الزواج المختلط صفقة تجارية من أجل الحراك الاجتماعي

السبت 22 يوليوز 2006 - 13:25

اعتبر الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري أن نسبة قليلة من الزواج المختلط يكون هاجسها الحب والتشبع بثقافة الآخر لإغناء الموروث الشخصي، كما أكد أن المصلحة الشخصية والطمع الجشع والفقر والفرار إلى الضفة الأخرى أسباب لزواج المختلط، بحيث استنتج العطري أن الضح

٭ الزواج المختلط حاليا هل يجمع ما بين العاطفي والديني والحضاري أم يستحضر بعضا من القيم السابقة ويلغي الأخرى؟ ؟

- اللافت للنظر اليوم هو التبدل و التغير المستمر الذي تعرفه منظومة القيم، فمع كل هذا التطور الذي يشهده العالم تظل القيم هي الأكثر تعرضا للهدم و التقويض و الانبناء من جديد، العالم كله يسير في اتجاه نوع من التفسخ والتكون القيمي في آن، والمغرب لا يشكل الاستثناء في هذا المجال، إنه معني بهذا التحول الذي يمتد بتأثيراته إلى كافة تفاصيل المشهد المجتمعي.

من هذا المنطلق نجد أكثر من مبرر منطقي للتغير الذي مس شروط ومعايير الزواج في المجتمع المغربي، فهناك من جهة التحولات الكبرى التي يفرضها واقع العولمة وتأكيد مقولة القرية الماكلوهانية، وهناك من جهة ثانية الظروف والأسباب الاجتماعية التي تقف كثيرا وراء أي تحول في خارطة الفعل الاجتماعي، فإميل دوركهايم يلح في قواعد المنهج السوسيولوجي على أن الاجتماعي ينبغي أن يفسر و يفهم بواسطة الاجتماعي، وعليه فتفسير و فهم هذه التحولات يستلزم في البدء تشريحا واقعيا لذاك "الاجتماعي" الذي يؤثر ويساهم في صناعة التمثلات و صياغتها وفقا لهذا الشكل أو غيره.

ما يميز المجتمع المغربي هو ذلك المستوى العالي من التركيب والتعقيد، فكل الظواهر لا تجد تفسيرا أو امتدادا لها في شرط واحد، بل في شروط متداخلة ومتنافرة في نفس الآن، ومن نقول بأن الزواج المختلط لكي يفهم مغربيا يجب أن نقرأه في سياقات الانوجاد والإنتاج وإعادة الإنتاج.

فمن داخل البراديغم السوسيولوجي لا يلوح لنا هذا الزواج كفعل عاد في سياق التبادلات الثقافية و الحضارية بين المجتمعات، بل يؤشر على احتمالات أخرى من قبيل الرغبة في "الحريك" وتأمين المستقبل، وعليه وبالنظر إلى الشروط السوسيوسياسية للمجتمع المغربي، يمكن القول بأن البعد السوسيو اقتصادي يظل الأكثر حضورا وتوجيها لإمكان هذا الزواج المختلط، بحيث تظل الرهانات الأخرى المفتوحة على التواصل و الحوار الحضاري والديني مجرد شماعة تعلق عليها الأسباب الحقيقية المؤطرة لهكذا زواج.

٭ كيف يمكنك تفسير التناقض في مجتمع ينهي عن الزواج المختلط إلا أننا نلاحظ تعاظمه في الفترة الأخيرة؟

ـ الراهن المغربي اليوم مختلف في النوع والدرجة عن المغرب الفائت، الذي كان يتميز بأسره الممتدة وسيطرة المؤسسات الأولية بكافة ضوابطها و قواعدها الصارمة، وهذا ما يفسر الاختلاف في المعايير التي نصادفها اليوم لدى الشباب مثلا وهو يقبل على تجربة الزواج، فما كان يثير الاستغراب والتقزز ولربما العار والغضب القبلي وليس العائلي فقط، لم يعد يثير اليوم أدنى استفهام أو اعتراض.
قد صارت العديد من الزيجات اليوم مقبولة اجتماعيا إلى حد ما، صارت أيضا شروط الدخول فيها مستساغة واعتيادية، فما دلالة هذا التحول؟ لنتأمل ونتساءل في الآن ذاته.

ففي وقت سابق كان زواج الشاب المغربي بل والعربي أيضا من امرأة تكبره سنا، أمرا غير مقبول بالمرة من قبل العقل الجمعي ، بل إن "فعلة " كهاته يمكن أن تجلب على مقترفها " السخط " والغضب العارم، لكن ذات المسألة لم تعد تثير كثيرا من الاعتراض من قبل المجتمع، بل أصبحت تبارك حتى من قبل بعض الأسر المحافظة، وعلى صعيد آخر فالشاب ذاته كان قبلا يرفض أصلا فكرة الزواج من امرأة تكبره سنا، لكن الأمر تغير بعض الشيء في أيامنا هاته.

