مع حلول فصل الصيف تبدأ أعداد المهاجرين المغاربة في العودة، يجمع بينهم رابط واحد هو الحنين والشوق إلى الوطن والأحباب والأقارب، لكن من بين هؤلاء العائدين، هناك فئة قليلة لا ننتبه لها كثيرا، إنهن النساء زوجات المهاجرين المغاربة، اللواتي يعدن إلى المغرب، ولا يتمكن من العودة إلى محل إقامتهن في أوروبا بسبب خداع أزواجهن أو تدخل عائلاتهم.
جولة قصيرة أمام السفارات الأوروبية، خاصة الفرنسية والايطالية، نجد فتيات في مقتبل العمر، جميلات وأنيقات، يحملن بين أيديهن، أوراقا ووثائق مختلفة أو يسألن هنا وهناك، يتجولن بين مكاتب السفارة أو بين مصالح الشرطة، أو يحملن بين أيديهن طفلا رضيعا
وحينما تسأل الواحدة منهن عن سبب وجودها هناك بدل قضاء العطلة الصيفية مع العائلة، تنهار بالبكاء، وتبدأ في سرد وقائع حكايتها، لتخبرك عن قصة أليمة لا ناقة لها فيها ولاجمل، سوى أنها كانت ضحية لزوج مخادع، وضعت ثقتها الكاملة فيه، أنجبت منه أبناء أو طفلا واحدا أو لم تنجب، كل واحدة حسب ظروفها، جعلها تعانق الحلم الأوروبي، وحلم الحياة والعيش الكريم، ثم عاد بها إلى أرض الوطن وتركها في حيرة من أمرها، سرق منها وثائق إقامتها وكل شيء يمكن أن يزرع فيها الأمل للعودة من جديد لمواصلة حياتها العملية واختفى عن الأنظار.
من هذه الحالات، هناك مريم فتاة في الثلاثين من عمرها، منذ أربع سنوات وهي تبحث عن طريقة جديدة للعودة إلى الديار الايطالية لكن دون جدوى
تزوجت مريم كما حكت في لقائنا بها وهي أمام باب السفارة الايطالية، بابن الجيران عبد اللطيف، وكما تقول لم تربطها به علاقة حب من قبل، فهو كان شابا مقيما في الديار الايطالية، وكان يعود خلال العطلة الصيفية لقضاء أوقات مع أسرته، وبحكم الجوار فقد كانت عائلة مريم مقربة جدا من عائلة عبد اللطيف، وفي أحد أيام الصيف، وأثناء عودة والدي عبد اللطيف من أداء مناسك الحج، اعترف لها بحبه وبرغبته في الزواج منها، وأنه سيفاتح والديه في الأمر بعد يومين من عودتهما.
فرحت مريم كثيرا، أخبرت والدتها وإخوتها بالأمر، وبعد أسبوع كامل، تقدم عبد اللطيف لخطبتها كما وعدها بذلك ثم سافر إلى ايطاليا على أن يتمم الزواج خلال الصيف المقبل
وبالفعل هذا ما حصل، تضيف مريم، أرسل لها عبد اللطيف كل ما تحتاجه من المال والوثائق لعقد قرانهما وتزوجا بسرعة، وأنهت مريم وثائقها وسافرا معا، وكونا أسرة سعيدة، اشتريا منزلا جديدا وسيارة جميلة وعاشا في هناء.
ومضت مريم قائلة، لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فبعد أربع سنوات من الزواج والاقامة بايطاليا، بدأت عائلة عبد اللطيف تتدخل في شؤونهما الخاصة، ولم يسمح لها عبد اللطيف بأن تنجب منه طفلا أو أن تزور والديها خلال هذه الفترة، ومع كل مكالمة من أخواته أو أمه أو والده، ينقلب رأسا على عقب ويبدأ الشجار.
حاولت مريم أن تستوعب ما يجري خاصة أنها علمت أن شقيقها الأكبر خطب شقيقة زوجها ثم فسخا الخطوبة، وهو ما جعل عائلة زوجها تقطع الصلة بعائلتها وتغير معاملتها كليا لها حين سألت زوجها عن الأمر، وعدها بأن يبقى برفقتها بعيدين عن مشاكل أسريتهما، لأن لايد لهما فيها.
ووثقت به مريم، لكن بعد مرور فترة تزيد عن أربعة أشهر، طلب منها أن تترك العمل وتجلس في البيت، وبعد شهر على ذلك، أخبرها بأن والدته مريضة جدا وأنهما عليهما السفر لعيادتها لأنها بين الحياة والموت.
أعدت مريم حقيبة واحدة جمعت فيها بعض ملابسها وملابس زوجها، وتركت كل شيء، كما أخذت معها وثائق الإقامة، ووعدها زوجها وهما على متن الطائرة، ألا يتدخل في أمور عائلته، لأنه يحبها كثيرا ولن يتخلى عنها.
لم تخبر مريم لسرعة ما جرى معها عائلتها أنها عائدة إلى أرض الوطن، وعندما وصلت إلى منزل عائلتها اتصلت لتخبرهم بالأمر، فلم يصدقوا وعندما أخبرتهم أن والدته مريضة وبين الحياة والموت، زادت شكوك العائلة، ولكنها احتارت ماذا تفعل؟ انتظرت اليوم الموالي، لتتوالى المفاجآت، عادت مريم إلى منزل أسرتها وهي دامعة، حائرة لتخبر والديها وإخوتها أن حماتها لم تكن مريضة وأن شقيقات زوجها وإخوته، تشاجروا معها وطردوها من المنزل، بسبب شقيقها الذي تخلى عن ابنتهم وفسخ خطوبته بها، وأنهم سرقوا منها حقيبة ثيابها ووثائقها الثبوتية، دون أن يحاول زوجها الدفاع عنها أو حمايتها
حاولت عائلة مريم أن تتدخل لدى عائلة زوجها، لكنها لم تفلح، حاولت الاتصال بزوجها لكنه اختفى عن الأنظار، إلى أن فوجئت باستدعاء من المحكمة، يطالب مريم بالحضور إلى جلسة الطلاق.
تسارعت الأحداث وطلقت مريم، وهي في حيرة من أمرها، لم تعرف ماذا تفعل، حيرتها قابلها ذهول من أفراد عائلتها الذين لم يعرفوا ماذا يفعلوا، لم تترك لهم عائلة الصهر الوقت لاستقبال ابنتهم التي لم يشاهدوها منذ أربع سنوات، أو أن يتخذوا إجراءات عملية لوقف طلاقها أو استرجاع وثائقها.
ومنذ ذلك التاريخ، لازالت مريم تبحث عن وسيلة لتستمر في الحياة، أو العودة إلى الديار الايطالية، لم تستطع الشرطة أن تثبت سرقة عائلة الزوج وثائقها لأن القانون المغربي لا ينص على السرقة بين الأزواج، كما أنها لم تتمكن من إثبات ذلك، أعادت مريم استخراج بطاقة تعريف وطنية جديدة وجواز سفر جديد، ولازالت إلى يومنا هذا تبحث عن مخرج لأزمتها، رغم أنها استطاعت أن تحصل على عمل قار وأن تكمل دراستها إلى أن تجد طريقة للعودة إلى ايطاليا لاسترجاع حقوقها في البيت والسيارة اللذين اشترتهما بشراكة مع زوجها الذي اختفى عن الأنظار منذ ذلك التاريخ .