الفقر والحاجة، وانسداد منافذ توفير لقمة العيش، وسد الرمق أو تدبير غرض ملح لا يحتمل التأجيل، ظروف تضطر العديدين، إلى استجداء الآخر، في حدود أن لا يستمرهذا الفعل، ويصبح بمثابة القاعدة التي تكسر الاستثناء، إذ لن يكون بإمكان المتعود على استجداء الآخر تسخير جه
لكن الطرق السهلة وغير المكلفة لتوفير المتطلبات، تكون في الغالب هي الطاغية، لدى منعدمي الضمير، ويفضلون بالتالي ركوب هذه الطرق وتحديد سرعتها وكيفية جني ثمراتها، بإبداع أساليب حديثة ومتنوعة، لاستمالة عطف وأريحية الناس.
وهكذا أصبح التسول، مهنة قائمة الذات لدى الكثيرين، تستخدم فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بهدف التأثير النفسي على المواطنين وجعلهم يسقطون في فخاخ ممتهني التسول، إلى درجة أن هناك حكايات وطرائف وأحاديث مسهبة عن حالات لمتسولين يحبكون مشاهد لمسرحيات درامية يشخصونها بإتقان.
وهذه المشاهد تعرض يوميا في الحافلات والطرقات والممرات وفي المساجد والمقاهي ومحطات ركوب المسافرين، والجميع، بلا شك يحتفظ في مخيلته بصور مؤثرة لمسافر "تقطع به الحبل"، لا يجد ثمن تذكرة سفر للعودة إلى بلده، ومنكوب انتشلت محفظته، ومشاهد لمن يتصنعون البلاهة والجنون، ومن يقوم بـ "تجبيص" يده أو رجله، أو يضع ضمادات مليئة بـ "الدواء الأحمر" على أحد أعضاء جسمه، وما إلى ذلك من حالات يصعب التأكد من صدق أو بطلان ادعاءاتها.
وفي غياب تدابير وإجراءات ردعية لمواجهة هذه الحالات الشاذة والمؤذية، تحول التسول لينتج ظواهر إجرامية خطيرة، من خلال صناعته للأساليب النصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل، ووضع المواطن العادي أمام عدة استفهامات، حول "من يستحق الصدقة" و"من لا يستحقها"، بالرغم من أن النية هي القيمة المعنوية لها.
وقد يكون أخطر ما في الظاهرة، استخدام بعض المتسولين المحترفين للأطفال كأداة طيعة لتحقيق مآربهم واستدرار عطف الناس.
مقاربة الظاهرة من خلال شرائح مختلفة من المجتمع المغربي، تعكس كيف تنظر هذه الشرائح، إلى التسول في خضم ما يقرأ ويتداول من أن الكثير من المتسولين، يستعملون هذه الخصلة الإنسانية في بني البشر، لكسب موارد مالية مهمة، رفعت بعضهم إلى درجة الثراء.
ويؤكد سعيد بعدي، محام في هيئة الدار البيضاء،، على أن "هناك عينة من المتسولين أفسدوا البيض كله في سلة واحدة، إلى حد أصبح من الصعب التمييز بين من هو المتسول المحتاج، والمتسول النصاب، إضافة إلى أن دهاء هؤلاء المتسولين يتجلى في اختيارهم للمناسبات السانحة، وفي إبداع طرق جديدة، وحكايات مثيرة لامتلاك قلوب المارة".
واعتبر المحامي نفسه، في تصريح لـ "الصحراء المغربية"، أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها هي التي ساهمت في تفشي الظاهرة، وحولها إلى عملية انتقام من المجتمع. وبدوره أبرز خالد مخلوف ،أستاذ، أن بعض الأماكن في مدننا تحولت إلى أصول تجارية، لدى ممتهني التسول، الشيء الذي يؤكد على أن "هناك لوبيات حقيقية متحكمة في هذه السوق التي تبتز فيه الأحاسيس والعواطف، وتبتكر فيه أساليب عدة للوصول إلى جيوب المواطنين".
وأكدت سليمة آيت لحسن، ناشطة جمعوية، على أن "عدم وجود شرطة متخصصة لمتابعة ومواجهة الظاهرة، ومواكبة تحركات المتسولين ميدانيا، سهل مأمورية العديد من ممتهني هذه الحرفة، وشجعهم على استغلال الأطفال المتخلى عنهم أو المخطوفين وذوي العاهات، عبر تدريبهم أو تخديرهم للرفع من مردودهم المالي"، وشدد أحمد بوراق على ضرورة اعتبار التسول بالنسبة لمستغلي هذه الحالات بمثابة نصب واحتيال على المواطنين.
ومن جانبه أضاف محمد لكناني، أستاذ باحث، "أن الاصطبار على التسول يتحول إلى مرض نفسي، لا يجد ممتهنه، بدا من التعاطي له، حتى ولو كان ميسورا، وقال إن هناك حالات لمتسولين ساقتهم الصدفة إلى التسول ولم يستطيعوا الانسلاخ عنه، لما وجدوا فيه من أريحية، وموردا ماليا بدون أدنى تعب".
وفي سياق آخر، أبرز عبد الله الرجراجي تاجر، "إن المحتاجين في الأصل، من الصعب أن يمدوا أيديهم إلى الغير، فالعديد منهم تحسبهم أغنياء من التعفف، لأنهم يجدون صعوبة في المتاجرة بوجوههم وحيائهم، فيما من لا يغالبه وجهه لا يجد مضاضة في ركوب هذه الحرفة بدون أدنى وازع أخلاقي".
والحال أنه ينبغي عدم غض الطرف عن هذه الجرائم العلانية، وتكسير التجاهل الواضح، الذي لا يزيد الظاهرة إلا استفحالا، واستشراء ابتزاز المواطنين بدافع الشفقة، ويتعين على السلطات العمومية تطبيق القانون من جهة، واتخاذ التدابير اللازمة من جهة أخرى، في محاولة لإعادة إدماج المتسولين في المجتمع، وتصحيح هذا السلوك المنبوذ الذي يهدد المجتمع بالاتكالية والسلبية.