مشاجرات يومية في الشوارع والأسواق والبيوت أيضا

المدخنون أكثر المتنازعين خلال شهر رمضان

الأربعاء 04 أكتوبر 2006 - 12:27

"ملي تيقرب رمضان تتشدني الخلعة" رمت سميرة بتلك الكلمات، وعلامات القلق والارتباك بادية على وجهها الشاحب، فنفسها غارقة في أمواج من الانفعالات، بسبب عنف زوجها خلال فترة الصيام، فهو يضربها لأتفه الأسباب، ويجب عليها ألا تسأله عن شيء،

كما يقدم في أغلبية الأوقات، على تكسير أواني المطبخ، وتضيف وقد سرحت ببصرها، ترقب هذا الفضاء بأحد أسواق الدار البيضاء، المدينة الصاخبة، "الله يقطع هاذ الكارو ولي خرجوا النهار الأول" كانت كغيرها واقفة أمام مشاجرة من المشاجرات اليومية، التي اعتادت العين البشرية على رؤيتها، تظهر حشود من الناس وقد انخرطوا في الحديث، ولا تسمع على ألسنة أكثرهم، سوى عبارة واحدة »بنادم مقطوع الله يحفظ، خاصو غير مع من" مزاح سخيف بين شخصين، يتحول إلى لعن الآباء، والأجداد، والملة، وقد يصل إلى عراك تكون فيه الغلبة للأقوى، وكم من جرائم قتل، وإعاقات نتجت عن مثل هاته النزاعات، التي تنشب لأتفه الأسباب، ومازال النزاع قائما، والشتائم، والكلمات الساقطة، التي تحمر لسماعها خدود العجوز، تلوح في سماء المكان.

شهر رمضان الكريم، وما يحمله من طقوس جميلة، تتنكر لمثل هذه الأفعال البعيدة كل البعد عن الأخلاق الحميدة، التي يوصي بها الإسلام والدين القويم، يعلل المواطنون تلك المشاجرات، بامتناع المدخنين عن ملاعبة سجائرهم طيلة اليوم، ما يجعلهم أكثر عصبية من غيرهم، وأدنى كلمة أو تصرف، يشعل فتيل غضبهم وحنقهم، فيفجرونه في وجه أي شخص صادفهم، أو تجادل معهم في موضوع ما، لم تكن زينب أوفر حظا من سميرة، سيدة في العقد الخامس من عمرها، أكلت السنون شبابها، ولاحت الكآبة ظلالا على ملامحها المنهكة، فغدت شاحبة نحيلة منقبضة، تنهدت طويلا، ورمقت بنظرة دامعة تخفي ما تكابده خلال الشهر الفضيل، من معاناة مع زوجها الكهل، فهو لا يتوانى، حسب ما قالت، عن شتمها أمام أبنائها وأمام الناس، كلما نبست بكلمة، وتزداد عجرفته وشتائمه في نهار رمضان، وتعلل الأسباب بحاجته إلى التدخين "كبرو الأولاد ودرنا النساب ومازال تنتعايرو".

داخل حافلة لنقل الركاب، كما في الشارع، تشاهد مختلف أنواع الجرائم الأخلاقية، من سرقة، وتحرشات جنسية بالنساء، وتسمع مختلف الشتائم، تتطاير في أجوائها الضيقة، وفي ظل احتدام الصراع الكلامي بين المتخاصمين تسمع من أحدهم،"بعد مني راني مرمضن" وكأن الصيام فرض عليه وحده دون الأمة الإسلامية، لكن عبد الله وهو مدمن على تدخين السجائر، يرى أن الصيام لا يغير شيئا من مزاجه الرائق، فهو يتصرف بشكل عاد خلال فترة الصيام، ولا يتنازع مع أحد، ويعتبر التدخين عادة سيئة فقط، أما ليلى متزوجة فلها رأي آخر في المدخنين، وحجتها هي تصرفات أخ الزوج خلال الصيام، فهو لا يتكلم مع أحد ولا يكلمه أحد من أفراد البيت حتى يفطر، فمزاجه المعكر لا يصفو إلا مع أول سيجارة يرشفها بعد آذان المغرب، أما ابتسام فتجهل تصرفات خطيبها بعد الزواج، لكن هذا لا يمنع من أنها غير راضية عن كونه مدخنا، فهي تؤمن بشعار التدخين مضر بالصحة، ولذلك تحاول دفع خطيبها المدمن على السيكار، كي يتخلى عنه، والذي يعتبر التدخين مساعدا كبيرا على محاربة السمنة.

وتضيف "مابغيتوش يبقى يكمي«، وتستطرد شابة أخرى"كلنا نعلم الأضرار الجسيمة التي يلحقها التدخين بجسم الإنسان، إذن فمن الواجب أن نعمل على مساعدة أقربائنا على الانقطاع عن التدخين". النزاعات التي تقع، يقال سببها التدخين وتتفق كوثر حول الأمر وتقول مفسرة "أنا متفقة مع قائلي هذا الكلام فالشيء الذي يخرب الجسد البشري ويلحق به شتى أنواع الأمراض والعلل الخبيثة يمكن له أن يجعل الشخص عصبيا وحتى مجنونا«، هذا ما ينطبق على مبارك، وهو من ضحايا السيجارة، إذ يفرض عليه عمله كبائع للخضر بالسوق، أن يتعامل يوميا مع مجموعة من الناس، على اختلاف أشكالهم وطبائعهم، ويقول "في الأيام العادية، السيجارة لا تفارق شفتاي، أما في أيام رمضان فأنا أحس بحاجة ماسة إليها، وأكون أكثر عصبية وشجارا مع الناس أو مع جيراني في المهنة"، ومن جهة أخرى هناك فئة تعتبر المدخن شخصا عاديا، كما يشرح ذلك محمد »هاذ الوقت كلشي معصب ماكاين فرق بين حد، لا لي تايكمي ولا لي ماتيكمي"

ليضيف صديقه كل واحد وطبعو والكارو ماعندو علاقة غير حنا المغاربة شوية قباح داكشي علاش كاتكون المضاربة بزاف«. وعند العودة، مرت الحافلة من المكان الذي وقعت به المشاجرة الأولى، وقد أشرفت على الانتهاء تاركة آثارا لدى المتخاصمين، وكذلك لدى المارة والمعاينين لمراحل النزاع بأكمله، طأطأت زينب رأسها المليء بركام من الأحزان والذكريات السيئة،

وأكملت وجهتها نحو الطبيب ليخبرها عن مرض جديد، إضافة للسكري والضغط والقلب فهي تقول إنها كلما ذهبت إلى الدكتور ينبؤها بمرض جديد ألم بها، أما سميرة، فقد تابعت اقتناء ما تحتاجه من متطلبات مطبخها، كانت تحمل أقل عدد من السنين، مقارنة مع زينب، لكنها لا تنقص عنها معاناة، فهي صارت كالعجوز في خريف أيامها، وأقصى ما تتمناه، حياة هادئة وبعيدة عن المشاكل.




تابعونا على فيسبوك