جرت العادة التي فرضتها الطبيعة الفيزيولوجية للإنسان على أن لا ينجذب الذكر غرائزيا إلا للأنثى والعكس صحيح، غير أن هذه القاعدة لم تسلم من الاستثناءات التي أدت الى ظهور حالات لاتتحرك فيها مشاعر الشخص إلا لمثيل جنسه .
وبعيدا عن تفسيرات المحللين النفسانيين وتقارير خبراء علم الاجتماع، اقتربت "الصحراء المغربية" من هاته الفئة من الذكور التي يوحي مظهرها باستغلال لأحدث ما تجود به الحياة الحالية، من أجل توظيفه في ممارسة أقدم مهنة في التاريخ.
كانت الوجهة أحد شوارع الدار البيضاء المعروفة بانتشار ظاهرة الشذوذ الجنسي وعلى قارعته التقينا شبابا توحدوا في الغاية التي هم من أجلها هناك، كما اختلفوا في الطريقة التي يحترفون بها سلوكهم وأيضا الأسباب التي دفعتهم الى ذلك الواقع.
بقامة يشتبه أنها لرجل، وقف سفيان البالغ من العمر 24 سنة إلى جانب أحد الأعمدة الكهربائية المضيئة بشارع محمد الخامس بمدينة الدارالبيضاء، وعلامات عدم الارتياح بادية على ملامح وجهه المغطى ببعض المساحيق، الأمر الذي كشف لنا أن شخصا ما أخلف أو على الأقل تأخر عن موعده مع هذا الشاب، خصوصا وأن نظرات سفيان المتكررة لساعته اليدوية تؤكد هذا الاحتمال.
ونحن نحاول الاقتراب من سفيان قرر هو الآخر الابتعاد قليلا عن المكان الذي وجدناه فيه لدى وصولنا، وحينها اكتشفنا طريقة غريبة في مشيته، إذ يضع الرجل اليسرى على نفس الخط الذي وطأته رجله اليمنى، كما هو الشأن بالنسبة لعارضات الأزياء مع تسجيل فارق بسيط وهو كون سفيان يتميز عليهن بحركات يدين تلتويات بكيفية دقيقة على مستوى الكعين، دون أن يفقد إيقاع خطواته.
وبمجرد أن بقيت أمتار قليلة تفصلنا عن هذا الشاب، استدار ليجدنا وراءه، وبالتالي أمام نظرات موجهة إليه، فكان تعقيبه "ما لكم معمركم شفتوا بنادم؟" وكانت هذه العبارة كلمة السر التي فتحت باب اكتشاف عالم سفيان، لكونه لم يتردد في سرد كل ما يختزنه من أحاسيس، ونحن نخبره أن وجودنا بذلك المكان والساعة تتجاوز منتصف الليل، يأتي استجابة لرغبة أكيدة في محاولة التعمق في أسباب ذلك الانحراف لا الاستغراب.
في بداية حديثه، أكد سفيان، الذي كان يتابع دراسته حتى مستوى الباكالوريا التي لم يحصل على شهادتها، مرور أزيد من نصف ساعة على الموعد الذي حدده مع رجل آخر، لكن هذا الأخير، يضيف محدثنا، لم يكن في مستوى وعده، يقول سفيان "إنه رجل تجاوز الأربعين من عمره، أعرفه منذ مايزيد عن 6 أشهر، وليس هذه هي المرة الأولى التي يتخلف فيها عن موعده معي، لكن بعد ذلك يتصل بي ويعتذر، وأنا بدوري لا أعير اهتماما طالما يمكنني من مستحقاتي وأكثر، ولما سألناه عن حالة هذا الزبون العائلية، أجاب سفيان بأنه متزوج".
بدا سفيان سعيدا وهو يحكي مغامرته واصفا إياها "بالقصير"، وكيف لايكون مرتاحا، كما يقول، وهو لاينفق في تلك الليالي درهما، بل على العكس من ذلك يعود في الصباح بنصف أجر موظف أحيانا، وفي هذا الصدد أشار سفيان إلى أنه لايحبذ الزبناء الذين يرغبون في أن يقضي معهم ساعة أو ساعتين، وإنما يفضل ويشترط كذلك أن لايغادر الشقة التي يذهب إليها إلا في الساعات الأولى من الصباح، يقول سفيان "يمكن أن أؤكد لك بأن معظم الرجال الذين أرافقهم ليسوا غرباء عني، وبالتالي فهم يعرفون من أنا، والظروف التي يروقني التواجد بها، لذلك لم يعد هذا الإشكال مطروحا لدي، ومن ثمة فإن وجودي بهذا الشارع لا يكون إلا لأجل الاكتفاء بزبون حددنا معا موعدا لنتقابل فيه".
