أكروش الخادمات والفتيات المخدوعات يؤدين الثمن أكثر فيما المومسات لديهن قدرة على مواجهة مصيرهن
أتألم كثيرا حين أشاهد الظلم بأم عيني، وأتعاطف مع كل من أجده عاجزا عن المقاومة وحماية نفسه بنفسه
٭ ماذا يعني لك اسم ماري جان تانتيريي؟
ـ ماري ـ جان تانتيريي امرأة يصعب أن يجود التاريخ بمثلها، إذ اجتمع فيها ما تفرق على الكثيرات والكثيرين، كانت بالنسبة إلي الأخت والمساعدة والأم، فهذه المرأة المناضلة، أو توأم روحي إن صح القول، وجدت فيها كل ما يجب أن يتصف به الإنسان من نكران الذات وغنى النفس، كانت من المساهمات في تأسيس جمعية التضامن النسوي، وكانت تبذل كل ما في طاقتها لخدمة أهداف التضامن النسوي دون أن تكون لها الرغبة في المكافأة، إلى درجة أن أثاث بيتها يشهد على تواضع نادر، وأثناء زياراتها لأهلها في فرنسا، كانت تختار الباخرة أو القطار وسيلة للسفر، من أجل أن توفر المال للعمل الخيري، وأستحضر أنها بعد عزمها مغادرة المغرب في اتجاه بلدها الأصلي، الذي توفيت به عام 1999، بعد مرض عضال، أهدت سيارتها إلى جمعية بمدينة آسفي تعنى بالأشخاص الصم والبكم، كما أنها منحتني أغلى ما كانت تملكه وهو »مزهرية للورود«
٭ ما هي الشهادات، التي قيلت في حقك، وكان لها تأثير بالغ على نفسيتك ومستقبل عملك ككل؟
ـ كلمة جلالة الملك محمد السادس، أثناء توشيحي بميدالية شرفية لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، كلمة كانت غنية بكل معاني التنويه والافتخار والاعتزاز
يأتي بعدها، على المستوى الدولي، كلمة المدير العام لشركة الطيران الألمانية لوفتهانزا، كريستيا سيندلر، الذي قال بمناسبة منحي جائزة إيليزابيت نورغان عام 2005 من نادي النساء العالمي بفرانكفورت، إن هذه الجائزة الشرفية منذ 1978 تكافئ النساء الألمانيات والأجنبيات النشيطات والعازمات على حل المشاكل، التي تواجه النساء والأطفال، وأضاف أنه يستغل المناسبة ليهنئ عائشة الشنا ويشكرها على مثابرتها وجهودها المبذولة في الدفاع عن قضايا الأمهات العازبات في المغرب، وأشير في هذا الصدد إلى أن شركة الطيران الألمانية المذكورة تكلفت بمصاريف السفر وتخصيص استقبال ودي بمطار محمد الخامس، وفي سنة 2000، قال رولاند، سفير ألمانيا بالمغرب، حين حصلت على جائزة شرفية، إن هذا التتويج يأتي عن جدارة واستحقاق، وأنه »بفضل التزاماتها استطاعت عائشة الشنا أن تفتح جدلا كبيرا في المجتمع المغربي حول وضعية الأطفال غير الشرعيين، والذي أدى إلى نتائج إيجابية ملموسة، خصوصا من الناحية القانونية«، وأضاف أن »مكافأة الشنا هو دليل على تقدم وتسامح المجتمع المغربي«، فكل هذه الشهادات، وغيرها من التي يضيق المجال لذكرها، أعتز بها كثيرا، وخلفت في نفسيتي أثرا إيجابيا
٭ بعد هذه الاعترافات المحلية والدولية، كيف تتعاملين مع الشهرة؟
ـ أعتبر الشهرة حملا ثقيلا على كتفي ومسؤولية إضافية إلى جانب التزامات العمل، لأن سلبياتها تظل أكثر من إيجابياتها، بفعل التقلص، الذي يطرأ على حرية التصرف والتنقل، هذا ناهيك عن الإشاعات، التي لا تكاد تتوقف وبدون سبب
وبكل أسف، فمن ليست لديه القدرة أو الرغبة في التأكد، من الجائز أن يصدق
٭ أي الإشاعات عكرت صفو حياتك؟
ـ لا توجد ولله الحمد، لأنني أعرف كيف أتعامل معها، ثم إن الإشاعات، التي تحدثت عنها هي من قبيل أنني ابنة صهر رجل سابق في الجيش كان أيام عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ثم إنه قيل إنني والدة أحد الوزراء الحاليين، وقس على ذلك
