لن يجد الباحث في المسار النضالي النسائي في المغرب، حرجا في تصنيف عائشة الشنا في هرم قائمة النساء المناضلات اللواتي أبدين، خلال مسيرة تناهز نصف قرن من العمل، قدرة جريئة على مواجهة مختلف الصعوبات والتحديات،
سواء تلك التي فرضتها طبيعة المجال، الذي اقتحمته، أو التي صدرت عن جهات، اعتبرتها الشنا، عدوة الإصلاح والتغيير
عائشة واجهت كل الضغوطات، وتحدت كل المثبطات، وصمدت وكابرت لتواصل المشوار، الذي ابتدأته في فترة كان من قبيل المستحيل الحديث فيها عن المرأة، فبالأحرى المطالبة بحق لها
واليوم، وعائشة ناهزت الخامسة والستين من عمرها، ليس في نيتها ولا عزمها التراجع أو الاستسلام أمام من ينتقدها، ما دامت مقتنعة حتى النخاع بأن لكل عمل كبير ثمنا غاليا، مستعدة دائما لدفعه بكل عطاء ونكران للذات
هي مستعدة للمزيد من التضحيات، وتسخير كل الإمكانيات، من أجل قضية مجتمعية، تعتبرها قضيتها الشخصية، قبل أن تكون قضية من يطرق باب جمعية التضامن النسوي، قضية جهاد لضمان أكبر قدر من الكرامة وعزة النفس، ولتوجيه سلوك فتيات وجدن أنفسهن فجأة أمهات عازبات، بعد أن كن في لحظة من اللحظات فريسة لوحوش آدمية من أكلة لحوم البشر
تنقلت عائشة الشنا بين مختلف بلدان وقارات العالم، وتمكنت من مراكمة تجربة كونية في العمل التضامني، وهي التجربة التي ستستغلها في خدمة المجتمع المغربي
حازت عائشة على العديد من الشهادات التقديرية، واعترافات دولية، بقيمة المجهودات، التي تبذلها، لكنها تعتبر توشيحها من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس الأكثر مدعاة للفخر والاعتزاز
تعيش عائشة الشنا، الأم لأربعة أبناء وثلاثة أحفاد، في بيت بحي لارميطاج بمدينة الدار البيضاء، رفقة زوجها، وبين بيت الأسرة الصغير وبيتها الكبير »مقر الجمعية« بحي النخيل، تنقلت "الصحراء المغربية"مع عائشة، لتنقل أهم محطات هذه المرأة المناضلة الاجتماعية بامتياز
وفي كل هذه المرافقة، أبانت عائشة الشنا عن سعة صدر نادرة، وتحدثت عن آمالها، دون إخفاء أقسى آلامها، منذ أن رأت النور عام 1941 إلى يومنا هذا، ولم تدع محطة من حياتها إلا وغاصت في تفاصيلها بشكل مثير، سواء تلك المتعلقة بالنشأة أو الدراسة أو الزواج، أو بعلاقتها بالسياسة والإعلام، وبكبار الشخصيات
إعداد : نادية المرسلي الحلقة الأولى شايل الله آسيدي بلعباس أكروش التضامن قيمة مترسخة في حياة المغاربة وكان جزءا لا يتجزأ من سلوكاتهم وتصرفاتهم اليومية »الغول« في الحكايات القديمة كان رمزا للشرير الباحث عن مصلحته دون مبالاة بمشاعر ضحيته هناك أفكار يجب أن تهدم وتحل محلها رؤى أخرى تعطي للعلاقات الاجتماعية معناها الحقيقي جنيت حب من مددت لها يدي لتدخل الجمعية واكتسبت رضى كل طفل أنقذ من براثن الشارع أنا إنسانة بسيطة ويكفيني أن أرى ذوي الحاجة وقد تحسنت وضعياتهم لأشعر وكأنني أملك العالم فوجئت مرة بمتحدثة رسمية تتهم عملنا الجمعوي في قناة فضائية بأوصاف أستحيي من ذكرها
٭ هل للوسط الأسري، الذي نشأت فيه عائشة الشنا دور في توجهها نحو العمل التضامني؟
