عبد الواحد الراضي

الخطر الذي يهدد الديمقراطية أن كل شيء بات يباع ويشترى

الإثنين 02 أكتوبر 2006 - 11:30
عبد الواحد الراضي

يؤكد عبد الواحد الراضي، رئيس مجلس النواب، أن الدخول التشريعي الجديد سيكون عاديا ولا يحمل أي مفاجآت أو إثارة، ويُضيف أن هذا هو المفروض في العمل التشريعي .

ويوضح رئيس مجلس النواب أنه، رغم سيطرة هاجس الانتخابات التشريعية المقبلة على النواب، إلا أن البرلمان سيواصل عمله بالالتزام والجدية نفسيهما.

ويُبرز الراضي أن انتخابات 2007 سوف لن يكون لها تأثير سلبي على السير العادي لأشغال البرلمان.

ويتحدث عبد الواحد الراضي عما أثارته انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين من ردود فعل قوية بسبب بعض مظاهر الفساد التي شابتها، فيؤكد أنه مما يُسيء إلى المؤسسة التشريعية هو عدم مصداقية تمثيليتها، وعدم مطابقة هذه التمثيلية لإرادة الناخبين
وقال إن المشكل هو أن كل شيء أصبح يباع ويشترى، وأن هذا هو الخطير على الديمقراطية في المغرب، وحتى مجلس النواب أصبح مهددا من هذه الزاوية.

ويدعو إلى اقتراح حلول للحد من الفساد الانتخابي.ويؤكد الراضي أهمية مراجعة اختصاصات الغرفة الثانية حتى لا تظهر للرأي العام الوطني وكأنها نسخة للغرفة الأولى.

وبرأي الراضي، فإن مراجعة وظائف الغرفة الثانية بما يجعلها تتميز عن الغرفة الأولى من شأنه أن يعيد الاعتبار لمجلس المستشارين.

٭ انتُخبتم أخيرا رئيسا للجمعية البرلمانية المتوسطية، ماذا يمثل ذلك بالنسبة إليكم شخصيا؟

ـ شخصيا، أعتبر هذا الانتخاب تتويجا للعمل والمجهود الذي قمنا به منذ أزيد من خمس عشرة سنة.

إذ انعقد أول اجتماع في الاتحاد البرلماني الدولي بين ممثلين برلمانيين أعضاء الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط في سنة 1992 في مدينة مالقة.

وكان الهدف من هذا اللقاء، هو فتح حوار بين برلمانيي البحر الأبيض المتوسط من أجل إحلال السلم والأمن والاستقرار والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وكانت هذه مبادرة جهوية، إقليمية، لكنها حظيت بدعم من الاتحاد البرلماني الدولي
لقد جرى هذا قبل انطلاق مسلسل برشلونة بثلاث سنوات، واشتغلنا آنذاك في إطار عدة لجان، وعقدنا عدة لقاءات وفي عدة بلدان، وهيأنا أرضية للعمل.

وهنا أشير إلى أن مسلسل برشلونة اقتبس عددا من الأشياء مما قمنا به، سواء في ما يخص التوجهات والأفكار، أو في ما يخص، اللجان والمواضيع التي تصب في خانة اهتماماتها.

أشير هنا إلى وجود ثلاث لجان ينصب اهتمامها على قضايا أساسية تهم القضايا السياسية والأمنية وقضايا حقوق الإنسان، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، والشؤون الثقافية والحوار بين الحضارات والديانات.