وفي جوابه عن الأسباب التي من الممكن ان تدفع هؤلاء الشباب، وهو منهم الى ممارسة هذه السلوكات، قال سفيان، بعد أن قضب حاجبيه "إذا تكلمت عن نفسي فإني اعتبر وضعي استثنائيا بحيث لا أنكر أن وضع أسرتي المادي بخير، أقول هذا لأن أغلب من هم الى جوارنا في الشارع يدعون الفقر و الحاجة، لكن بداياتي في هذا الطريق استهلت بتجربة عابرة عاودتها بعد مدة طويلة من أجل التسلية فقط، لكن فجأة وجدت اللذة بين الرغبة الأولى والثانية تقصر الى أن أصبحت مدمنا على الاتصال بأمثالي في الجنس، دون إعطائي أية قيمة لما يمكن ان أرفضه من مال، إذ الغاية الأولى هي إشباع نزوتي علما أني لم أدخن سيجارة يوما أوتجرعت كأس خمر في حياتي".
يسكن سفيان بمفرده في شقة بشارع 2 مارس يدفع مقابل كرائها 1600 درهم شهريا، أما أسرته فجميع أفرادها الخمسة في الديار الإيطالية، وحسب قوله فإن إمكانية الهجرة متوفرة لديه بنسبة كبيرة، لكن تمتعه بالحرية بعيدا عن أعين الوالدين والأهل، جعله يرفض الهجرة إلى أي بلد آخر، لهذا فهو يرفض فكرة الالتحاق بعائلته في بلاد المهجر.
شاب آخر شاء القدر ان يتصادف وجوده بذلك الشارع، قال أن الإسم المألوف لدى اصدقائه هو حمادة دون ان يعطي تأكيدات أوضح على اسمه الحقيقي، غير أنه أقر بالمقابل على خاصية شذوذه الجنسي، معتبرا إياها "البلية" لا ذنب له فيها، مؤكدا على انه لايوجد إنسان على وجه الأرض يعلم الأقاويل والنعوتات التي توجه لأمثاله، فتجده راضيا على وضعه، فالمسألة، يستطرد حمادة البالغ 31 سنة لاتخرج عن نطاقين إما الفقر أو التكوين الجنسي الذي يميل أكثر الى الصفات الأنثوية، و كلها يؤكد حمادة ظروف قاهرة.
رن هاتف حمادة الجيد النوع، فابتعد بنحو خطوتين، أما المكالمة فامتدت لخمس دقائق، خلصنا بعد انتهائها إلى أنه حسب المتحدث، تلقى دعوة من زميل له كان يوجد في تلك الأثناء رفقة زبون في إحدى الشقق وهذا الاخير لديه صديق يريد بدوره مؤانسة شاذ فوقع الاختيار من طرف الشاذ الأول على حمادة، وتم الاتفاق بينهما على أن يأتي زبون بسيارته بعد ربع ساعة لنقله، أما قيمة المقابل فتلك أمور محسوم بشأنها مسبقا.
وبالفعل لم تمض ربع ساعة حتى وقفت سيارة من نوع "أونو"، أمام حمادة، ليصعد مبتسما، وهو يمرر كفه على شعيرات رأسه اللامعة بفعل الملين، ويترك الشارع الذي مازال يتبادل به الشباب الذكور الذهاب والإياب، كل يغني على ليلاه بطريقة احتراف بذلك الانحراف، إذ وكما لاحظنا أثناء تواجدنا بعين المكان أن من الشواذ من يفضل قضاء الليل بكامله برفقة مضيفه، ومنهم من يشترط أن لا تتعدى مدة المرافقة ساعة أو ساعتين، كما منهم من عاينا مغادرته لموقعه مع الزبناء أصحاب السيارات لأكثر من خمس مرات، في حين لاتتجاوز مدة الغياب عشر دقائق.
وعلى اختلاف هذه الحيثيات من رواد الشارع توحدت بالمقابل بينهما الألبسة الأنيقة وذات الجودة العالية، تفوح منها روائح العطور، والأمر نفسه ينطبق على الهواتف المحمولة بخصوص قيمتها المالية وتتعدد خصائصها التكنولوجية، أما المساحيق فحدث ولا حرج لدرجة أن من الشباب من أقلع شعيرات حاجبيه وسبدلها بخطوط مرسومة بقلم التجميل، كما أن هناك من تفنن في وضع ألوان مختلفة على شفتيه وطلاء متناسق على الأظافر .