التوشيح الذي شرفني به صاحب الجلالة الملك محمد السادس هو أسمى تكريم لعملي التضامني تعقد المشاكل زعزعني أحيانا بفكرة الانسحاب لكن شيئا بداخلي كان يرفض ويدفعني إلى الصمود هاجسنا الأول كان هو ترميم نفسية الأم الضحية والوقوف ضد كل ما من شأنه أن يحرمها من طفلها
٭ كيف واجهت عائق الحصول على مصادر تمويلية لمشروعك؟
ـ كانت المسألة شاقة كثيرا، خصوصا أن الأمر كان يحتاج إلى إبداء حجج مقنعة لكل من نتطلع إليه ليقدم لنا الدعم والمساعدة، وأعترف أن تعقد وتعدد المشاكل، التي واجهتنا، كانت تزعزعني أحيانا بفكرة التخلي والانسحاب، لكن شيئا ما بداخلي كان يرفض، ويدفعني إلى الصمود، وعدم رفع الراية البيضاء، ويقويني لمواصلة العمل بكثير من الأمل والإيمان
فتلك الشريحة من المجتمع لا ذنب لها، ومن حقها الشعور بالكرامة وعزة النفس، والله لم يخيب آمالها في جعلنا سببا حتى نخفف عنها معاناتها ونشاركها مآسيها وتبلغ ما تطمح إليه
٭ ما هي الجهات، التي أعانتكم في بداية الطريق؟
ـ جهات متعددة، منها المحسنون، ومنها رجال ونساء الحكومة، ومنها كذلك الجمعيات والمنظمات الدولية الناشطة في هذا المجال
٭ ما هو الهدف الأساسي، الذي بنيتم عليه مجهوداتكم في الجمعية؟
ـ كان الهاجس الأول، الذي يشغلنا في البداية هو العمل على كيفية ترميم نفسية الأم الضحية بتمكينها من ظروف تلائم وضعها الحرج، وفي الوقت نفسه الوقوف ضد كل ما من شأنه أن يحرم هذه الأم من طفلها، مهما كانت الأسباب أو المبررات
وعلى هذا الأساس جاءت فكرة إنشاء أول مشروع، الذي كان عبارة عن مطعم كنا نقدم فيه الوجبة الغذائية بثمن رمزي، هو 6 دراهم، وبعد أن اشتهر المطعم، وعرفت غايته لدى الناس، نتيجة الحملات الإعلامية، التي نظمناها لهذه الغاية، جاء استقبالنا من طرف عامل الدار البيضاء عام 1985، وكان هذا الحدث بمثابة اعتراف رسمي بالجمعية، إذ حضرت لتغطيته مختلف وسائل الإعلام، الأمر الذي فتح لنا الباب أمام شهرة أوسع بلغت الممولين والمنظمات الوطنية، وأيضا الدولية كالأمم المتحدة، كما أن العديد من شركات التأمين أبدت استعدادها لمساعدتنا
٭ على ماذا كان تركيزكم في بداية الأمر في التعامل مع الوافدات على الجمعية؟
ـ كان أول شيء لاحظناه في بداية اشتغالنا هو الواقع المزري، الذي أتت منه الأم العازبة، بحيث تبين لنا، وإن كانت تختلف الظروف، التي أدت بكل واحدة منهن إلى الوقوع في مشكل الحمل، أن القاسم الذي كان يوحد بينهن، هو الظروف الصعبة، التي يعشنها
لهذا كان يتحتم علينا محاولة إعادة هذا التوازن، وإقناع الوافدات بأن الظرف الصعب يجب أن يقاوم بعزة النفس والكرامة، وبأنه لا يوجد هدف في الحياة مطلقا يستحق أن يؤدى الشرف كمقابل له، مع اعتبار أن أي خسارة في المال من الممكن أن تعوض، إنما خسارة الشرف، فلا أمل في تداركها
٭ هل يمكن القول إنه مع تخطي عائق إيجاد المقر، جرى تجاوز أكثر من نصف المشكل؟