٭ ما هي أهم خلاصة استنتجتها عائشة الشنا بعد 47 سنة من التجربة؟
ـ ثبت لي في هذه المدة أن أول من يقعن في إشكال الحمل، ويعانين من تبعاته هن الفتيات المخدوعات، على اعتبار أن الباغيات لديهن من الإمكانيات ما يجعلهن قادرات على مواجهة مصيرهن، لكن عندما يتعلق الأمر بخادمة أو مغرربها، بالكلام المعسول ووعود بالزواج، فالأمر يختلف
وهنا يتجلى دورنا في محاولة تدارك ما يمكن تداركه سواء بالنسبة إلى مستقبل المرأة أو الطفل
٭ هذا بعد وقوع "الفاس في الراس"، كما يقال، لكن ماذا تفعلين لأجل التصدي لهذه الظاهرة في مهدها؟
ـ لجمعية التضامن النسوي برنامج مهم لتحسيس الشباب بخطورة بعض السلوكات البعيدة عن مبادئنا وعاداتنا، كما أننا نقوم بزيارات للمدارس والجامعات، زد على هذا أنني لا أترك فرصة تمر في أي مناسبة دون دق ناقوس الخطر، والدعوة إلى الوقاية
وعلى صعيد المنظمات الدولية، أطالب دائما بالتنمية الاقتصادية، التي أعتبرها الأساس لاجتناب العديد من المزالق، التي يقع في محاذرها الشباب بالخصوص
٭ ما هي الترتيبات والمساطر، التي تتبعونها قبل الاستقبال الرسمي للفتاة بمقر الجمعية؟
ـ نشترط على أي ملتحقة جديدة توقيع عقد شرف تتعهد فيه بعزمها على عدم الوقوع مرة أخرى في الخطأ بعد اطلاعها طبعا على القرارات الزجرية، التي تتخذها الجمعية في حالة الإخلال ببنود العقد
لكن على العموم، القاعدة في توقعاتنا هي ترقب الأفضل، لذلك لانتردد في محاولة الاتصال بأب الطفل وإقناعه بإصلاح ما أفسد، عن طريق الاعتراف أولا بابنه، وتسجيله بدفتر الحالة المدنية، ثم في خطوة ثانية لم شمل تلك الأسرة في بيت واحد إرضاء لكبريائه كرجل، وتلبية لأنبل شيء تتغياه المرأة في حياتها، وكذلك صيانة وإنقاذا لطفل لا دخل له في مصيره
٭ جميل أن تنتهي جميع الحالات على هذا النحو، إنما للأسف الواقع لا يخلو من استثناءات، خصوصا وأنك تحدثت عن الجزاءات الزجرية وما يأتي من قبيلها
ـ يقول مثلنا المغربي شوية من الحنة وشوية من رطوبة اليد، صحيح أن مجهوداتنا منكبة بالمطلق لأجل إنقاذ الفتاة من تجربتها المؤلمة بأقل الخسائر، لكن على هذه الضحية أيضا مسؤوليات، ونحتاج منها إلى مساحات واسعة من الانضباط، حتى تلتقي معنا في الطريق المؤدي إلى هدف الجمعية، وبطبيعة الحال فإن أي نظام يحتاج إلى قانون، وهذا الأخير لا يمكن تفعيله دون تضمينه جزاءات عقابية، لذلك نحرص، في اللقاء الأول مع الأم العازبة، على إخبارها بكل صغيرة وكبيرة من المفترض أن تلتزم بها، كما نطلعها على مختلف الإجراءات، التي نتخذها في مقابل ذلك، وفي مقدمتها توجيه الإنذار حالة ظهور سلوك غير مرغوب فيه، قبل أن يتحول هذا الإنذار إلى مجلس تأديبي عند تمادي المرأة في سلوكها، ليبقى الحل الأخير أمام تعذر جميع السبل هو الطرد النهائي
٭ ما هي أهم المحطات، التي رفضت الانسلاخ من ذاكرتك، وأحسست فعلا أنك قمت من خلالها بعمل بطولي؟
ـ أعتبر العمل التضامني إجمالا بطوليا بصرف النظر عن طبيعته، لكن أهم موقف أتذكره هو حين علمت من طرف بعض الأطفال أن أشخاصا مجهولين يدفنون رأس رجل، وكنت حينها أشتغل ممرضة، وبالضبط سنة 1964، وبالفعل، وبعد اتصالات تليفونية، أبلغت السلطات بالأمر، وحضرت الشرطة إلى عين المكان، قبل أن تدلها تحرياتها في ما بعد على المجرمين وتعتقلهم، كانت هذه الحادثة غير عادية في مسيرتي العملية، وخلفت لدي إحساسا بثقتي في النفس، وامتلاكي لقرارات تنتظر فقط الفرصة للظهور
