حكاية متسول اغتنى بسترة العوز

الخميس 03 غشت 2006 - 11:00

تناسلت ظاهرة التسول واستفحلت مظاهرها وأسبابها بمدينة فاس إلى حد ظهور أساليب احترافية، يعمد من خلالها متسولون نساء ورجالا إلى ابتداع خدع احتيالية، جعلت البعض منهم، في خانة فقراء العلن وأغنياء السر .

بوراس الدريوش، واحد من الذين اغتنوا وراء ستار الحاجة والعاهة، يدفع بيديه المتثاقلتين كرسيه المتحرك كل صباح باتجاه محطة ركوب حافلات النقل العمومي، إذ أن مظهره البائس، يثير استعطاف مواطنين طالما ساعدوه على الصعود إلى الحافلة، حيث تسمح له حالته المكشوفة بالتنقل مجانا، على متن أسطول الحافلات بالمدينة، والتي تجيز لذوي الاحتياجات الخاصة ركوبا مجانيا في مختلف اتجاهات خطوطها.

يبدأ الدريوش الذي يظل لقبه مثار استعطاف سكان حيه رحلته اليومية باتجاه أزقة وشوارع عدة بالمدينة، بما في ذلك أبواب المساجد والمؤسسات وهو يدفع كرسيه المتحرك بخطى متثاقلة، ويديه ممدودة باتجاه دريهمات ليس إلا، وإذا ما جاد عليه البعض من المحسنين بخبزة أو تفاحة فإنه يبدي رفضه لتلك الهدية "شي درهم زايد"، لا يقبل هذا المتسول في غلاف معاق غير صدقات الدرهم، ومع أن مظهره الخارجي يثير استعطاف المحسنين، فإنهم لا يجدون بدا من مده ببضع دريهمات، يغتنم الدريوش من خلال اسمه المستعار وقت انعقاد صلوات الظهر والعصر والمغرب، يوما بيوم ليجلس إلى جانب مدخل أحد مساجد المدينة ممدود اليدين، ليحصل هناك، على دراهم عديدة تثير شهيته إلى المزيد، وهكذا يحصد الدريوش مع شروق شمس كل يوم إلى مغيبها، كيسا من النقود تتوزع بين قطع نقدية وورقية.

عند نهاية كل أسبوع يتجه الدريوش إلى صاحب دكان مجاور لمدخل مسكنه محملا بكيس من القماش وقد امتلأ نقودا، وبدلا عن القطع النقدية الثقيلة، يفضل كغيره من المتسولين أن يأخذ بديلا عنها أوراقا مالية، يحكي صاحب المحل التجاري وقد أخذه الاستغراب، أن ما يحصل عليه الدريوش من عطاءات خلال أسبوع واحد فقط، تفوق بكثير ما يحققه من ربح وراء تجارته ويضيف صاحب الدكان، أن مداخل هذا المتسول تتراوح أسبوعيا ما بين 850 درهما إلى 1200 درهم، وترتفع أحيانا في المناسبات والأعياد لتصل إلى 2700 درهم في الأسبوع .

لا يعلم صاحب الدكان كم راكم هذا المتسول من أموال، في سنوات مضت إلى حين انتقاله للسكن بجواره، قبل أن يعلم بمرور الوقت أن ذلك المسكين لم يكن معاقا، كانت الإعاقة مطية بنظره استغلها ليثير من خلالها سخاء المحسنين، لقد اشترى لنفسه بحي آخر مسكنا بتجهيزات منزلية رفيعة قبل أن ينزع عنه ثوب الإعاقة والحاجة ليتزوج امرأة ساعدته في تغيير أسلوب استجدائه، إذ لم يعد ليقضي أيامه جالسا على كرسي الإعاقة.

كما ابتدع لنفسه قبل سنوات مضت لجلب دريهمات زائدة، بل أصبح يتظاهر بأسلوب جديد، إذ يدعي أنه مصاب بمس الجنون، يرتدي أحيانا بذلة أنيقة برباطة العنق يتجه لإحدى المقاهي حيث ينتشي مشروبات وهو يتباهى بغناه على متسولين ليسوا من طينته، قبل أن يعود إلى مسكنه، حيث يعمد إلى تغيير ملامحه كما لو أنه ممثلا مسرحيا، قبل أن يذهب إلى الأماكن التي يستطيع فيها أن يدوخ عقول مواطنين ومحسنين، لا علم لهم لحاله سوى ما يثيره مظهره من حاجة وعوز، إذ لا يستطيع أحد أن يصدق ذلك، إنه يظهر علنا بمظهر الفقير ويختفي سرا في ثوب الغني.




تابعونا على فيسبوك