دائما في إطار تأمل هذه التغيرات يمكن أن نشير إلى مثال آخر يهم الزواج من المطلقة والأرملة خصوصا بالنسبة للشاب الذي لم يخض تجربة الزواج من ذي قبل، وهناك أيضا حالات أخرى تبدو أكثر تطرفا كالزواج من امرأة انخرطت في علاقات غرامية كثيرة، أو أنها تدمن على استعمال الكحول أو المخدرات.

على المستوى النظري نجد تبرما من لدن الكثيرين من الزواج المختلط، بل كثيرا ما يمعن الأفراد في ذكر كل سلبياته، لكن بمجرد ما تتاح لهم أو لذويهم فرصة هذا الزواج حتى ينتهوا من مساءلتهم النقدية لهذا الزواج، ويتجولون مباركين له.

لا بد من التأكيد مرة أخرى على أن هذا الزواج المختلط يظل محصورا في صفوف من قادتهم الظروف إلى الضفة الأخرى ابتغاء العمل أو الدراسة، أو من منت عليهم ذات الظروف بفرصة التعرف إلى أجنبية أو أجنبي داخل البلاد، ولا يمكن أن نجزم بأن هذا الزواج آخذ في الارتفاع، في غياب مؤشرات إحصائية دقيقة، وإن كانت الملاحظة العفوية تقود إلى تخمين هكذا استنتاج مع تنامي العلاقات المؤسسة مع "الآخر" على ضفاف وادي السيليكون من خلال غرف الدردشة الإلكترونية.

٭ هل مازال الهاجس المادي سببا للزواج المختلط أم صار البحث عن ثقافات بديلة من بين أسباب الزواج؟

ـ في البدء لا بد من التذكير بأنه، إذا كان هذا الزواج المختلط منهيا عنه في السابق، بل وجالبا للسخط العائلي، فإنه صار يحظى بنوع من القبول الاجتماعي الرمزي على الأقل من قبل الشباب ذاتهم، وبالطبع فالعوامل الثانوية وراء هذا القبول لا يمكن أن تفسر فقط بالتغير المتسارع الذي يعرفه حقل القيم، بل يمكن تفسيرها بشكل قوي بالواقع العام الذي يندلق معه الشباب.

فأمام انسداد آفاق العمل واستشراء البطالة والأزمة، يجد الشباب نفسه مضطرا للتفريط في كثير من القيم، معتبرا الزواج بمثابة صفقة تجارية يمكن أن تنقده مما هو غارق فيه، وبذلك يتمثل الزواج كجسر عبور نحو الأمان المجتمعي، وبالطبع فالأمان يستلزم أداء ثمن باهض يكون من غير شك هو التفريط في شروطه التي غرسها فيه المجتمع بصرامة أكبر.

إن الزواج المختلط، وكما يبدو من خلال ممارسة أولية لنوع من السوسيولوجيا العفوية يكون قائما في غالب الأحايين، بين عنصرين غير متكافئين من ناحية الرساميل الرمزية والمادية، وبالطبع فالكفة المادية طبعا تكون مرجحة لفائدة من يدفع أحسن ومن يملك وسائل الإنتاج و الإكراه والتدبير، اللاتكافؤ يلوح أيضا في المؤشرات الديموغرافية والاستيطيقية من ناحية السن والجمال، مما يوضح بجلاء أن البعد السوسيواقتصادي هو الثاوي بامتياز وراء كثير من الزيجات المختلطة، فما معنى أن تجد شابا مغربيا بهيا في مقتبل العمر يتزوج من سيدة تكبر حتى جدته بسنين ، هل الحب هو الكامن وراء هذا الزواج ؟ أم هي الرغبة فقط في الحصول على أوراق الإقامة وتحسين مستوى العيش ؟

والسؤال نفسه نطرحه حول أمر شابة حسناء متزوجة من شيخ طاعن في السن ؟ و ختاما نؤكد أن العنصر المادي الصرف يظل الشرط الوجودي الخالص لانبناء عدد لا بأس به من الزواج المختلط الذي يتم تمثله كجسر عبور يساعد جدا في الحراك الاجتماعي والتحرر بالتالي من الفقر و العطالة.

٭ نلاحظ أن الأطفال الذين يتولدون عن الزواج المختلط يواجههم صراع لأي ثقافة ينتمون

ـ لكل شيء ثمنه ، وللقيم و"الاجتماعي" عموما الثمن الباهض، والأطفال المتحدرون من زيجات ممهورة بلغة الأرقام و أوراق الإقامة، هم الذين يؤدون هذا الثمن الباهض، ويحدث لهم في الغالب نوعا من الانفصام الاجتماعي خصوصا في حالة التمأسس المادي الصرف للزواج المختلط.