ـ مسألة المقر كما لا يخفى على أحد تعتبر أولى الأولويات في أي مشروع، وبتجاوزنا لهذا العائق تيسرت لنا بالتأكيد العديد من الأمور، لكن لا يجب إغفال ما يحتاجه المقر، بعد الحصول عليه، من كثير من المتطلبات، إذ كان في حاجة إلى ترميم، ومده بقنوات الواد الحار، وما إلى ذلك من ضروريات التجهيز، وهذا بطبيعة الحال يتطلب مصاريف
وفي هذا الصدد، أريد أن أفتح قوسا لأنوه بالمساعدات، التي قدمتها لنا آنذاك الجماعات المحلية، ووضعها لآلياتها تحت تصرفنا، هذا بالإضافة إلى المساطر الإدارية، التي كانت تبسط لأجلنا، استنادا إلى أعمالنا الخيرية البعيدة عن أي غاية للربح المادي
٭ بعيدا عن مشاكل المقر والتمويل، ما هي الإشكالات الأخرى، التي واجهتكم؟
ـ رغم تعدد المشاكل، إلا أن العامل المادي غالبا ما يكون القاسم المشترك بينها، وأطرح على سبيل المثال مسألة المربيات المتخصصات، إذ وجدنا مشكلا كبيرا في إيجاد من يؤدي رواتبهن الشهرية، وكذا مراقب الحسابات لولا تفضله بتقديم خدماته مجانا كمتطوع، لكن بمجرد أن تحقق مشروع الأكشاك، الذي كان من اقتراح عامل مدينة الدار البيضاء، اكتسبنا المزيد من الثقة في تلبية حاجيات الجمعية، التي صار لها روض مجهز
٭ وماذا عن دور المنظمات الدولية في دعم مجهوداتكم التضامنية؟
ـ كان للمنظمات الدولية وما زال دور كبير في دعم أنشطتنا، وحتى لا أحرق المراحل، أذكر أنه، منذ سنين خلت، حين صادفنا مشكل الواد الحار في مقر جمعية التضامن النسوي، ومررنا بفترة فراغ مالي، طلبت من إحدى المنظمات الإسبانية مد يد المساعدة لنا من أجل الحصول على مقر جديد، وبالفعل استجابت المنظمة على الفور، واستطعنا بتمويلها شراء فيلا بمبلغ 280 مليون سنتيم، ناهيك عن مصاريف تجهيزها، التي بلغت 300 مليون سنتيم
٭ لا أحد يجادل في كون حالات الاغتصاب والتغرير لا تخص مجتمعا دون آخر، لكن هل لجمعيتكم أسلوب مغربي خاص لحلها تكيفا مع ظروفنا؟
- هذه نقطة مهمة في استراتيجية عملنا، وأرجو أن أكون موفقة في اختيار نموذج من الممكن أن يعفينا من المزيد من الشرح، فقبل سنوات كنت في سويسرا، وسط أجواء لا تمت بصلة لأي خصوصية مغربية بمواصفاتنا المحلية، لكنها أقنعتني بأهمية وحيوية هذا العمل، فضلا عن إيماني بالذاكرة المغربية الشعبية، التي كانت ولا تزال، وإن بشكل أخف، تعتبر الحمام الملاذ، الذي تلجأ إليه النساء لمناقشة مشاكلهن، والحديث عن المواضيع المسكوت عنها، أو التي يجدن صعوبة في إثارتها خارج هذا الفضاء، ومن هذا الباب، فإنني أحاول قدر الإمكان البحث عن حلول بصبغة مغربية، بصرف النظر عن طبيعة المشكل
٭ وماذا عن هذه الفكرة، التي ولدت في سويسرا ببذور مغربية؟
ـ كان النداء الأول، عبر برنامج لقاء في القناة الثانية عام 1998، التمست خلاله من الجميع مد يد العون والمساهمة حسب الاستطاعة في خلق مشاريع تنموية تعود بالفائدة العامة، ومن حسن الصدف أن ندائي صادف الأسبوع الثاني للتضامن، فكان من ثمراته أن تسلمنا في العام الموالي شيكا بملغ 500 ألف درهم، ثم بدأت الفكرة تتجسد على أرض الواقع، فاشترينا قطعة أرضية بمساعدة منظمات أخرى بلغت مساحتها 599 مترا مربعا
