رغم أن البيان الصادر عن الهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى لم يذكره بالاسم، فإن المفتي المشرقي الذي أثار ردة الفعل هو يوسف القرضاوي والواقع أن ما جاء في البيان يقود إلى الدعوة لإعلان حرب لا هوادة فيها ضد التهافت على المفتين من كل حذب وصوب.
ما فجره القرضاوي دعوة إلى التذكير بالمثل المغربي القائل "كثرة المراود كتعمي العين".
ويبرز أيضا مخاطر ما ظل مسكوتا عنه في المغرب، لعدة أعوام، إذ برزت ظاهرة استقطاب المشايخ أو علماء الدين، من طرف هيآت لتحقيق أهداف غير واضحة، واللافت للانتباه أن هؤلاء المشايخ المستقطبين من أجل إلقاء محاضرات غالبا غالبا ما يزيغون عن الطريق، فتراهم عوض أن يقدموا دروسا علمية أو محاضرات ينزاحون إلى الافتاء، ضاربين عرض الحائط بالاختلاف المذهبي.
ولأن ما يهم من يستقطبونهم هو الحضور الجماهيري المكثف فإنهم لا يتدخلون ليردوهم إلى جادة الصواب.
حتى الآن لم يثبت أن أحدهم امتنع عن الإفتاء احتراما لمذهب البلد الذي يحل عليه ضيفا أو الهيأة المخول إليها القيام بذلك.
ولعل الفتوى الصادرة في أعقاب اجتماع هيأة الإفتاء، دعوة إلى تقنين استقطاب العلماء والوعاظ، إذ يلاحظ أن بعض الهيآت باتت تستغل الصمت المطبق حيال هذه القضية فغدت تستخدم عملية إحضارهم لأغراض لا تعلمها إلا هي.
وما حدث يفرض أيضا تنبيه المواطنين إلى أن طلب الفتوى سواء في إطار الندوات والمحاضرات المذكورة أو عبر القنوات الفضائية ربما يقود إلى ارتكاب أخطاء.
وكان من الممكن أن يتفادى القرضاوي ما حدث لو أنه وضع الكثير من الأمور في حسبانه، فضلا عن تفادي الإفتاء هنا وهناك والإكثار من الظهور لأن ذلك قد يقود إلى أخطاء فتكون مسؤوليتها جسيمة.
ولعل قياس المغرب ببلاد المهجر واحد من الأخطاء الذي كان من الممكن عدم الوقوع فيه، لو تأنى المفتي قبل الإجابة.
المثير للدهشة هو أن كل الذين يفتون في عصر الفضائيات لا يكلفون أنفسهم الاعتذار أو مطالبة السائل بمهلة، حلقة أو حلقتين، قبل الإجابة تفاديا للخطأ والخلط بين الأمور.
لا بد إذن أن نتخذ العبرة مما حدث وأن نتعامل بالصرامة المطلوبة مع ظاهرة استقطاب المفتين، وتأكيد ضرورة التزام المحاضر بحدود ما جاء من أجله، لأن كثرة الفتاوى هي التي جرت البلاء على الأمة الإسلامية، فصار كل فرد يرى نفسه قادرا على الإفتاء، وهذا ضرب من الجنون، ولعل هذا ما جعل أفرادا غير أكفاء لا يفتون فقط، بل يزيدون وبغير علم، والأمل أن يكون ما حدث أخيرا فاتحة عهد جديد للتعامل مع الفتاوى والمفتين.