ـ أود في البداية الإشارة إلى أن معنى الوسط الأسري أيام طفولتي كان أوسع وأشمل من هذا، الذي نعيشه اليوم، إذ كان الكل يؤدب الكل، حتى دون توفر شرط قرابة الدم، وهذا ما كان ينعكس أيضا على مختلف الحالات الاجتماعية، التي تتسم بالتلاحم والتضامن، فوفاة والدي، وأنا في السنة الثالثة من عمري، كان السبب الأول، الذي شعرت من خلاله بمعنى التضامن
٭ كيف؟
ـ كانت وفاة والدي تحديدا عام 1944، ولظروف عائلية، اضطررنا إلى الانتقال من مدينة الدار البيضاء إلى مدينة مراكش، وهناك وجدنا كل أسباب المساندة والدعم، التي كان أبرزها مساعدتي على الالتحاق بالمدرسة الفرنسية، والتكفل بجميع المصاريف الدراسية، علما أن زواج أمي لم يثن ذوي النيات الحسنة عن الطريق، الذي سلكوه للوقوف بجانبنا، بدليل أنني لم أحس بأي فرق بين المرحلتين، مرحلة حياة الأب ومرحلة مماته، وتوالت علينا المساعدات
وأريد أن أفتح في هذه النقطة قوسا لأقول إنه ليس هناك إحساس يعادل ذاك، الذي يتملكك وأنت تتسلم هدية جديدة من شخص غريب، لا يتعامل بالمطلق على أساس أنها إعانة، أو شيء من هذا القبيل، وإنما واجب مستحق
لذلك أرى أن تبني هذا المعنى للتكافل، من الجائز أن يغنينا عن الكثير من المشاهد، التي نعاينها في مجتمعنا، وبالتالي سنقطع الطريق، على سبيل المثال، على كل من يتعذر بضيق ذات اليد، وعجزه عن تلبية حاجيات أبنائه، ليضعهم بالمؤسسات الخيرية، إذ من الممكن أن يظل الطفل بجانب والديه، وتصله المساعدات إلى بيته، وبذلك نكون تفادينا المشكل المادي والنفسي الناتج عن الحرمان العاطفي
٭ ما نصيب البيئة المراكشية في تعميق اقتناعك بالعمل الجمعوي؟
ـ كان للبيئة المراكشية نصيب الأسد في هذا الصدد
فكما هو معلوم، تعج هذه المدينة بأضرحة الرجال الصالحين، الذين كان من بينهم سيدي بلعباس، فهذا الأخير كنت أمر على ضريحه كلما ذهبت أو عدت من المدرسة، وكان أهم ما يثيرني هناك، هو ذلك الصندوق، الذي تجمع فيه صدقات الزوار، ليجري بعد ذلك توزيعها
وكما كان يشرح لي جارنا »مقدم الضريح«، فهذه الصدقات كانت توزع على الضعفاء والمعوزين، والحقيقة أنني أعجبت كثيرا بهذا السلوك، لأنه كان يختزل المعنى الإجمالي لمفهوم المجتمع المدني حاليا، ومدى أهميته في خلق روح التكافل والتلاحم، الأمر، الذي غرس داخلي الرغبة في أن أكون يوما ما طرفا مهما في مثل تلك الأعمال، خصوصا وأن هذه الأمور كانت ساعتها مترسبة في نفوس المغاربة، وتعتبر جزءا لا يتجزأ من تصرفاتهم اليومية، وأذكر على سبيل المثال أن المقرر التربوي آنذاك لم يكن يتضمن دروسا في هذا الخطاب، إلا أن المعلمين كانوا لا يدعون يوما يمر دون تمرير رسالة تحث على هذا التضامن، إلى درجة أن إحدى المعلمات كانت تفرض علينا إبلاغها كل يوم بأنبل عمل قمنا به، ولو كان إزاحة حجر صغير عن الطريق
٭ يعني أنه كان هناك تكامل بين جميع مكونات المجتمع في تبليغ رسالة التضامن؟
ـ بالفعل، فالتضامن قيمة مترسخة في حياة المغاربة، ويمكن أن أضيف لك القيمة المضافة، التي كانت تشكلها »الحجايات«، التي تروى لنا بالبيت كل عشية، إذ كانت تزورنا في بيتنا كل ليلة امرأة متقدمة في السن، لتحكي لنا »الحجايات«، وتعززها بنصائح عملية، تعمل من جهة على توسيع الخيال، ومن جهة ثانية، كانت تصور لنا عبر »شخصية الغول« المشاكل، التي يمكن أن تصل إليها الفتاة نتيجة تهورها وتصديق بعض الوعود الكاذبة، فكان هذا الغول، من خلال الحكايات، رمزا للشخص الشرير، الذي يبحث عن مصلحته الذاتية، دون أن يبالي بمشاعر ضحيته، لذلك كان يتحتم تفاديه بشتى السبل، كعدم التأخر ليلا، أو تجنب الثقة العمياء في الأشخاص المجهولين