بدأنا نشتغل في هذه الأمور ابتداء من 1992 ثم عقدنا اجتماعات فبعد اجتماع برشلونة، كان هناك اجتماع في مالطة في سنة 1995، أي على بعد أسبوع واحد قبل انعقاد اللقاء المرتبط بانطلاق عملية برشلونة، ثم عقدنا اجتماعا آخر في مرسيليا وفي اليونان
بعد ذلك، بدأنا ندرك أن هناك عددا من الهيئات والمؤسسات، التي تهتم بفضاء حوض البحر الأبيض المتوسط، من بينها الدول الأوروبية وشركاؤها في جنوب البحر الأبيض المتوسط، الذين أصبحت لديهم الرغبة في إنشاء إطار برلماني مصاحب لمسلسل برشلونة، وهنا لعبنا دورا، فكان لنا الإسهام، سنة 1998، في إنشاء المنتدى البرلماني الأورومتوسطي، وانتُخبت آنذاك رئيسا مشاركا للمنتدى.

واشتغلنا في إطار هذا المنتدى لمدة ست سنوات، أي إلى غاية 2004 .

وفي النهاية استقر الرأي على تحويل المنتدى إلى جمعية برلمانية أورومتوسطية
تأسس هذا الإطار في سنة 2003 في إيطاليا، وجرى تنصيب هذه الجمعية سنة 2004 في اليونان.

هذه الجمعية تشتغل بقوانينها وهياكلها وتعقد اجتماعاتها بشكل منتظم وتتوفر الجمعية على تمثيلية 25 عضوا في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى 12 دولة تنتمي إلى البحر الأبيض المتوسط، ولكنها لا تتوفر على العضوية في الاتحاد الأوروبي.

بعد ذلك طرح علينا السؤال حول مصير الإطار الذي خلقناه في إطار الاتحاد البرلماني الدولي.

فجرى النقاش حول مسألة ما إذا كان تأسيس جمعية برلمانية متوسطية، سيؤدي إلى نوع من التكرار، وحول مسألة تمكين كل جمعية من أن تكون لها اختصاصاتها وتوجهاتها ومهامها الخاصة.

واستقر الرأي، في النهاية، على أنه إذا كانت الجمعية البرلمانية الأورومتوسطية هي جمعية مصاحبة لمسلسل برشلونة، ينصب اهتمامها بشكل أخص على الجوانب الاقتصادية والسياسية، وكذلك قضايا الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط، فإنه، في ما يتعلق بالجمعية البرلمانية المتوسطية، ورغم اهتمامها كذلك بالجوانب السياسية وبالسلم في الشرق الأوسط، وخاصة في ما يتصل بالقضية الفلسطينية، إلا أن هناك مسألة إضافية تتصل بوجود قواسم مشتركة بين دول حوض المتوسط .

هذه الدول تعتبر بمثابة وحدة تاريخية واستراتيجية وثقافية فقد حصل تأثير متبادل بين دول البحر الأبيض المتوسط .

فالضفة الشمالية تلقت تأثيرات الثقافة والحضارة العربية والإسلامية بحكم الوجود الطويل للعرب والمسلمين في العديد من مناطق جنوب أوروبا، وفي الوقت نفسه، نجد أن دول شمال البحر الأبيض المتوسط أثرت في دول الجنوب، قبل وأثناء وبعد الاستعمار، إلى درجة أن دول المغرب العربي وبعض الدول الأخرى كالأردن وسوريا لديها اليوم شراكة مع الاتحاد الأوروبي.

هناك، إذن قاسم مشترك، وهناك تاريخ مشترك، وهدف الجمعية هو إعادة قراءة التاريخ وفتح الحوار بين مكونات الثقافة في البحر الأبيض المتوسط، من أجل خلق مناخ جديد للتعاون في المستقبل.

وتضم الجمعية البرلمانية لحوض المتوسط 24 دولة، وكل دولة ممثلة بخمسة برلمانيين، ما يعني أن الجمعية تضم حوالي مائة برلماني.

هناك رئيس وثلاثة نواب للرئيس، وثلاث لجان، اللجنة السياسية واللجنة الاقتصادية واللجنة الثقافية.

وقد أنشأنا الهياكل المسيرة، وسيجتمع المكتب في نوفمبر المقبل في المغرب لنشرع في تطبيق برنامج الجمعية.

