أثارانتباه الرأي العام المغربي بشكل عام، والبيضاوي بشكل خاص، موضوع زهرة المتسولة، التي وجد بحوزتها، مبلغ مالي كبير يفوق 11 مليون سنتيم، على إثر تفتيشها بعد إحالتها على المركز الاجتماعي تيط مليل، بسبب وجودها في حالة تسول أمام مسجد، يوم الجمعة قبل الماضي.
انتقلت "الصحراء المغربية" للمركز حيث تقيم حاليا زهرة، للتعرف عليها عن قرب، والحديث معها، بحضور مدير المركز الاجتماعي، ونقل قصتها مع التسول، والدواعي الجامحة التي جعلتها تحرم نفسها من الأكل وتتغذى على فضلات الآخرين، أو ما تبقى من وجباتهم.
انتقلت "الصحراء المغربية" للمركز حيث تقيم حاليا زهرة، للتعرف عليها عن قرب، والحديث معها، بحضور مدير المركز الاجتماعي، ونقل قصتها مع التسول، والدواعي الجامحة التي جعلتها تحرم نفسها من الأكل وتتغذى على فضلات الآخرين، أو ما تبقى من وجباتهم.
"خرجوني نمشي فحالي هذا ما شي قانون"، بهذه العبارة ثارت زهرة بنت الحاج بن الجيلالي في وجه عبد الكريم الصبار، مدير المركز الاجتماعي تيط مليل، بعد أن أطلعها على قرار وكيل جلالة الملك بابتدائية الدار البيضاء، الذي يرمي إلى ضرورة سلك كل الإجراءات اللازمة لإثبات هويتها، وأولها حصولها على البطاقة الوطنية.
إذ حاول مدير المركز بكل الوسائل تبسيط موضوع إنجاز هذه الوثيقة، وبأهمية توفرها عليها للحفاظ على أموالها.
في بادئ الأمر رفضت زهرة أن تأخذ لها صورا شمسية، فأخرج المدير من جيبه بطاقته الشخصية، وقدمها إليها لتقتنع بأن كل بطاقة وطنية تحمل صورة صاحبها.
فلما أمسكت بها، ابتسمت فرحا، واعتقدت أنه أنجز لها بطاقة خاصة بها، أخبرها أنها بطاقته، لكنها تشبثت بكونها لها، ولم تقتنع أن الصورة التي بالبطاقة هي صورة رجل، فأصرت أنها صورتها، وتشبهها.
كانت تتحدث وكأنها لا تعرف شكل وجهها، أو أنها لم تكن تتوفر على الوقت الذي يسمح لها برؤيته في المرآة، إن كانت تتوفر عليها في المنزل.
بعد حوالي نصف ساعة من الحديث عن موضوع البطاقة الوطنية، لم تجد زهرة بدا من مرافقة ثلاثة من موظفي المركز الاجتماعي، صوب مختبر التصوير لأخذ صور شمسية لها، لكن بعد أن اشترطت على مدير المركز تحمله نفقة إنجاز هذه الصور.
وفي جو لا يخلو من إثارة الضحك، ابتسمت زهرة، وانبسطت ملامح وجهها بعد أن ظلت منقبضة لوقت طويل.
ففرحت للأمر، واستظهرت سلسلة من الأدعية لمديرالمركز، تشكرا له لعدم المساس بأموالها، ولتحمله مبلغ أخذ الصورالشمسية.
طلبت من مدير المركز الاجتماعي تيط مليل، تنفيذ وعده لها بالعودة إلى منزلها في أقرب الأوقات، وتحججت بكونها ملزمة بالعودة إلى عملها "التسول" والبحث عن سبل الحصول على المبلغ المالي الذي سيكفيها للإصلاحات اللازمة ببيتها الأول، الذي أنهكت الرطوبة بعض جوانبه وجدرانه، وأيضا لشراء منزل آخر.
كانت زهرة تتحدث بهدوء وثقة في النفس، وبكل عفوية أو سذاجة، عندما وعدت عبد الكريم الصبار، بعدم الاقتراب مجددا من المسجد، حيث وجدت تتسول، دون أن تنفي توجهها إلى أماكن أخرى للغرض ذاته، إذ تحدثت عن نيتها في ما تسميه بالحرف "الطلبة" بالقرب من مسجد "الدريجات، أو مسجد السباعي أو ياسمينة، أومسجد الشركة".