٭ من المعلوم أن ظاهرة الأمهات العازبات كانت موجودة، منذ سنين، فماذا تغير اليوم؟
ـ هذا صحيح، فالأخطاء البشرية لم تغب عن أي حقبة زمنية، لكن الفرق، الذي حصل هو أن الأهالي سابقا كانوا يعملون جاهدين على لم الشمل، ويحاولون قدر الإمكان إعادة المياه إلى مجاريها بإتمام الزواج على الطريقة الشرعية، وهذا ما حدث أمام أم عيني، حين كنت عند خالتي، إذ وقعت إحدى قريبات زوجها في حمل غير شرعي، وبذلت بعد ذلك كل الأسباب حتى لا يتيه أصل ذلك الجنين أولا، وتنعت أمه بنعوت مخجلة، إنما اليوم انعكست الآية، وأصبح الشباب ومعهم ذووهم يتفننون في التحايل على المجتمع والقانون للتنصل من مسؤولياتهم، دون اعتبار حتى للمواليد الأبرياء، لكن هنا أود أن أؤكد أهمية وضرورة الحملات التحسيسية، التي يجب ألا تتوقف عنها الجمعيات المعنية، تماشيا مع واقع اليوم وعقليات شبابه، لأن هناك فعلا أفكارا يجب أن تهدم، وتحل محلها رؤى أخرى تعطي للعلاقات الاجتماعية معناها الحقيقي
٭ ذكرت سابقا أن والدتك تزوجت، فإلى أي حد استطاعت الطفلة عائشة التأقلم مع جو أسري تموقع فيه رجل غريب مكان والدها؟
ـ رغم أن زواج والدتي كان نتيجة ضغوطات المحيط، باعتبارها صغيرة في السن، إذ لم يكن عمرها يتجاوز حينها 20 سنة، فإن زوجها الثاني كان يعاملني مثل باقي بناته، إذ كانت قراراته تسري على الجميع دون استثناء، وهو الأمر، الذي سهل تعايشي مع الوسط الجديد
٭ هل يعني هذا أن زوج والدتك كان استثناء عن طبيعة الرجال الصارمة وقتها؟
ـ لا بالعكس، كان صارما في بعض الأمور إلى أبعد حد، إلى درجة أنه منع جميع بناته، وأنا واحدة منهن، من إتمام دراستهن في هذه الفترة بالضبط 1953، خصوصا بعد القرار، الذي نفذته السلطات الفرنسية بنفي محمد الخامس، وما أعقب ذلك من أحداث جاءت نتيجة ما أبداه الباشوات، وعلى رأسهم الكلاوي، الذي فرض عقوبات زجرية في حق كل من ارتدت الجلباب بدل »الحايك«، بصرف النظر عن سنها، لأن هذا الأخير كان يعتبر رمزا للحشمة والوقار، على عكس الجلباب، الذي كان يشار إلى مرتديته بأصبع التبرج
وبعدما تمادى زوج أمي في التطبيق الحرفي لقرارات الباشوات، لم تتأخر والدتي في إرسالي إلى مدينة الدار البيضاء، حيث تسكن خالتي، وهذه الخطوة كانت بدورها حاسمة في حياتي، بحيث أكدت لي قوة شخصية أمي، نظرا لكونها اتخذت بادرة سفري، وأنا مازلت في سن الثانية عشرة من عمري، دون علم زوجها، واضعة بذلك مستقبل حياتها الزوجية في كفة، ورغبتها في رؤيتي يوما امرأة متعلمة في كفة ثانية
٭ وماذا كانت نتيجة هذه الخطوة؟
ـ بطبيعة الحال لم يتقبل زوج أمي هذا التصرف، وأبدى معارضة شديدة وقاسية، اضطرت معها أمي إلى طلب الطلاق، بعد سنتين من سفري واستقراري في بيت خالتي بالدار البيضاء