٭ ما هي المكانة التي يحظى بها البرلمان المغربي بالنسبة إلى برلمانات الدول المشابهة؟

ـ يحظى المغرب على الصعيد الدولي بتقدير وبمكانة متميزة في ما يتعلق بالدبلوماسية البرلمانية.

فللمغرب حضور في كل اللقاءات والمنتديات البرلمانية الجهوية والقارية والدولية
لقد احتضن المغرب عدة منتديات ولقاءات، واحتل المغرب مواقع المسؤولية داخل المؤسسات البرلمانية الدولية، وهو ما منح المغرب وضعية متميزة وصورة إيجابية جدا
وهذا ما يجعل المغرب في كل هذه المؤسسات الدولية يلعب دورا أساسيا
حقيقة، هناك ثقة متزايدة في المغرب نلمسها في كل اللقاءات، وهو ما يُظهر بأن المغرب يحتل مكانة خاصة.

لقد نال المغرب على سبيل المثال شرف رئاسة الاتحاد البرلماني الذي يضم 142 بلدا، كما حظي المغرب برئاسة اتحاد البرلمانات الإفريقية واتحاد البرلمانات العربية، واتحاد برلمانات الدول الإسلامية، واحتضن المغرب، أخيرا، اجتماع البرلمانات الفرنكوفونية، والمجالس الاستشارية لدول اتحاد المغرب العربي.

في الواقع، يمكن القول إن كل المنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية عقدت قممها في المغرب.

واختير المغرب عضوا في اللجنة التحضيرية لاجتماع رؤساء البرلمانات في العالم، مرتين في نيويورك.

المغرب يتوفر على إشعاع مؤكد ونسعى إلى توظيف كل هذه الجوانب الإيجابية في خدمة البلد.

٭ لا يفصلنا عن الدخول البرلماني الجديد سوى بضعة أيام، ما هي انتظاراتكم وما هو الجديد بالنسبة إلى هذا الدخول؟

ـ الناس بصفة عامة، والصحافة بصفة خاصة تتطلع، دائما إلى معرفة الجديد، وإلى الإثارة، لكن الحياة البرلمانية العادية والمنتجة لا تحمل معها المفاجآت ولا الإثارة.

الدخول التشريعي يكون عاديا، وأنا أستغرب دائما، ليس بالذات في ما يتعلق بهذه السنة التي يسود فيها، نسبيا، بعض الهدوء من هذه الزاوية، بل أتحدث عما مضى من السنوات، إذ كنا دائما نقرأ أن الدخول البرلماني "سيكون ساخنا"، وأنه سيعرف مواجهات ومجابهات بين الأحزاب والأشخاص وبين التيارات وما بين الأغلبية والمعارضة، وأن النصوص التشريعية ستكون مثار جدل ساخن وأنها ستطرح مشاكل، فالناس تنتظر "الفرجة"
لكن كل هذا لم يحصل، فنحن في السنة الخامسة من الولاية التشريعية، والأمور تسير بوتيرتها المناسبة والعادية.

٭ لكن ما يميز هذه السنة هي كونها آخر سنة في الولاية التشريعية الحالية؟

ـ البرلمان مؤسسة للتفكير وللتشريع ولمراقبة العمل الحكومي، وهذا يستلزم أن تمر الأمور في أجواء تطبعها الجدية.

وكون هذه السنة هي الأخيرة بالنسبة إلى الولاية الحالية، فأنا أؤكد أنه لا فرق بين السنة الأخيرة والسنة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة.

البرلمان مطالب بالعمل حتى آخر يوم من الفترة التشريعية بالحماس نفسه وبالجدية ذاتها، حفاظا أولا، على استمرارية العمل واستمرارية المؤسسات، حتى لو حصل التغيير، وهو ما أعتبره شيئا طبيعيا، فالتغيير يمس الأشخاص ولا يمس الاختصاصات والوظائف المنوطة بالمؤسسة التشريعية.

