يبعث الحديث عن شهر رمضان الفضيل، الحديث بصفة تلقائية عن عاداته وتقاليده التي تختلف باختلاف كل مناطق العالم الإسلامي، وحتى داخل البلد الواحد، لما تفرضه بعض الخصوصيات، إلا أن العادات المرتبطة بالجانب الديني التعبدي تبقى موحدة
واعتبر المسكيني الصغير باحث في علم الاجتماع، أن العادات الرمضانية المغربية، تتميز عن نظيراتها في البلدان الإسلامية الأخرى، كما أكد على دورها الكبير في تثمين الروابط الاجتماعية
٭ في رأيك، إلى ماذا تعود العادات والتقاليد المغربية عموما؟
ـ تعتبر العادات والتقاليد عموما جزءا لا يتجزأ من القوانين العرفية التي يتعارف عليها المجتمع بحكم مسيرة تاريخية، أنشأت هذه التقاليد إلى أن أصبحت أعرافا لا يمكن الاستغناء عنها
فالتقاليد المغربية التي تهم المناسبات سواء المفرحة منها أو المحزنة، تختلف باختلاف كل منطقة وحتى داخل البلد الواحد، وقد نعاين هذا الاختلاف الذي تفرضه بعض الخصوصيات، إلا أن الاهتمام بالمناسبة من جانبها الديني التصوفي يبقى موحدا كالحرص على صلاة التراويح وزيارة الأهل والأحباب، كما يعتبر فرصة للتسامح والتآزر بين أفراد العائلة المتخاصمة، فأغلب الناس يكون شهر رمضان فرصة للإمساك عن بعض السلوكات غير المقبولة، ومناسبة لتطهير الروح والتقرب إلى الله تعالى
٭ هذا عن العادات التي يفرضها الجانب الديني، فماذا عن العادات التي تعود عليها المغربي ؟
ـ في المغرب عموما تظهر ملامح استقبال شهر رمضان بإغلاق جميع محلات بيع الخمور قبل حلوله بأسبوع، ويرتدي الجميع الملابس التقليدية الذي يطلق عليها بالجلباب والقميص أو القفطان أو التكشيطة وفقا للمستوىى الاجتماعي وتعمم الطرابيش الحمراء على أغلب رؤوس الرجال
ومائدة الإفطار المغربية تضم بشكل أساسي شربة »الحريرة« والتي تعتمد كل النساء في صنعها على العدس والحمص والكزبرة والبقدونس واللحم أو الدجاج حسب الظروف وتخلط بالدقيق وتغلي ثم البيض المسلوق و»السلو« وهو عبارة عن خليط من دقيق محمر ولوز وسمسم وعسل وزبدة وغيرها
وبعد الإفطار يخرج الجميع إلى حلقات سواء كانت دينية بالمساجد أو فكاهية بالمقاهي أو ممارسة الألعاب
وبعض الناس من يتخذ الشهر الكريم فرصة لتغيير بعض الأواني المنزلية واقتناء الملابس التقليدية
٭ هل ما زال المغاربة يمارسون العادات الرمضانية كما في السابق؟
ـ لا يمكنني أن أعطي حكما مطلقا فأغلب المغاربة، يحرصون على ممارسة العادات بشكل جدي، إلا أن هناك من استغنى عن بعضها وحافظ على أخرى، وذلك حسب ظروف كل فرد، إلا أنه أصبح للأسف هجر الناس المساجد وتلاوة القرآن الكريم والاهتمام بمتعة مشاهدة المسلسلات والدراما الخليجية والعربية الساقطة، التي أصبحت لا تنفع المجتمعات المسلمة لا بحق ولا باطل، بل أصبحت عروض أزياء للملابس النسائية والرجالية ودعاية وإعلان لمصممي الأزياء والصالونات النسائية، وأصبح كذلك شهر رمضان عند البعض متعة لارتياد المقاهي الليلية للتدخين بجميع أنواعه واللهو بلعب الورق والتحدث بالمسائل السخيفة والثرثرة، كما أصبح شهر رمضان شهر النوم في نهاره للهرب من تعب الصيام عن البعض الآخر
٭ قلت إن من الناس من استغنى عن عاداته بفعل الظروف، ماذا تقصد؟
ـ أقصد أن لجوء الناس لـ »العصرنة« أصبح خطرا يهدد ممارسة العادات والتقاليد المغربية الجميلة، وأخطرها تلك التصاميم الهندسية للمنازل التي لا تحترم وجود عادات وتقاليد، والدليل على هذا تلك المشاكل التي تواجه الناس في عيد الأضحى، فحتى ساحات الفرجة تلاشت ولم يعد الاهتمام بإعادتها بحكم العمران المتسلط وبحكم غياب مهندس يحترم عاداتنا وتقاليدنا
زد على هذا انشغالات المرأة العاملة، التي تعود متعبة من عملها لتصادف أشغال منزلية أخرى في انتظارها، وبالتالي لا تستطيع أن تستدعي أحدا في بيتها، وفي الوقت نفسه لا تجد الوقت الكافي لزيارة الأقارب
وأكرر أن التصاميم والبنايات الجديدة هي أهم سبب وراء تخلي أغلب الناس على ممارسة تقاليدهم وعاداتهم التي لها دور كبير في تمتين الروابط العائلية
٭ أين يتجلى إذن دور العادات والتقاليد الرمضانية في تثمين العلاقات الاجتماعية؟