٭ هل كان مبلغ هذا الشيك كافيا لتلبية جميع متطلبات المشروع خصوصا أنك كنت تسعين باستمرار إلى توسيعه؟ ـ بطبيعة الحال لم يكن المبلغ كافيا، إذ احتجنا حينها إلى مبلغ 700 ألف درهم من أجل إنشاء طابق تحت أرضي، وهذا ما دفعني إلى طرق أبواب أخرى، فكانت التلبية من طرف محسن، جزاه الله خيرا، وإن كان المبلغ بسيطا، ثم سفير إيرلندا، الذي لم يذخر جهدا من أجل تمكيننا من مبلغ 650 ألف درهم، فضلا عن الهبة الملكية، التي كانت على دفعتين، الأولى بقيمة 200 ألف درهم، والثانية بقيمة 500 ألف درهم، مما دفعني إلى التفكير مجددا في إنجاز قاعة للرياضة وجاكوزي وصالون للحلاقة والتجميل، وبعد افتتاح المشروع في 6 أكتوبر 2004، توصلت بهبة ملكية إضافية بلغت 100 مليون سنتيم، أتممت بها أدق تفاصيل المشروع
٭ ماذا يمكن أن تقول لنا عائشة الشنا عن علاقتها بالإعلام؟
ـ علاقتي بالإعلام علاقة طيبة جدا، ولن أنسى أبدا المواقف الحاسمة والجريئة، التي عبرت عنها الصحافة في مساندتي ردا على الفتاوى الظلامية، التي تسلطت علي في وقت من الأوقات، أضف إلى ذلك أنني استدعيت للمشاركة في العديد من البرامج، سواء بقناتينا، أو بقنوات فضائية عربية، كما هو الحال بالنسبة إلى قناة الجزيرة وقناة سويسرية ناطقة باللغة الفرنسية
وكنت دائما وما زلت أحظى بالاحترام والتقدير من طرف جميع الإعلاميين، حتى أنه جرى اختياري بصفتي امرأة مسلمة سنة 2004 لتسجيل برنامج وثائقي رفقة سيدتين من ماليزيا وتركيا، تحدثنا فيه بكل حرية عن مواضيع حساسة، ومررنا خطابات كثيرة للمجتمعات من أجل حماية الطفولة، وقضايا المرأة المعنفة، وبكل صراحة فإنني أعمل كل ما في جهدي لأنتزع من برنامج عملي موعدا إذا ما طلبه صحافي أو طالب، على اعتبار أن هذين العنصرين في نظري لهما قدرة على تبليغ رسائل التحسيس والتوعية، إذ الصحافي لا يقتصر دوره على نشر المقال الإخباري، حسب ما أعتقد، وإنما تخطيه لبلوغ أهداف تربوية، والأمر نفسه ينطبق على الطالب، الذي يكفي أن يحمل رسالة هادفة إلى أهله، حتى يكون قام بدور مهم في هذا الاتجاه
٭ يعني أن قلة الوعي تساهم في تفشي بعض السلوكات غير السوية؟
ـ بدون شك، وإلا بماذا نفسر قصة أمينة/ لطيفة، التي أوردت حيثياتها في كتاب »ميزيريا«، والتي كاد الأقارب فيها أن يلقوا بامرأة شابة في تهلكة قاتلة
إن ضعف وعي هذه المرأة دفع بها إلى مآل نعمل من أجل مواجهته وتفاديه
٭ أكيد أن القارئ يود بدوره الاطلاع على هذه القصة؟
ـ كانت هذه المرأة الشابة تبلغ 15 سنة من عمرها حين وجدتها بأحد المستشفيات الصغيرة بمدينة الدار البيضاء، وحين سألتها عن اسمها قالت ، وهي في حالة هستيريا، وتتوعد كل من يريد الاقتراب منها بالقتل، والسبب هو حث البعض لها على التخلي عن طفلتها الحديثة الولادة، ساعتها حاولت طمأنتها بأن ليس في مقدور أي كان أن يحرمها من وليدها