البرلمان يواصل مزاولة اختصاصاته ومهامه، بغض النظر عن التغيير الذي تحمله الانتخابات
فعلا، النواب والهيئات السياسية تكون في السنة التشريعية الأخيرة مهتمة بشكل أكثر بالانتخابات، وهذا شيء طبيعي، ثم إنه في بداية السنة الأولى من الفترة التشريعية يكون عدد النواب الجدد كبيرا ويلزمهم فترة معينة ليتكيفوا مع الأجواء داخل البرلمان، ولكن العمل يتواصل بعد ذلك بشكل عاد.

في ما يخص السنة التشريعية الحالية، لا شك أن هاجس الانتخابات وتجديد الغرفة الأولى سيكون حاضرا، غير أن ذلك لا يمنع من أن نواصل عملنا بكل جدية وحماس وعلى أحسن وجه، وهذا ما وقع خلال الفترات التشريعية السابقة.

من الممكن أن يكثف النواب حضورهم في دوائرهم الانتخابية خلال الفترة الحالية، وهذا بديهي في كل الفترات التي تسبق الانتخابات التشريعية، ولكن من ناحية العمل التشريعي ومراقبة العمل الحكومي، فإن الأمور تسير بوتيرتها المعهودة، فالنصوص المعروضة على البرلمان تناقش وتقع المصادقة عليها في اللجان وفي الجلسات العامة، الشيء نفسه بالنسبة إلى مراقبة العمل الحكومي من خلال الأسئلة الشفوية والكتابية، إذ نجد أن هناك استمرارية في هذا العمل.

في الإطار نفسه، ومن حيث إمكانية تراكم النصوص التشريعية، ليس هناك مشكل من هذه الناحية.

فلم يحدث، سواء خلال هذه الفترة التشريعية أو في الفترة السابقة، أن بقي نص قانوني لم يخضع للمناقشة ولم يصوت عليه.

٭ ما هي النصوص التشريعية الأساسية التي تتوقعون أن يصوت عليها البرلمان خلال الدورة الحالية؟

ـ لدينا نصوص محالة على اللجان وهي قيد الدرس وعددها عشرة نصوص، منها نصوص وردت على الغرفة خلال الصيف ونصوص أخرى وردت من مجلس المستشارين، على سبيل المثال هناك نص يتعلق بشركات المساهمة، وهناك مشروع القانون المتعلق بالسكنى والتعمير الذي استغرقت مناقشته مدة طويلة، وهناك نصوص وردت حديثا وهي المتعلقة بمدونة الانتخابات، والمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية، والنص المتعلق بالتبادل التكنولوجي للمعطيات القانونية، وهناك مشروع القانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال، ونص يتعلق بهيئة أطباء الأسنان الوطنية، ومشروع القانون المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيها، واتفاق شراكة في مجال الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن دورة أكتوبر ستعرف إحالة مشروع القانون المالي، الذي ستستغرق مناقشته والتصويت عليه حوالي شهر، أما مشروع القانون المتعلق بنمط الاقتراع، فقد مر بالمجلس الحكومي، ولكنه لم يعرض على المجلس الوزاري، وحينما سيعرض على المجلس الوزاري، فإنه سيحال على البرلمان، وسيناقش، وربما تمنح له الأسبقية .

٭ ألا تعتقدون أن النص المتعلق بنمط الاقتراع وشروط الترشح للانتخابات المقبلة سوف يخضع لتعديلات قبل أن يعرض على المجلس الوزاري؟

ـ أعتقد أنه إذا كان ثمة تعديلات، فإنه من المنطقي أن يحدث ذلك في البرلمان، فهذه هي مهمة المؤسسة التشريعية.

لقد أثار هذا النص نقاشا استمر لفترة.

هذا النص يعد ثمرة نقاش واتفاق بين الأغلبية والحكومة، وأعتقد أن مناقشة هذا النص أمر مشروع داخل المؤسسة التشريعية، ويتعين أن يكون النقاش بين كل مكونات البرلمان، وبشكل أخص بين الأغلبية والمعارضة.

