ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد أمس الثلاثاء بالقصر الملكي بالرباط، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية .
وألقى درس أمس الشيخ آية الله محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في موضوع "حركة التقريب بين المذاهب، منطلقاتها وآفاقها المستقبلية"، وذلك انطلاقا من قوله تعالى »وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون« صدق الله العظيم.
وأوضح المحاضر في بداية الدرس أن هناك مصطلحين ينبغي توضيحهما قبل الشروع في الحديث عن"حركة التقريب بين المذاهب"، وهما مصطلحا "التقريب" و"الوحدة"، خاصة وأن هناك من يخلط بينهما.
وقال بهذا الصدد إن الوحدة يراد بها وحدة المواقف العملية للأمة الإسلامية، التي يتعين عليها أن تتخذ موقفا واحدا تجاه قضاياها الداخلية، والتحديات الخارجية التي تواجهها، مبرزا أنه ليس هناك من مجوز في أن تختلف مواقف هذه الأمة تجاه هذه القضايا، مضيفا أن مصطلح »التقريب« يراد به أن يقرب بين الأفكار، على اعتبار أنه من الصعب توحيد الأفكار، بالنظر إلى اختلاف منطلقاتها وأساليب الاستدلال التي تتبعها.
وأشار إلى أنه ليس هناك نص إسلامي يدعو إلى توحيد الأفكار، وأن هناك بالمقابل دعوة للتقريب بين الأفكار، والتي يقصد بها البحث عن المساحة المشتركة بين الأفكار أولا، ثم ثانيا السعي نحو توسعة هذه المساحة، وثالثا التعاون في تطبيق هذه المساحة المتفق عليها، وتليها مرحلة التعذير التي يقصد بها أن يعذر البعض البعض الآخر فيما اختلفا فيه
بعد ذلك تطرق المحاضر لمنطلقات الحركة في مساعيها للتقريب بين المذاهب، وهي منطلقات كثيرة لعل أهمها، اتجاه الإسلام نحو تعميق الوحدة بين أبناء الأمة، موضحا أن التقريب يشكل طريقا للوحدة، وأن التقريب في الفكر يساعد على توحيد الموقف العملي
ومن منطلقات الحركة في التقريب بين المذاهب، يضيف المحاضر، هناك اتجاه النصوص لتعريف الوحدة الإسلامية، مبرزا بهذا الصدد أن القرآن سلك مختلف السبل ليؤكد أن من خصائص الأمة الإسلامية هناك خصيصة الوحدة، وذلك مصداقا لقوله تعالى"وأن هذه أمتكم أمة واحدة".
وأضاف أن المنطلقات الأخرى تتمثل في كون المذاهب تشترك في كل الأصول الإسلامية، وكذا تركيزها على الحوار، مبرزا في هذا الإطار أن القرآن الكريم يتضمن نظرية متكاملة في الحوار، إضافة إلى حرية الاجتهاد، مشددا على ضرورة تواصل عملية الاجتهاد على اعتبار أنها لم تفقد مبررات استمرارها خاصة وأن هناك العديد من القضايا المستجدة والمعقدة التي تحتاج للفصل فيها.
وفي معرض حديثه عن المذاهب الإسلامية، أوضح المحاضر أنه كان بينها تعاون عقلاني وطبيعي، مشيرا إلى أن عددها وصل في بعض الأحقاب إلى 139 مذهبا قبل أن يصبح حاليا سبعة أو ثمانية مذاهب، مبرزا أنه في الوقت الذي كان فيه من المفروض أن تتعايش هذه المذاهب فيما بينها، فإنها غيرت منهجها العقلاني تحت تأثير عدة عوامل، وتحولت إلى المذهبية الطائفية وأضحت مركزا للصراع والقتال.
وبخصوص تاريخ حركة التقريب بين المذاهب "قال المحاضر إن هذه الحركة التي نشأت في أربعينات القرن الماضي، جاءت لتعيد الحالة العقلانية للأمة الإسلامية وتجعل العلاقة بين المذاهب مصدر فخر لها، بدل أن تكون مصدرا للنزاع، مضيفا أن الحركة اضمحلت بعد رحيل الرعيل الأول من العلماء الذي كان وراء خروجها إلى حيز الوجود، غير أنها أعيدت لها الحياة من جديد بفضل الدعم الذي حظيت به من لدن عدد من البلدان ومن بينها المغرب، وهو ما مكنها من ترك أثر جيد، تجسد بالخصوص من خلال العمل الذي تقوم به منظمة (الأيسيسكو) التي جعلت من أهدافها التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكذا من خلال ما يقوم به مجمع الفقه الإسلامي بهذا الخصوص.".
وخلص إلى القول إن الحركة تحظى بالقبول، متوقعا لها مستقبلا مشرقا، داعيا إلى تعميق العمل الذي تقوم به حتى »نستطيع سد الطريق أمام الأعداء وإحباط مؤامراتهم على وحدة الأمة الاسلامية«، مذكرا بالسياسات التي تنهجها الحركة من قبيل التعاون في المتفق عليه والتعاون على تنفيذه، والتعذير في حالات الاختلاف، وحرية اختيار المذهب، معربا عن أمله في أن تسترجع العقلانية التي كانت سائدة بين المذاهب مكانتها اللائقة بها.
وفي ختام هذا الدرس الديني تقدم للسلام على أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس الأستاذ المحاضر الشيخ آية الله محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية وهو من إيران.
كما تقدم للسلام على جلالته عدد من العلماء الضيوف، وهم الأساتذة إدريس قدوس رئيس المجلس الوطني الإسلامي بكوت ديفوار، وعلي وتارا من علماء كوت ديفوار، والإمام الحاج لوكري يحيى رئيس المجلس الوطني التنفيذي من كوت ديفوار، وكمال الدين أزبمير استاذ بجامعة صقاريا بتركيا، وإيدكو بولا فا إيصو الكاتب العام المساعد للمكتب التنفيذي لاتحاد المسلمين من البنين، والشيخ حسن جواهر زاده أستاذ الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم بإيران، وعبد الحكيم محمد الأنيس محاضر وباحث أول في دار البحوث للدراسات الإسلامية بدولة الإمارات العربية المتحدة.
كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين الأساتذة أحمد معبد عبد الكريم أستاذ بقسم الحديث بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق وهو من مصر، ويوسف أمدي ديكو من علماء نيجيريا، ومصطفى أقدمير مقرىء وأستاذ بالجامعة الإسلامية بروتردام بهولندا، ومحمد توجكاني إمام ببروكسيل رئيس رابطة الأئمة ببلجيكا، وهو من الجالية المغربية ببلجيكا، والأمين البقالي الحرائقي ناشط جمعوي من الجالية المغربية بالسويد، ومحمد مسعودي عضو تجمع مسلمي فرنسا، وهو من الجالية المغربية بالديار الفرنسية.