لتجنيب المواطن توجسا من تدبير

الإدارة المغربية في حاجة إلى تخليق بنيوي

الخميس 17 غشت 2006 - 10:41
إحدى الإدرات العمومية في الدار البيضاء

لازالت مردودية العمل في إداراتنا العمومية، لا تبعث على الارتياح لدى المواطن المغربي، الذي يبدو أنه يصاب بهوس واشمئزاز كلما تعلقت أموره بالإدارة، لأنه يستحضر مسبقا قبل خوضه غمار تدبير أغراضه الخاصة من وثائق أو متطلبات، صعوبة الوصول إلى هدفه في أقرب وقت ممك

وقد ساهمت هذه الوضعية غير السليمة في الإدارات العمومية إلى تناسل الحكايات الطريفة والمغامرات المثيرة، التي يكون "قاضي حاجة" قد سلكها للوصول إلى غرضه بشق الأنفس، أو بدون عناء وفي رمشة عين، وهكذا لا يمكن الحديث عن الإدارة المغربية، دون ربطها بالرشوة والمحسوبية والزبونية وما تولد عنها من مصطلحات قدحية، تؤكد بالملموس على أن الواقع نسخة طبق الأصل من الوقائع التي يحكيها المواطنون عن إداراتهم.

وعلى الرغم من تجريب أنماط إدارية غريبة على إداراتنا، لتحسين أدائها وتفعيل خدماتها وتسهيلها، إلا أن ذلك لا يفضي إلى شيء بقدر ما يكرس نفس الأساليب، التي تبرز بأن مشاكل الإدارة المغربية معقدة وبنيوية وفي حاجة إلى معالجة جذرية وشمولية، فلا التوقيت المستمر ولا العمل المتقطع ولا المغادرة الطوعية استطاعت أن تصلح حال إدارتنا، لأن الأزمة ليست في الشكليات والتوقيت والهياكل، بل في الموارد البشرية المغلوب على أمرها من جهة، والتي يفتقد بعضها للتكوين المستمر ويعاني بعضها الآخر من ضعف الأجور وغياب الحوافز، الشيء الذي يؤثر على المردودية العامة ويجعلها فاقدة الفعالية.

ومن جهة أخرى وفي علاقة بالآليات المستعملة في الإدارة المغربية، فتعقيد مساطرها وتشابك مصالحها، وتداخل اختصاصاتها، يجعل الخدمة العمومية تتيه في غياهب المجهول، ما يضطر البعض إلى استغلال هذه الإجراءات المتداخلة بحيل إدارية بسيطة، للارتزاق وإشاعة ظواهر الفساد والزبونية والتي مع تنوع أساليبها وتعاظمها أصبحت بمثابة الأخطبوط الذي يصعب الانسلال من أدرعه.

وهذا لا يعني أنه ليس هناك بعض الحالات الاستثنائية لإدارات مسالكها سهلة، هذا ما أكده أحد المسؤولين السابقين في إدارة عمومية، خضعت منذ مدة للتدبير المفوض للقطاع الخاص، وأبرز محدثنا الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن "ظهور هذه الاستثناءات مرده إلى السياسة العامة التي تنهجها الإدارة في التعامل مع الزبون، فعندما تلزم الجهات المسؤولة بالصرامة في المعاملة وتكافؤ الخدمات وإرغام جميع المواطنين والمستخدمين على سلك نفس التدابير والإجراءات، يكون الأداء الإداري سلسا ولا يخضع لتعقيدات وشنآن وكل ما يمكن أن يثير الشكوك".

ومن جانبه أبرز محمد بلحاج (أستاذ باحث)، أن السياسة العامة للإدارة العمومية، "يجب أن تخضع لدراسة النهج والجدوى، من أجل البحث عن السبل الأنجع، لتبسيط مساطرها، وجعلها قادرة على تلبية المراد في وقت مقبول"، وأضاف في سياق ذلك، سعيد الناجي (موظف)، أن الإدارة كل مترابط، ومن هنا "يجب إعادة النظر في الموارد البشرية وتأهيلها عبر تحسين أوضاعها المادية وتنمية حمولتها المعرفية، حتى ينعكس ذلك إيجابيا على مردوديتها في العمل وفاعليتها في الأداء والنجاعة".

وهذا ما ذهب إليه عزالدين بلقاضي (ناشط جمعوي)، بقوله، إن الإدارة المغربية "في حاجة إلى سياسة تعتمد على الكفايات والكفاءات، وأن لا تظل مجرد وسيلة سياسية لاحتواء العاطلين وتكديسهم في وظائف لا تتماشى وتخصصاتهم، فالإدارة المغربية تأثرت بشكل كبير من هذا النهج في الماضي وأصبحت تستنزف ميزانية ضخمة بمردود ضعيف، سمح بطرح المغادرة الطوعية كوسيلة للتخفيف من عبء المتطلبات الضخمة للمأجورين، لكن بدون أن تكون لهذه السياسة استراتيجية عملية في مواجهة أس الإشكال المتعلق أساسا بتعقيد المساطر وقدم آليات الاشتغال".

وفي النسق ذاته، شدد محيي الدين الطالبي(أستاذ جامعي)، على ضرورة أن تأسس الحكومة لثقافة الإدارة الإلكترونية التي من شأنها أن تخفف الضغط الممارس على الموظفين والمواطنين على حد سواء، مبرزا في الآن ذاته، أن هناك نماذج ناجحة كإدارات الخواص التي رفعت من مستوى خدماتها وجودة أدائها من خلال طرحها لبرامج معلوماتية دقيقة وسهلة أصبحت في متناول المواطن حتى خارج الإدارة.

إن إصلاح الإدارة المغربية وتخليقها، يتطلب إرادة سياسية من أجل إعادة الثقة إلى المواطن في خدمته العمومية، وخلق تصالح معه، وتحسيسه بضرورة أن يكون مساهما في هذا التحول عبر التزامه بالضوابط المعمول بها إداريا ونبذه لكل سلوك رآه يخل بالمساواة في الخدمة ورفضه الانسياق وراءه، وعند ذلك يكون المواطن قوة تأثير في إنجاح الإصلاح الإداري.




تابعونا على فيسبوك