فجأة لاحظت وجود امرأتين بجوار سريرها، فقالت إحداهن إنهما وجداها في الشارع، وعلامات الوضع بادية عليها، فقامتا بمساعدتها حتى وصلت إلى المستشفى، أي أنهما فاعلتا خير ليس إلا، بيد أنه تبين في ما بعد أنهما شقيقتاها، لكن كذبتا من أجل أمر في نفس يعقوب، حملت الفتاة معي إلى الحضانة في انتظار إيجاد حل نهائي لوضعيتها، وهناك استعادت بعض الثقة، وعادت المرأتان اللتان كانتا في المستشفى لزيارتها محملتين بالملابس والفواكه، واستمرتا في نكران أي صلة بأمينة
في أحد الأيام دخلت أمينة في خصام مع واحدة منهما، وهددتها بصب الزيت الساخن على وجهها، الأمر الذي اضطرنا إلى اتخاذ قرار مغادرتها للحضانة، مخافة تنفيذ تهديدها ساعة غضبها، فحاولنا أن نعرف منها عنوان أهلها، لكنها رفضت قبل أن تمنحنا عنوانا وهميا، بذلنا لأجل إيجاده جهدا ضائعا، وحين العودة، هددتها بإبلاغ الشرطة، فوافقت في الأخير على إعطائنا العنوان الصحيح، بل الأكثر أنها رافقتنا إلى هناك دون أن تتخلى عن عادة الكذب، بحيث قدمت لنا والدها على أساس أنه عمها، إلى درجة تفاجأ أبوها مما تقوله، وقال لنا مستغربا »أنا والدها ولست عمها، ثم من هذه، التي تنادونها بأمينة، فاسمها الحقيقي لطيفة، كما أننا نعلم أن ابن الجيران هو من تسبب في حملها، وقد وضعنا شكاية لدى السلطات بهذا الخصوص"
بعد التأكد من صحة أقوال الأب، سلمناه ما لدينا من وثائق، لنجد أنفسنا في مواجهة مشكلة تسجيلها في المستشفى باسم أمينة، وبالتالي فإن الطبيب لا يمكنه أن يعطينا شهادة أخرى باسم آخر، لكن بعد جهد جهيد، وقيام المقدم ببحث إجرائي، تجاوزنا هذا المشكل، وأثبتنا أن لطيفة هي أمينة، ولها طفلة، مما أتاح لنا الحصول على حالة مدنية
في ذلك الوقت، لم تصدق الأختان أننا زرنا والدهما واكتشفنا كذبهما، فكان رجاؤنا الأخير منهما هو أن تتكفل إحداهما باستقبال لطيفة في بيتها، وبعد أن وافقت الأخت المطلقة، انتهت بالنسبة إلينا القضية، لتفتح من جديد قضية اجتماعية أخرى، تهم المجتمع برمته، حين التقيت لطيفة بمركز المدينة، بعد مرور عدة شهور، وهي بلباس فاخر، وبعد السؤال، أجابتني أن لديها حسابا محترما في البنك، وشقة للسكن، كما أنها تستعد لشراء شقة أخرى من أجل استقبال الباحثين عن النزوات العابرة
٭ بالتأكيد أن خزانتك ملأى بالشهادات والأوسمة التقديرية، لكن ما هو التوشيح، الذي تعتبرينه مميزا من بينها؟
ـ صحيح أن الأوسمة، التي أفتخر بها كثيرة، إنما يظل التوشيح الذي شرفني به صاحب الجلالة الملك محمد السادس والذي كان عبارة عن ميدالية شرفية لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، أعتبره أسمى تكريم لي، بحيث أذكر أن اللحظة كانت مؤثرة للغاية، حين وجدت نفسي أمام جلالة الملك، وهو يخاطبني بكلمات كلها رضى، وبالفعل كانت جائزة أعتز بها كثيرا، كما أنني أفتخر بكل لقاء مثلت فيه بلدي، وتكلمت عبره باسم مجتمعي، وأود أن أشير كذلك إلى الشرف، الذي نلته بعد أن انضممت إلى الوفد الرسمي المرافق لصاحبة السمو الملكي الأميرة لالة مريم إلى نيويورك عام 2002، يضاف إلى هذا الجائزة الشرفية لاميري بفرنسا سنة 2000، وجائزة تروفاي من شباب الألفية الثالثة سنة 2001، وبعدها بأربع سنوات حصلت على تروفاي التضامن بالمغرب، وجائزة خميسة بمراكش، وجائزة إليزابيث موركان بألمانيا