوم المهرجان في كل دورة بتكريم شخصية فكرية متميزة وثلاثة فنانين مرموقين فرضوا أنفسهم على الساحة الوطنية والجهوية.
لهذا تم لحد الآن تكريم العلامة الأستاذ محمد شفيق نظرا لفكره النير الذي كان دائما يدعو إلى العودة للذات والجذور الوطنية وتراث الأجداد، كما قمنا في الدورة الأخيرة بتكريم الدكتورة ليلى مزيان بنجلون لعطاءاتها الكبيرة والمتنوعة من خلال المدارس القروية النموذجية التي أسستها وتشرف عليها مؤسسة البنك المغربي للتجارة الخارجية.
أما عن الشخصيات الفنية، فقد جرى حتى الآن تكريم الفنانين محمد رويشة وعموري مبارك وفردوس تازيري وبوعزة العربي وفاطمة تيحيحيت تيتريت وحوسا 46 ومجموعة إمطاون والفنان الجزائري فرحات مهني.
الدكتور موحى الناجي أستاذ جامعي، باحث في اللسانيات والثقافة المغربية
وهو مدير المجلة الدولية "اللغات واللسانيات" التي تصدر بانتظام منذ سنة 1998، ورئيس مركز جنوب شمال للحوار الثقافي والدراسات حول الهجرة.
له كتب ومنشورات متعددة تشمل مجالات اللغة والثقافة والنوع والمجتمع المدني والهجرة.
من آخر إصداراته كتاب "التعدد اللغوي، الهوية الثقافية والتعليم بالمغرب" (2005) وكتاب "النحو الأمازيغي" (2004) بتعاون مع فاطمة صديقي وكتاب "نحو الدارجة المغربية"(2004) وهو كتاب جماعي، و"المجتمع المدني، النوع والتنمية المستديمة"إشراف (2004) .
كما صدرت له عدة مقالات بالعربية والفرنسية في مجلات دولية وفي جرائد وطنية مختلفة .