تعود فصول الازدحام والاحتجاج من جديد، مع اقتراب موعد الدخول الدراسي والجامعي وانتهاء العطلة الصيفية، مشاهد ازدحام غير مألوفة وغير مرغوب فيها تحول تنقلات ركاب حافلات الوكالة المستقلة للنقل الحضري لمدينة فاس إلى جحيم لا ينتهي إلا بحلول عطلة الصيف.
مشاهد ازدحام واكتظاظ، تبدو بارزة للعيان من خلال طوابير انتظار طويلة، تقف بلهفة عند جل محطات الوقوف بالمدينة، في انتظار قدوم حافلة، لتبدأ معها من جديد معركة الصعود إلى الحافلات والظفر بمقعد، فيما يضطر الواقفون منهم ذكورا وإناثا للاصطفاف ملتصقين كما لو أن الأمر يتعلق بعلب سردين متنقلة.
وضع يدفع بالمواطنين للاحتجاج أحيانا والتعبير عن الامتعاض والاستياء أحيانا أخرى، عبر دردشات وثرثرات لا تجد من يستمع إلى فحواها، مبررهم في ذلك حالة الاختناق التي تنتابهم وهم مكدسون يلفهم الهلع والخوف حيال احتمال تعرضهم لعملية نشل وسرقة أو تجاوز الحافلة لمحطات الوقوف.
»الصحراء المغربية" وفي محاولة منها لرصد هذا الواقع استمعت إلى آراء وانطباعات عدد من رواد حافلات النقل الحضري بالمدينة، عبر الخط الرابط بين حي السعادة ومركب الحرية وسط المدينة، حيث محمود، وهو متكئ على حائط بانتظار قدوم الحافلة، »أرى أنه من الأجدر أن تعيد الإدارة المكلفة بتدبير هذا القطاع النظر في طريقة التعامل التي يعتمدها موظفوها مع زبنائها، إننا نشعر كما لو أننا نصعد إلى »فوركونيط" البوليس، لا مجال لاحترام كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والفتيات وأفراد الأسر، العمال المشرفون على الحافلات وبخاصة المراقبون يطلقون كلاما غير لائق، يعمدون عند الصعود للحافلة إلى الوقوف بمدخلها ومراقبة التذاكر في الوقت الذي يلجأ فيه اللصوص إلى استغلال فرصة الازدحام الناجمة عن ذلك بمصعد الحافلة لنشل الركاب أمام أنظارهم.
وإذا ما تكلمت إلى أحد يفاجئونك بالتعسف والاعتداء الجسدي، بل التهديد بقتلك وإسماعك ما لم يخطر على بالك، كنت بدوري من بين ضحايا اعتداء سائق حافلة لما طالب مراقب سيدة مسنة بإخراج تذكرة ركوبها وأحد النشالين يمد يده إلى حقيبتها عند صعودها إلى الحافلة، تدخلت في الأمر، بحث مراقبين عند مصعد الحافلة للقيام بالعملية عند مغادرة الحافلة لا عند الصعود حيث يكون الاكتظاظ، كان الرد سريعا بمهاجمتي من قبل سائق الحافلة بالاعتداء بالرفس والركل أمام استياء الركاب مبررا ذلك أن أمن الراكبين من اختصاص البوليس"
وبمحطة وقوف حافلات النقل الحضري الرابطة بين حي بن دباب بوسط المدينة قالت فاطمة، طالبة جامعية، »نحن الآن نتنقل بكرامة وبنوع من الراحة، غير أنه مع انطلاق الموسم الجامعي والدراسي الجديد شهر شتنبر وإلى غاية شهر يونيو، ندخل دوامة الاكتظاظ والازدحام، نعيش حينها حالات اختناق وسرقة ونشل داخل الحافلة وعند محطات الوقوف والصعود إليها، نتعرض نحن الفتيات والنساء للتحرش والاعتداء اللفظي من قبل مراقبين ونشالين ومعتوهين، نضطر يوميا لركوب حافلتين، واحدة توصلنا إلى وسط المدينة والثانية تنقلنا إلى الجامعة، خلال الرحلتين يتطلب منا الأمر الوقوف والانتظار والاصطفاف في طوابير طويلة والصعود إلى الحافلة بالتدافع والرفس ومعها الاكتظاظ والاختناق على متنها، وهكذا نواصل جحيم التنقل عبر حافلات لا محيد عنها، ما دام أن خدمات القطاع الخاص والمنافسة غائبة".