وعرف اللقاء المباشر الذي جمع "الصحراء المغربية" بزهرة، العديد من الطرائف واللحظات الفكاهية، كانت هي بطلتها، خاصة حين أرادت تخصيص مبلغ 70 درهما لعبد الكبير الصبار، مقابل مغادرتها المركز، بينما رفضت التبرع بثلاثة دراهم لمساعدته الإدارية، حين طلبت منها مازحة التبرع لها بقدر من المال الوفير، إسوة بمديرها، وبررت رفضها بكون 3 دراهم، مبلغ كبير، وكان يتطلب منها بذل الكثير من الجهد للحصول عليه، وثانيا لأنها لا تريد أن تضيع سنتيما واحدا من المبلغ لأنها تخصصه لشراء منزل ثان.
وكانت تجيب زهرة على أسئلة "الصحراء المغربية" حول ما تنشده من جمعها لهذه الأموال، وحرصها على عدم الإنفاق منها على نفسها في المأكل والمشرب والملبس والتطبيب وعلى باقي احتياجاتها الأخرى، بكونها تطمح إلى إصلاح ما طال المنزل، الذي تملكه في منطقة "سباتة"، من أعطاب، ووضع طلب لدى إدارة "ليديك" لربطه مجددا بالكهرباء، والاتصال في مرحلة ثالثة بسماسرة الوكالات العقارية، لمساعدتها على البحث عن منزل ثان بغرض شرائه.
ومن خلال الحديث معها تبين أن منزلها الحالي، لا يرتبط بشبكة الماء الشروب والكهرباء، وأنها كانت السبب في وقف الاستفادة من هذه الخدمات، من خلال امتناعها عن تسديد مستحقاتها الشهرية.
نفذت ذلك طوعا لإرغام جارها الذي يكتري منها غرفة، للخروج منه بعد أن فشلت كل محاولاتها في دفع هذا المكري إلى مغادرة الغرفة.
وتنوي زهرة حاليا العثور على مكترين آخرين يقبلون بسومة كرائية أعلى من تلك التي تتوصل بها من طرف المكتري الحالي، والمقدرة بـ 450 درهما.
الدردشة مع زهرة، تكشف أن لا حديث لها إلا عن رجائها في امتلاك بيت ثان، فترفع بصرها ويديها إلى السماء لطلب إعانة الرب على تحقيق ما تصبو إليه
فهاجس امتلاك العقارات لديها كبيرجدا، ولحد لا يتصور وقوعه إلا لدى الأشخاص الذين يعانون اختلالا في توازن شخصيتهم.
إذ لم تنكر أنها تحرم نفسها من الأكل والشرب في منزلها، واعتمدت في ذلك على عطايا المحسنين، الذين تسميهم بـ "احباب الله".
وحتى في الحالة التي ترغم فيها نفسها على الأكل بالبيت تتناول، حسب ما أفادته، كسرة خبز يابسة، تبللها بكوب شاي، أو ماء.
ليس معنى ذلك أنها تكلف نفسها إنفاق درهم و20 سنتيما لشراء الخبز، وإنما لأنها تتغذى بما جاد به عليها الآخرون من خبز يابس، تعيد بيعه للمحلات الخاصة بذلك، مقابل درهم واحد أو درهم وعشرين سنتيما، حسب العرض والطلب.
وتعتبر من ينصحها بإنفاق ما تملكه من أموال في تغذية جيدة وسليمة، ولباس نظيف ومقبول، أنه عدوها اللذود، "عدياني ما يحملوني ولا يقبلوني، كيقولوا لي خذي راحتك وتهلاي في راسك".
لم تتناول زهرة اللحم بأنواعه الثلاثة في بيتها منذ سنين عديدة، وترفض التضحية بكبش في العيد الأضحى، ولا تأكل إلا بما جاد به عليها جزار الحي من "شحوم"، وفي أحيان أخرى يقايضها بالقليل من "الكرشة"، في الحالة التي تجلب له كميات مهمة من الخبز التي حصلت عليها على التو من محسنين بالقرب من المخبزات.