كما أنني لا أستطيع نسيان مواقف حدثت لي حين كنت في جمعية التخطيط العائلي سنة 1973، إذ بلغتنا حالة فتاة حملت سفاحا، وتخلى عنها الجميع، فيما طلبت أمها منها إجهاض الجنين كشرط لإعادتها إلى البيت، علما أن الأب لا يدري أي شيء عما حدث، وأمام هذه الحالة، التي كانت فريدة على اختصاص الجمعية، التي ليس لديها برنامج يختص في مشاكل من هذا القبيل، لذلك كان علينا أن نجتهد، وخلصنا إلى أهمية أن نؤوي تلك الفتاة عند إحدى المساعدات الاجتماعيات، وتحملنا مشاكل جمة مع والدتها، التي كانت خائفة بدورها من ردة فعل الزوج، لكن بعد جهد جهيد استطعنا إقناع الأب بالأمر الحاصل، وأخبرنا الشاب أن الحل الأنسب ليتفادى غضب والد الفتاة »الريفي« هو الزواج منها، فكانت النتيجة أن احتفظت البنت بوليدها في أحشائها، وعقدت قرانها بذلك الشاب، وهذه المشكلة، كانت تبدو في بداية الأمر بدون حل
٭ ماذا عن عائشة الشنا المرأة والإنسان؟
ـ عائشة الشنا كجميع بني البشر، لديها سلبيات كما تتمتع بإيجابيات، وحتى لا أدخل في دوامة التصنيف أقول إنني أتألم كثيرا حين أشاهد الظلم بأم عيني، إذ أشعر بإحساس المظلوم نفسه، سواء كان إنسانا أو حتى مجرد حيوان، لأنني أتعاطف مع كل من أجده عاجزا عن المقاومة وحماية نفسه بنفسه، كما أنني عفوية كثيرا، وربما هذا الطبع يقلقني في بعض الأحيان، خصوصا حين أجد تلك العفوية في غير محلها، وبأنني أصدم بسببها في تعاملي بها مع أناس غير جديرين بقيمتها، أضف إلى هذا أنني هادئة جدا، لكن تأتي لحظات أنفجر فيها بسبب الضغط، وإن كانت لحظات التوتر محدودة بصفة عامة، وفي الأخير أحب أن أؤكد أنني أفضل كثيرا أن ترتكب أخطاء في حقي وحق أبنائي بدل أن أرتكب أنا أخطاء في حق الغير، وهذا ما يجعلني دائما حريصة على مراجعة قراراتي ألف مرة قبل تنفيذها
٭ ما هي أهم مفارقة تلمسينها في شخصيتك؟
ـ باختصار شديد، أصبحت أشعر في الفترة الأخيرة بكوني أميل إلى الانزواء رغم ما قضيته من عقود في العمل الجمعوي، فهذه أهم مفارقة من الممكن أن أحددها بالملموس، إلى درجة أن رنين الهاتف أصبح يزعجني، وقد يكون السبب أن طباع الناس تغيرت، وأصبح السائل لا يسأل لوجه الله، وإنما للبحث عن غاية أو خدمة معينة
٭ ما هي أهم الطرائف، التي صادفتك في خضم عملك الجمعوي؟
ـ أذكر حادثة وقعت أثناء سفري إلى كندا للاستفادة من دورة تدريبية هناك، وبعد 11 ساعة من الطيران، وصلنا متعبين كثيرا، ولا نريد سوى الخلود إلى النوم، وقتها وبعد أن وجدنا أن غرفنا المخصصة لنا كانت بإحدى الجامعات، جاءت سيدة كندية لتدعونا إلى تناول وجبة العشاء، فاعتذرنا بدعوى التعب، لكن بعد أن مضى نصف الليل تقريبا، شعرنا بجوع شديد، فقصدنا المطبخ بصفة تلقائية، وبالفعل وجدنا في الثلاجات جميع أنواع الأكل، ولم نتردد في التهام ما وجدناه جاهزا، قبل أن نعود إلى غرفنا، وفي الصباح حاولنا إعادة الكرة لتناول الفطور بالمطبخ ذاته، فوجدنا أحد الطلبة يخبرنا بأن ما نود تناوله هو للطلبة القاطنين بالجامعة، وكل وجبة هي باسم طالب معين، لندرك بعد فوات الأوان أن وجبات العشاء، التي تناولناها في الليلة السابقة هي لطلبة، وليست معروضة ليأكلها من شعر فجأة بالجوعا