وبموقف حافلات النقل الرابطة بين وسط المدينة وحي ليراك، عبر الصديق موظف، عن استيائه تجاه روتينية طول الانتظار من أجل التنقل إلى عمله، واعتبر أسطول النقل الحضري تعتريه بعض الأعطاب الميكانيكية وغير كاف للاستجابة إلى طلبات الزبناء، مما يتسبب في حدوث اكتظاظ وتعطيل لمصالح زبناء أسطول النقل الحضري، إن ما نعيشه من محن ـ يضيف الصديق ـ في التنقل عبر حافلات النقل الحضري لا يمكن أن توصف والسبب دائما ضعف تأطير العاملين به وعدم استجابة حجم أسطول النقل الحضري لحاجيات المواطنين.
إن ما تحدثت عنه هذه العينة من ركاب حافلات النقل الحضري، لا يشكل مشهدا استثنائيا، بل غالبا ما تحدث مشاكل من هذا القبيل داخل حافلات النقل الحضري في ظل الازدحام والاكتظاظ الذي تشهده كقطاع تهيمن عليه الوكالة المستقلة في غياب الخواص، حيث يأبى بعض الركاب إلا أن يتنقلوا على متن الحافلات بالمجان، لكنهم لا يمرون بسلام دائما، بعد أن يتم ضبطهم بحزم وعناد من طرف المراقبين الذين يضطر بعضهم إلى استعراض عضلاتهم ومواجهة المخالفين بعنف، وكأنهم "يتصرفون في ضيعاتهم" على حد قول مواطن سبق أن تعرض ابنه للتنكيل والضرب من طرف مراقبين داخل كشك تابع للوكالة بساحة "فلورانس" .
ويشتكي العديد من مستعملي حافلات النقل الحضري بفاس من الممارسات المخلة الصادرة عن عدد من المراقبين، إذ تتحول مجرد مخالفة أو هفوة من طرف أحد الركاب إلى فرصة يستغلها هؤلاء المخالفون للتصرف بعدوانية في حق المخالفين، مما يجعلهم في الكثير من الأحيان يتجاوزون حدود مهمتهم في المراقبة والتصرف وفق ما يخوله لهم القانون إلى مواجهة الركاب المخالفين بشتى أنواع القذف والسب، بل واللجوء إلى العنف والقسوة، فتتحول الحافلة في معظم الأحيان إلى مسرح لممارسات متجاوزة.
من جهته، أقر حسن زحاف مدير الوكالة المستقلة للنقل الحضري، في لقاء تواصلي عقده في وقت سابق مع ممثلي وسائل الإعلام، بوجود خصاص في أسطول النقل الحضري بالمدينة، ذلك أن 70 بالمائة من أسطول الوكالة المقدر بـ 215 حافلة تجاوز عمرها خمس سنوات، وأن الأسطول القابل للتشغيل يتشكل من 180 حافلة مع وجود 35 وحدة في طور الإصلاح، في هذا الإطار أشار زحاف، إلى أن الوكالة عبر اقتنائها 10 حافلات للنقل برسم ميزانية 2006 وإضافة 12 حافلة في إطار شراكة مع مجلس مدينة ستراسبورغ، وكذا تسلم 16 حافلة أخرى بعد إخضاعها لفحوصات تقنية في وقت لا حق، تسعى لتجاوز الخصاص الحاصل في أسطول النقل الحضري، فيما أبدى استعداده ورغبته في تحسين الخدمات على متن أسطول النقل الحضري وتكوين العاملين به.