كما لا تركب الحافلة أو أي وسيلة مواصلات أخرى، خوفا من ضياع المال الذي تجمعه في سبيل الحصول على منزل آخر.
عند سؤالها عن مدى معرفتها بثمن الحافلات حاليا، أكدت عدم استعمالها لها منذ الوقت الذي كان "طوبيس السلك" الحافلات الكهربائية، أو -ترامواي- الزمن الذي كانت تؤدي فيه 20 سنتيما لركوب الحافلة.
لم تتردد زهرة في التعبير عن غيرتها من الآخرين قائلة "أغار من الذين يأكلون ويشربون"، ومع ذلك "كنحاول على فلوسي باش نشري دار، عاد نشوف باش الناكل"
زهرة تملك من المال ما يضمن لها عيشا كريما، ويعفيها من بسط يدها في الشوارع وبالقرب من المساجد، لتلقي عطايا المحسنين.
تملك بيتا من طابقين، وبه تكتري لابنها رشيد غرفة بمبلغ 500 درهم، وأخرى لإحدى الأسر بـ 450 درهما، وتتلقى شهريا 3.500 درهم من ابنها الذي يعيش في ألمانيا، وعطايا أخرى من ابنها الذي يملك محلا تجاريا في "البئر الجديد".
وتعتبرعلاقة زهرة بالنقود علاقة خاصة، أخفتها عن أنظار الجميع، وحرصت على حمايتها طيلة عشر سنوات من التسول، إذ كشف عبد الكريم الصبار، مدير المركز الاجتماعي تيط مليل، أنه لدى تفتيشها، لوحظ أن المبلغ الكبير الذي تحمله معها، مشكل من ما يشبه لفافات سجائر، كل واحدة منها بـ 1000 درهم، ملصقة بإحكام داخل كيس بلاستيكي أسود، واختارت بطنها مكانا لإيداعه، إذ كانت تخفي الكيس الأول بورق مقوى وتعيد تغليفه بكيس آخر.
أما عن الدمالج الذهبية الستة، فكانت تضع في كل يد ثلاثة دمالج ذهبية، تحد من وصولها إلى الرسغ بدملجين من الفضة، وتترك دملجا من النحاس ظاهرا للعيان.
وفي هذا الإطار اعترفت أنها لم تذهب إلى الحمام العمومي منذ 10 سنوات، خوفا على ضياع نقودها به، ولعدم ثقتها في وضعهم بمنزلها لحين عودتها منه، اختارت أن تظل متسخة، ولم تكن تستحم في المنزل إلا نادرا.
ومن النوادر التي وقعت حين كان موظفو المركز يرافقون زهرة، عائدين من مختبر الصور، إذ طلبت منهم السماح لها بمهلة قصيرة للتسول بالقرب من المسجد، خصوصا أن اليوم صادف الجمعة، الذي ترتفع فيها نسب "المداخيل" لديها، إذ أكدت أن حصيلة تسولها يوم الجمعة تصل إلى 200 درهم، وتتراوح خلال أيام الأسبوع العادية ما بين 80 و100 درهم في اليوم، بينما ترتفع إلى 500 درهم لليوم الواحد خلال فترات الأعياد والمناسبات الدينية.
وأكدت أنها التجأت إلى التسول منذ 10 سنوات، وبالموازاة معه اشتغلت في بيع الصوف، والألبسة البالية، والخبز اليابس، كما احترفت حرفة عرافة "شوافة"، كما اشتغلت في وقت سابق من ذلك في مراكز التعاون الوطني كخياطة، وعند توقفها عن العمل، كانت تخيط في منزلها، قبل أن تتحول إلى متسولة.
يشار إلى أن زهرة بنت الحاج بن الجيلالي، أم لثلاثة أبناء، هم اليوم أرباب أسر وآباء، يشتغلون ويملكون من المال ما يضمن لهم حياة كريمة.
أنجبتهم زهرة بعد ثلاث زيجات فاشلة، إذ لكل ابن منها أب، ملتزمون جميعا بجلب ما تحتاجه والدتهم من حاجيات، لكن الخوف من "السخط" حال دون الوقوف في وجه ما تفعله، وذلك حسب ما صرح به ابنها رشيد لدى حديثه مع "الصحراء المغربية".