ـ يفرض شهر رمضان عددا من العادات التي من المفروض المحافظة عليها، فرغم كل الصعوبات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع، إلا أننا نجد هناك بعض الأسر النووية مازالت تحافظ على عادات زيارة الوالدين والجلوس معهم خاصة في ليلة 27 رمضان، وهذه العادة يفرضها الجانب الديني، وبهذه السلوكات يشعر الوالدان أو الجدان أن لهما مكانة كبيرة عند أولادهم وأحفادهم، فتلك الهدايا التي تقدم بالمناسبة تعيد التلاحم بين الناس
٭ ماذا يمكنك القول عن استغناء الناس عن دور »النفار«؟
ـ ليس النفار لوحده من استغني عن دوره، فقد استغني عن دور المدفع المتمثل في الإعلان عن اقتراب آذان المغرب وغيره، فقد كان من الأشياء الذي تميز شهر الكريم
فالنفار كانت له علاقة روحية مع الصائم فلم يكن يثقل على الناس بل كان جميلا جدا، فاليوم وخاصة في المدن الكبرى لم يعد أحد يعتمد إطلاقا على النفار، بل أصبح بعض الناس لا يهتمون بالسحور أصلا وبعضهم يعتمد على المنبهات والسهر في المقاهي إلى حين موعد السحور
٭ حدثنا عن أهمية العادات التي تمارس بمناسبة الصيام الأول للطفل؟
ـ ومن العادات التي اشتهر بها المغاربة في شهر رمضان عادة الاحتفال بالصوم الأول للأطفال في يوم من أيام رمضان، ولا سيما في السابع والعشرين منه، ويعد الاحتفال بهذا اليوم من مظاهر العادات التقليدية المغربية التي تتجسد فيها معالم الحضارات السابقة حيث تشكل محطة أساسية للأسر المغربية داخل شهر رمضان والتي تعمل من خلال هذا التقليد على تكريس الانتماء الديني للطفل المغربي المسلم الذي تشده مظاهر هذه التجربة فيخوض غمارها لأول مرة دون تراجع
٭ماهو رأيك في طقوس الاحتفال بصيام الفتاة ؟
ـ خلال هذا اليوم التاريخي للطفلة المغربية فإنها تزداد دلالا من قبل والديها اللذين يسعيان لإرضائها بشتى الوسائل، ومن شأن هذا أن يحبب لها التجربة
وتحمل لحظة تناول الإفطار معاني السمو الروحي وتكون لحظة غير عادية للطفلة التي تمتزج روحها بلحظات تعبد لله؛ حيث تحرص الأسرة المغربية على أن يكون أول ما تتذوقه الفتاة في هذا اليوم سبع تمرات وكوبا من الحليب، أما بعض الأسر المغربية الأخرى فإنها تحرص على أن تتناول الفتاة بيضة مسلوقة في سطح البيت على أن تكون عيناها معصوبتين نحو السماء
بعد تناول الفتاة للإفطار تدخل بمعية أسرتها وصديقاتها لحظات احتفالية تبدأ بالتنكاف/
التزيين/
إن تنكيف الطفلة ـ أي تزيينها ـ من الطقوس الأساسية التي تخص البنت التي تصوم أول مرة، حيث يتم تزيينها بالشكل الذي تزين به العروس ليلة زفافها، والجميل في الأمر أن هذا التزيين امتزجت فيه كل الإكسسوارات الأمازيغية واللباس الأندلسي والأفريقي والعربي؛ بحيث ترتدي الفتاة في هذا اليوم »القفطان« أو »التكشيطة«
أما طقوس الاحتفال بالطفل فلا يخرج من دائرة العادات والتقاليد المغربية، شأنه شأن الفتاة عندما يحتفى بها في صومها الأول، وإن كانت هناك طقوس تخصه وتميزه عن البنت، فعندما تعتزم الأسرة المغربية إدخال طفلها تجربة الصوم وإشراكه الكبار فرحة رمضان فإنها تعمد إلى تشجيعه والتنويه بانتصاره على شهوة البطن وتقربه لله تعالى بإمساكه عن الطعام، وذلك بإهدائه الهدايا التي عادة ما تكون من اللباس المغربي الذي يتضمن الجلباب، البلغة، وأخيرا الطربوش وعادة ما يكون أحمر داكنا
إذا كانت الطفلة الصائمة لأول مرة تتناول التمرات الأولى بين أفراد عائلتها، فإن بعض الأسر وخاصة القاطنة في شمال المغرب تلزم الطفل بأكل حبة تمر على السلم الخشبي
٭ زرت بعض الدول العربية الإسلامية، وآخرها العراق الذي قضيت فيه شهر رمضان، فما الفرق في العادات بين المغرب والعراق؟
ـ أظن أن العادات والتقاليد لمعظم الدول العربية الإسلامية تلاشت، ففي شهر رمضان الذي قضيته في العراق لاحظت استغناء الناس عن بعض عاداتهم النبيلة، بل لاحظت أن المغاربة لازالوا يمارسون تقاليدهم مقارنة مع العراقيين، كما أن عاداتنا وتقاليدنا تعتبر الأجمل سواء تلك المتعلقة بالحرص على اللباس التقليدي أو المتعلقة بتهيئ بعض المأكولات الخاصة بكل مناسبة