وكان لخالتي دور في إتمام دراستي بالمدارس الفرنسية، وتعلم الرقن على الآلة الكاتبة "الداكتيلو"، التي كانت حينها آخر صيحة في العالم التقني، كما أنها حاولت، من خلال تسجيلي في مدرسة »الرشاد«، تدارك النقص، الذي كنت أعاني منه في تحصيلي العلمي من ناحية اللغة العربية، التي كانت شبه مقصية في عهد الاستعمار، إذ اضطرت الخالة، لتحقيق ذلك، إلى بيع بعض القطع من الذهب الخالص، ولم يكن هذا بغريب عليها طالما أنها كانت دائما تعمل لمساعدة الغير، إذ جعلت من بيتها مكانا تتعلم فيه البنات الفقيرات أصول الطرز والخياطة والفصالة
٭ وماذا كان مصير والدتك بعد انفصالها عن زوجها، وعيشك أنت الأخرى بعيدة عنها؟
ـ بمجرد طلاق أمي التحقت بنا في الدار البيضاء، حيث انضمت إلى خالتي في عملها التضامني، وأصبحتا معا تعملان لأجل ضمان مستقبل زاهر لي، وهذا ما أذكى في نفسي الشعور بالمسؤولية أمام توفر مناصب الشغل في تلك الفترة 1958، فكان أول عمل لي حينها، وعمري لا يتجاوز ستة عشر عاما، في مستشفى ابن رشد، وبالضبط بقسم الجدام، إذ عملت معدة للتقارير الطبية للمرضى
٭ ألم تكن حداثة سنك وطبيعة جنسك كامرأة عائقا أمام العمل بقسم الأمراض المعدية؟
ـ بالتأكيد وجدت صعوبة في ممارسة أشغالي على أكمل وجه، حتى أنني أصبحت مع توالي الأيام معرضة للعديد من الانهيارات العصبية، مما أثبت لي أن عملي في هذا القسم صار فيه خطر على صحتي النفسية بالخصوص، لذلك كنت مضطرة بمعية بعض المتعاطفين إلى تقديم استقالتي من هذا القسم، والانضمام إلى قسم معالجة داء السل، والحقيقة أنني وجدت في هذا القسم كل الدعم والمساندة، فحملوني مسؤولية التكلف بالملف الاجتماعي والطبي للمرضى، وهي المهمة، التي انسجمت معها بكل سهولة، فأبديت للجميع مدى قدرتي على التواصل مع المرضى، واستعدادي للمضي بعيدا في هذا التوجه، وهذا ما حذا بإحدى المسؤولات إلى حثي على إتمام دراستي في التمريض، واكتساب مهارات أوسع، ونظرا لحاجتي وقتها إلى أجر قار لتغطية مصاريف السكن والأكل لي ولأمي، بعد أن أصبحنا مستقلتين عن خالتي، رفضت في بداية الأمر عرض تلك المسؤولة، لكن بعد إلحاحها وتقديمها لضمانات بتخصيص منحة لي في فترة التدريس، تراجعت عن قرار الرفض، وباشرت الحصص الدراسية
٭ وهل التزم المسؤولون فعلا بوعودهم؟ ـ لحسن حظي، تحقق لي أكبر مما كنت أتوقع، فحصلت على وظيفة بوزارة الصحة بأجر شهري، في الوقت، الذي كنت أستفيد فيه من تكوين مهنة التمريض، وكنت أول امرأة في تاريخ وزارة الصحة تحظى بهذا التميز
٭ أيمكن اعتبار هذه الخطوة بدايتك الأولى نحو الانخراط الفعلي في العمل التضامني؟
ـ نوعا ما، إذ في هذه الفترة أغلقت مدرسة المساعدات الاجتماعيات، التي أسسها المستعمر، ونظرا لتواضع الإمكانيات المحلية، لم يكن في المقدور فتح هذه المؤسسة من جديد
إنما لحسن حظي، وجدت في المسؤولة السابقة عن التربية الصحية بهذه المدرسة السند، ووقفت إلى جانبي باعتباري كنت متطوعة بتلك المؤسسة، فدخلت الإذاعة والتلفزة بمساعدتها، واكتشفت خبايا الجهات من خلالها، كما رسخت داخلي قوة الشخصية، التي زرعت بذورها الأولى والدتي، وهذا ما أتاح لي ظروفا أوفر للاشتغال وتنظيم موائد مستديرة تتمحور حول التوعية الصحية، نظرا لقلة المعلومات الوقائية آنذاك، وسوء التغذية، الذي كان سائدا، رغم توفر الخيرات ببلادنا، فكان لهذه الاهتمامات فضل كبير علي، إذ التقيت كبار الشخصيات، سواء الحكومية أو غيرها، كما أني رافقت وفدا لوزارة الصحة سنة 1966 إلى الديار المقدسة
