تعيش مدينة القنيطرة حالة غريبة في علاقة الإدارة بالمواطنين، تجعل منها إدارة خارج السياق، تتصرف بقوانينها الخاصة خارج ما هو معمول به، وكأنها دولة داخل دولة، لا تعرف شيئا مثلا عن قانون تعليل القرارات الإدارية الصادرة في غير المواطنين، وتتعامل بالقرارات الشف
لن نتحدث هنا عن حالات التعسف في استعمال السلطة وغيرها من التجاوزات، وهي بلا عد ولا حصر، من قبيل إثقال كاهل المواطنين بوثائق لا أحد يعلم لها سببا ولا مبررا قانونيا في مصلحة تصحيح الإمضاءات ببعض المقاطعات، ولا ما يجري في مصلحة التعمير بالبلدية بخصوص منح رخص البناء، عدا مظاهر التجاوزات في استغلال حاجة بعض المواطنين المعوزين إلى شواهد الاحتياج .
نترك ذلك إلى مراسلات مقبلة، ونتوقف هنا عند حالة عاشتها "الصحراء المغربية"، التي كانت شاهدة على ما جرى للمواطن محمد أزيوال، الذي تقدم إلى الجهات المعنية بطلب رخصة الصيد البري، من خلال طلب رخصة حمل السلاح.
المواطن المذكور، ومهنته تاجر، صافي الذمة مع مصلحة الضرائب، يؤدي في الوقت فواتير الماء والكهرباء والهاتف، مشكلته الأساسية أنه مؤمن بمواطنته، ولديه استعداد دائم لأن يضحي بكل شيء على أن لا يفرط في أي حق، مهما كان صغيرا، من حقوقه المواطنية
يعتقد جازما، في تصريحاته لـ "الصحراء المغربية"، أن تفشي واستمرار الشطط والتجاوزات الإدارية يعود في جزء أساسي منه، إلى سلبية المواطن، الذي يبلعها بصمت ويتركها تمر.
يقول إن كل مواطن يجب أن يؤدي جميع واجباته، ولا يتهاون فيها، لأنها شرط ضروري لمواطنته وفي المقابل، يضيف محمد أزيوال، يجب على المواطن أن يكون على بينة من حقوقه، وبالمثل، لا يجب أن يتهاون في التفريط فيها، ويواجه أي سلوك يمس بها
مرة قطعت شركة "اتصالات المغرب"، خطأ، خطه الهاتفي، بدعوى عدم الأداء، في حين لم يسجل عليه يوما أنه تأخر، وأحرى أخل، في تأدية فاتورة الهاتف.
وحينما تقدم بشكواه لدى الإدارة، التي يتعامل معها، ولم يجد فيها معاملة تحترم كرامته، رفع دعوى قضائية ضد الشركة، وطالب بتعويض عن الأضرار التي لحقت معاملاته التجارية بفعل قطع الخط الهاتفي، فأنصفته العدالة، وحكمت بإدانة الشركة وأدائها التعويض لفائدة هذا المواطن.
استعرضنا هذه الوقائع والتصريحات، لإضاءة الإطار العام الذي تأتي فيه نازلة جديدة، يعتزم هذا المواطن أن يمضي فيها بعيدا، لأنها ألحقت به ضررا معنويا جسيما، إذ حولته الإدارة من مواطن إلى مشبوه، ونزعت منه براءته، وأضحى شخصا ذا سوابق
وقائع هذه النازلة تعود إلى يونيو المنصرم، عندما تقدم بطلب رخصة حمل السلاح، مع ما يعني ذلك من طلب متنبر تحت إشراف السلم الإداري، ودزينة وثائق تبتدىء من شهادة الإقامة، وعقد الازدياد، ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية، إلى شهادة العمل، وبيان الأجرة، ونسخة من بطاقة السوابق القضائية، وعقد شراء البندقية، وخمس صور فوتوغرافية.
الطلب يحمل ملف عدد 1231 / م ش/ح س بتاريخ 30 ماي المنصرم وبتاريخ تاسع يونيو، فوجىء بإرجاع ملفه من طرف كتابة الخليفة الأول دون سبب، ودون أن يتوصل بجواب معلل مكتوب لكن بالمقابل، تلقى جوابا شفويا من الكتابة المذكورة يفيد أن طلبه مرفوض لأنه ذو سوابق.
وتحولت المفاجأة إلى صدمة، إذ إن هذا المواطن لم يذكر أبدا في حياته أنه أدين في قضية ما لكنه تحول بكلمتين باردتين "ذو سوابق" إلى مواطن غير صالح، كأيها مجرممدان، محكوم عليه بالسجن لم يفهم أي شيء.
أجهد نفسه في البحث، ولما أعياه الأمر، طلب تفسيرا لهذه السوابق، مادام ملفه يتضمن نسخة من بطاقة السوابق القضائية مرصعة بكلمة "لا شيء" .
وأمام إصراره المستميت لمعرفة خلفية هذه التهمة، أكدت له كتابة الخليفة الأول أن الأمر يتعلق بقضية تعود إلى عشر سنوات خلت، ووصلت إلى المحكمة فذهب إلى المحكمة وطلب البحث عن الملف، وبعد جهد جهيد عثر عليه، وسحب نسخة منه، وفعلا، كانت هناك قضية، رقم ملفها 96/2831 .
وتتعلق بنزاع مع مواطن آخر يوم خامس يوليوز 1996، وأنجز بشأنه محضر الضابطة القضائية من طرف شرطة الدائرة الخامسة، وجرى تقديم المواطن وخصمه أمام المحكمة الابتدائية، وعند مثولهما اتهم محمد أزيوال خصمه بالسب والقذف وإلحاق خسائر مادية بمخزنه التجاري، فيما اتهمه خصمه بالسب والشتم.
وقضت هيئة المحكمة، بتاريخ 4 نونبر 1996، أولا بعدم مؤاخذة محمد أزيوال مما نسبه إليه خصمه، وثانيا، وبخصوص التهم التي وجهها هو إلى خصمه، قضت المحكمة بعدم الاختصاص لكون السب والقذف وإلحاق خسائر مادية بملك الغير تدخل في اختصاص قضاء الجماعات والمقاطعات، مع إحالة الملف للبت فيه من قبل الجهة ذات الاختصاص، وذلك ما حصل، إذ أصدر حاكم المقاطعات بالقنيطرة حكمه في هذه القضية بتاريخ 8 أبريل 1997، وجاء لصالح محمد أزيوال، وأدانت خصمه.
هذه هي حقيقة القضية التي تتوفر "الصحراء المغربية" على نسخة من الحكمين القضائيين المتعلقين بها، اللذين أنصفا المواطن محمد أزيوال، في حين أن الإدارة لها رأي آخر لا يعترف بحكم القضاء، وتأتي بعد عشر سنوات لتقول للمواطن المذكور : "أنت ذو سوابق".
إنها نموذج مصغر من مهازل التجاوزات والخروقات التي تطبع علاقة الإدارة بالمواطن في العديد من الحالات وستكون لنا عودة إلى تطورات هذه الواقعة، إذ وكل المواطن المذكور محاميه لمتابعة القضية، ووجه المحامي رسالة في الموضوع إلى والي جهة الغرب اشراردة عامل إقليم القنيطرة، يطلب فيها من الوالي "التفضل بإعطاء تعليماتكم قصد إطلاعه (موكله محمد أزيوال) على أسباب عدم تلبية طلبه حتى يتمكن من القيام بالدفاع عن حقوقه طبقا للقانون".