ويمكن على ضوء هذا النقاش أن تبرز عناصر جديدة وآنذاك من المفروض أن تدخل تعديلات أو تغييرات، وهذه هي الديمقراطية.

فالتعديل أو التغيير يكون نتيجة الحوار والإقناع، ومن الناحية الديمقراطية فهذه هي المنهجية السليمة.

٭ ما رأيكم في من يطالب بمراجعة اختصاصات الغرفة الثانية، وكذا في من يطالب بإلغائها؟

ـ أعتقد أن شريحة المطالبين بمراجعة اختصاصات الغرفة الثانية هي الأوسع عدديا
أرى أنه من الأفضل، في مرحلة أولى أن نحتفظ بالغرفة الثانية مع ضرورة مراجعة وظائفها .

وأود أن أعيد إلى الأذهان أن انعدام شعبية مجلس المستشارين يعود إلى أن المواطنين يلمسون وجود تكرار لعمل المجلسين، النواب والمستشارين، سواء على مستوى التشريع أو المراقبة.

ولكن إذا كانت الغرفة الثانية تتوفر على اختصاصات تتمايز عن اختصاصات الغرفة الأولى، بتركيزها على قضايا الجماعات المحلية والتنمية المحلية والجماعية، وعلى قضايا المؤسسات الاقتصادية، والتي تفتح المجال لنوع من الحوار بين أرباب العمل وبين ممثلي المأجورين، فسوف يظهر بأنها تتوفر على قوة اقتراحية وأنها تقوم بعمل لا تقوم به الغرفة الأولى التي يتركز عملها على الجانب السياسي والدبلوماسي والسياسة المالية.

هناك من يقول إنه إذا كنا نتوفر على المجلس الاجتماعي والاقتصادي فسنصبح أمام الإشكالية نفسها المتعلقة بالتكرار في الاختصاصات والوظائف، وسوف لن تكون هناك فائدة، وبالتالي فإما أن نتوفر على مؤسسة مجلس المستشارين أو على المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

هنا ينبغي الدفع في اتجاه الاختصاص والخروج من قوقعة العموميات والاهتمام بكل شيء دون أن نجني من وراء ذلك أي فائدة.

ينبغي أن تكون وظائف الغرفتين متباينة، وعلينا أن نناقش الحلول المقترحة في هذا المجال ونخرج منها بنتيجة.

٭ هل إلغاء الغرفة الثانية يُعتبر بالنسبة إليكم مطلبا غير مقبول؟

ـ الذين يطالبون بإلغاء مجلس المستشارين، كما سبق أن قلت، لا يرون أي تمييز بين الغرفتين، وبالتالي يقولون إن الغرفة الثانية لا تحمل أي قيمة مضافة، ويأخذون بعين الاعتبار التكاليف وعدم الإنتاجية والكيفية التي يقع بها انتخاب أعضاء هذه الغرفة
لكن أرى بأن الغرفة لو كانت تُنتخب بكيفية نزيهة، ولو كانت اختصاصاتها تضمن عطاءً إضافيا ولو كانت التكاليف معقولة وتضمن المردودية، فإن الناس سوف يقبلون بوجود مجلس المستشارين.

أما إذا ظلت الأمور على ما هي عليه اليوم فالظاهر أن عدد الرافضين لهذه الغرفة سوف يرتفع .

٭ وُجهت للمؤسسة التشريعية انتقادات عديدة تتعلق خاصة بظاهرة غياب البرلمانيين، ما رأيكم في هذه المسألة؟

ـ يمكن اعتبار الانتقادات التي تتعرض لها المؤسسة التشريعية معطى عالميا، لا يعرفه المغرب فحسب، بل تعرفه حتى الدول العريقة في الديمقراطية.