٭ ألا ترين أنك اخترت مجالا يعتبر الأصعب من بين الأعمال الاجتماعية؟
ـ هذا صحيح، فالاهتمام بشأن الأمهات العازبات يعتبر من أصعب المسؤوليات الجمعوية، نظرا لطبيعة بعض الأفكار، التي ما زالت سائدة للأسف في مجتمعنا، وكذلك للعوائق، التي تصادفنا من طرف الوافدات أنفسهن، بحكم فقرهن وجهلهن، مما يستوجب عملا إضافيا، حتى يصبحن مستعدات لدخول عالم الجمعية، ومن جهة أخرى أعتبر أن صعوبة هذا العمل هي في حد ذاتها مشجع لي، نظرا لإيماني بأن الوطن يحتاج منا إلى العطاء والتضحية، وإلا من سيقتحم هذا الباب، إذا كان الجميع سينأى عنه
٭ المسيرة، التي قضيتها في العمل التضامني لا تغيب عن أحد، أعطيت خلالها الكثير، فماذا استفدت أنت؟
ـ حصدت الخير، وجنيت الحب من كل من مددت لها يدي لتدخل الجمعية، واكتسبت رضى كل طفل أنقذ من براثن الشارع ومخاطره، كما أني حصلت على القناعة والثقة في النفس، التي أكدت لي الصدق، الذي أعمل به، فأنا إنسانة بسيطة، ويكفيني أن أرى ذوي الحاجة وقد تحسنت وضعياتهم، لأشعر وكأنني أملك العالم، وهذا ما يجعلني دائما أطمح إلى المزيد، والعطاء دون تفكير في المقابل
٭ ألا تعتبرين زياراتك لبلدان العالم ولقاء مختلف الشخصيات إنجازا منحته لك طبيعة عملك؟ ـ بالفعل أعتز بكل هذه الجولات واللقاءات التاريخية، سواء داخل أرض الوطن أو خارجه، خصوصا حين أجد اسمي مقرونا باسم المغرب، فهذا شرف لا يضاهيه شرف، وسماع كلمة تنويه مثلا لا يمكن وصف مدى فعلها في النفس، فكل هذه أمور هي من فضل الجمعية
٭ بماذا تردين على من يقرنون عمل الجمعية بالتحريض على الفساد؟
ـ لن أقول لهم أكثر مما قلت في عدة مناسبات، وهو أن عمل الجمعية كان وسيظل متمسكا بهدفه في حماية الضحايا من المزيد من الضياع والحرمان، بينما تخلي المؤسسة عن توجهها هو الذي سيساهم في تأزيم الوضع، إذ حين لا تجد المرأة مأوى يضمها، ومحيطا يتفهم ظروفها، فبالتأكيد سيكون مآل هذه السيدة الشارع، ولا أحد يخفى عليه ما يمكن أن تتعرض له نتيجة هذا الوضع من استغلال على جميع المستويات، وحتى إن لم تأخذنا الرأفة بالمرأة، يستوجب حتما التفكير في مصير ذلك الطفل، الذي لم يرتكب أي ذنب، والذي أرفض كليا أن ينعت باللقيط، كما يقول بعض الناس، فلا أحد يرغب في أن يكون مجهول النسب، هي فقط ظروف ألقت به إلى ذلك المصير، وعلينا نحن كمجتمع مدني تحمل المسؤولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا الانزواء في الظل، وإطلاق العنان للتعاليق والانتقاد المجاني
وقبل فترة، كنت ضيفة على إحدى القنوات العربية للحديث عن الجمعية ومراميها، وبعد التسجيل، فوجئت وأنا أتابع الحلقة في بيتي بظهور سيدة تتكلم باسم إحدى الوزارات، وبكل أسف، كانت لهجتها غير بريئة بالمرة، واتهمت عملنا الجمعوي بأوصاف أستحيي من ذكرها، لكن ما أريد أن أقوله في هذا الصدد، هو أن مثل هذه الادعاءات تؤكد لي افتقار أصحابها للمنطق التحليلي، وأن معارضتهم تكشف ضحالتهم