هناك شعور"معادي" للبرلمان في كل مكان تقريبا، لكن الدول الديمقراطية الأخرى لم تعرف انتشار هذا الشعور المضاد للبرلمان والذي يجعل من البرلمانيين أشخاصا لا يحظون بالشعبية، إلا بعد أن قضت قرونا من الحياة البرلمانية المرغوب فيها والمنشودة من طرف الجميع، في الوقت الذي ظهر فيه الشعور المضاد للمؤسسة التشريعية في المغرب ونحن في طور بناء أسس الحياة الديمقراطية الحقة .

لكن هناك أيضا ظروف داخلية للمغرب، وهي أن البرلمان في بلادنا تأسس في ظروف تميزت بالصراع بين الأحزاب والإدارة، وكانت الأحزاب دائما تتهم الإدارة بكونها تزور الانتخابات.

فمشكل التمثيلية، خلق منذ البداية خلافات عميقة، والمواطنون بطبيعة الحال عاشوا هذا الوضع، فكانوا يؤمنون بأن البرلمان لم يكن يحظى بتمثيلية صادقة ونزيهة، وأن الانتخابات كانت مزورة، وهذا ما أثر سلبا على صورة البرلمان.

وبخصوص مسألة تغيبات البرلمانيين، ولكي نعود إلى موضوع السؤال، لنطرح مسألة الأسباب التي تجعل البرلماني يتغيب باستمرار عن أشغال البرلمان، وهنا يمكن القول إن هذا الغياب يعكس ربما عدم وجود اهتمام لدى البرلماني بما يقع داخل القبة وإلى الملل الذي يحس به.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن البرلماني ليس شخصا محترفا للعمل البرلماني، ويساهم ويشارك في بناء نموذج ومشروع مجتمعي ويمتلك مشروعا يدافع عنه بحماس ويسعى إلى فرضه، ويدافع بقوة واقتناع عن خيارات معينة.

ونحن نتوفر في البرلمان المغربي على العشرات من هؤلاء النواب المتفانين والحاملين لمشروع مجتمعي والمتشبعين بالعمل البرلماني، ولكننا لا نتوفر على المئات منهم
لكن هناك بالمقابل برلمانيون غير مهتمين كثيرا بما يقع.

مسألة التغيبات ظاهرة تعرفها برلمانات في عدد من الدول الديمقراطية في أوروبا، ولكن البرلماني في الدول الأوروبية غالبا ما يجد نفسه أمام وضعية تفرض عليه الاختيار بين الحضور إلى البرلمان والتأثير في القرارات، وبين الحضور في دائرته الانتخابية ليضمن حظوظ انتخابه مرة أخرى.

وفي المغرب هناك من البرلمانيين من يهتم أكثر بدوائرهم الانتخابية لكي يكونوا قريبين من منتخبيهم، والمشكل يُطرح أيضا حينما يكون البرلماني نائبا ورئيس بلدية أو جماعة في الوقت ذاته.

لكن كما قلت، ظاهرة التغيبات ليست مقتصرة على البرلمان المغربي بل هي ظاهرة تعرفها حتى برلمانات الدول العريقة في الديمقراطية.

٭ هل أنتم راضون عن الأداء البرلماني؟

ـ لا يمكن تقديم جواب مطلق عن هذا السؤال، بل يتعين على الإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة النسبية .

القضية هي أنك تشتغل بالأدوات والوسائل المتوفرة، ولكن بصفة عامة يمكن القول إنه رغم النقص الحاصل (ظاهرة غياب البرلمانيين مثلا) فإنه من حسن الحظ أن البرلمان يتوفر على خبراء، ولو أنهم ليسوا كثر، إلا أنهم يشكلون النواة الصلبة في العمل التشريعي، فهم يواظبون على العمل ويسهرون على تقديم التعديلات ويخلقون دينامية في اللجان وفي الجلسات العامة، والنتيجة هي إيجابية في نهاية المطاف.

لست أدري ماذا تقصد بالأداء البرلماني ،هل تعني ربما أنه كان بالإمكان إخراج نصوص أحسن من النصوص التي خرجت إلى الوجود، لا أعتقد.

هناك نصوص جيدة تخرج إلى الوجود والنصوص قابلة للتغيير، وللحكومة خبراؤها
هناك جهود بين خبراء البرلمان والحكومة، ولهذا فإن النصوص التي تخرج تكون جيدة من حيث النوع.

أما في ما يتعلق بالجانب الكمي، فإن ذلك لا يعد مقياسا نقيس به أداء البرلمان، فالعبرة ليس بالعدد ولا بالكثرة.

النص ينبغي أن تكون له وظيفة وفي الواقع، فإن الحكومة هي التي تجد نفسها مدفوعة أكثر إلى المبادرة للتشريع، على اعتبار أن التشريع مرتبط بتنظيم قطاعات معينة أو خلق قطاعات أخرى.

فالسلطة التنفيذية هي التي تعرف أكثر من غيرها ما هي الحاجيات، وهي التي في حاجة إلى الأدوات التشريعية تمكنها من التشريع.

النواب مطالبون كذلك بالتشريع، لكن عادة ما تكون مقترحات النواب من أجل إدخال تعديلات في قوانين يظهر أنها تعاني من ثغرات أو اقتراح إصلاحات في مجالات محددة
هناك بلدان تشكو من كثرة النصوص مثل فرنسا ولكن مدة حياة النص في مثل هذه البلدان قصيرة قد لا تتعدى ثلاثة أشهر، بعد ذلك يقع الشروع في إدخال تعديلات أو تغييرات.

في هذه البلدان لديهم نصوص كثيرة تأتيهم من الاتحاد الأوروبي ومن البرلمان الأوروبي، بالإضافة إلى النصوص الوطنية.

الأمر مختلف عندنا، وأعتقد أن النصوص التي تحظى بالمصادقة عندنا في البرلمان تعتبر كافية، فمعدل النصوص المصادق عليها هي عشرون نصا في كل دورة، وألاحظ أن هذا هو المعدل في برلمانات بلدان حوض المتوسط، بل وحتى بالنسبة إلى البرلمانات الأخرى
الأهم هو نوعية النصوص وليس العدد.

وبالنسبة إلى المراقبة، فلابد من الإشارة إلى أن هناك ضغطا كبير في ما يتصل بعدد الأسئلة الكتابية والشفوية، هناك عدد كبير من هذه الأسئلة، ولابد، في الواقع من اختيار المواضيع والمحاور الأساسية .

مثلا بالنسبة إلى الأسئلة الشفوية، فنحن لسنا راضين عن كيفية طرحها كنا نتطلع إلى أن تكون مراقبة العمل الحكومي (طرح الأسئلة) نابعة من الفرق وليس من طرف أشخاص (نواب) فالمراقبة لا يمكن أن تكون من طرف أشخاص،ولكن المجلس الدستوري لما أدرجنا هذا في القانون الداخلي رفض هذا، على اعتبار أن الدستور، في ما يخص طرح الأسئلة، يتحدث عن النواب وليس الفرق.

لقد خلق طرح الأسئلة بالشكل الذي نعاينه اليوم روتينا مملا خلقنا مفهوم السؤال الذي تتلوه مناقشة، وخلقنا مفهوم السؤال المحوري وخلقنا الفرْق بين السؤال العادي والسؤال الآني.

ولكن، رغم كل شيء، فإنه من المؤكد أن المؤسسة تشتغل بكيفية جادة ومعقولة وتتوفر على المردودية والعطاء وتلعب دورا أساسيا في مجال الإنتاج التشريعي والديبلوماسي
وأرى أن الصورة السلبية التي يحاول البعض إلصاقها بالبرلمان لا تتناسب مع واقع المؤسسة، ولا تعكس الحقيقة.

إنها صورة تعكس أحكاما معممة ومطلقة.




تابعونا على فيسبوك