ففي هذه الحالة التي يغيب فيها التواصل و التفاهم القبلي، يسعى كل طرف إلى تأمين أساسياته الثقافية و تشريبها للأطفال، لضمان مزيد من الولاء والتمكن نهاية من السيطرة على مجموع النسق، من هنا يصير الأطفال محور كافة الرهانات ، كل طرف يريد أن يدفعهم في اتجاه ثقافته ودينه و طقوسه، والنهاية طبعا تحسم في الغالب لمن يملك وسائل الإنتاج و الإكراه، أو لمن يتمكن في الختام من الإمساك بكافة خيوط اللعبة.

الأطفال في هذا التسابق المحموم يظلون الحلقة الأضعف، وهم الذين يؤدون ثمن الزواج الخطأ، يؤدونه انحرافا ولا استقرارا نفسيا في كثير من الأحيان، ولا أدل على ذلك غير صعوبات الاندماج في أي من الثقافتين المكونتين لعنصري هذا الزواج بالنسبة إلى الأطفال، فلا هم يندمجون بيسر بالغ في ثقافة الأب ولا يوثقون العرى أيضا مع ثقافة الأم، تراهم دوما بين المنزلين، بهوية مهزوزة ومشاكل بالجملة.

الأمور طبعا لا تكون على هذا القدر من الصعوبة وسوء الاندماج في جميع حالات ومآلات الزواج المختلط، بل أحيانا يصير الاختلاف الثقافي والطقوسي مصدر إغناء لثقافة الأطفال، وهذا بالطبع يظل على الزيجات التي انبنت قبلا على غاية غير منهجسة بتسوية أوراق الإقامة وتحصيل الثروات المادية، وهذا ما يظل محصورا ومحدودا جدا في مشهد الزواج المختلط.

٭ ترى شريحة معينة في صفوف الشباب أن التقاليد والعادات أصبحت معطى لاغ في تقويض الزواج المختلط

ـ علينا أن نعلم أنه بموازاة أنماط التنشئة الاجتماعية، وعلى طول فعالياتها و مؤسساتها يستمر بشكل متواتر تشريب مجموعة من القيم وقواعد السلوك الاجتماعي المقبول الذي نصفه في كثير من الأحيان بـ "الصواب".

وفي إطار هذه القيم المستدمجة يتم التعويد على رسم البورتريه المحتمل بل والضروري لزوجة المستقبل، التي ينبغي أن تكون شبيهة لصورة الأم، وأن تكون مطيعة وطيعة و خادمة وجارية في خدمة الرجل أولا وأخيرا، لكن هذا البورتريه لا يصمد طويلا في ذهنية الشباب، بل يتعرض للتغيير والإضافة مع توالي الأيام و التجارب، وهكذا تصير الزوجة حداثية ومتعلمة بالنسبة للشباب خلال سنوات الدراسة، ومتعاونة ماديا وربة بيت خلال فترة العمل، وتصير بلا شروط محددة خلال فترات انسداد الآفاق وشيوع الأزمة.

وهذا يعني أن الإطار العام و الظرف الاجتماعي للشباب هو الذي يؤطر وينتج شروطه الخاصة للزواج، بل يمكننا القول بأنه كلما كانت الأزمة خانقة كلما كانت شروط الزواج الموضوعة من قبل الشاب غير صارمة بالمرة، في حين يصبح العكس هو المعمول به مع حالات الانفراج والرفاه الاجتماعي.

إذن هذه الخلاصة تدفع نحو التأكيد على أهمية العامل الاجتماعي في صياغة القيم والمعايير المرتبكة بالزواج، فشروط الزواج التي تنحتها الأسرة الممتدة لم تعد محترمة بشكل كبير من قبل شباب اليوم ، بل إنها أصبحت متجاوزة في كثير من الأحيان ، فذلك "الصواب" الاجتماعي يتعرض اليوم لمعاول الهدم والتقويض، وفي ذلك تأشير مباشر على التغيرات القيمية التي أشرنا إليها في البدء، فذات الشروط التعجيزية التي كانت تضعها الأسر في السابق قصد إتمام مراسيم الزواج صارت تقابل اليوم بليونة ملحوظة.

وتلك الشروط التي كان يرفضها الشباب أصبحت اليوم لا تثير حتى استغرابه، بل إن مسألة البكارة ذاتها التي كان من المستحيل التنازل بشأنها يبدو اليوم أن هناك تجاها سائرا في سبيل التعامل البارد والهادئ معها، فكثير من الشباب لا يتبرمون من الزواج من فتيات فقدن بكارتهن لسبب أو لآخر.

لكن الملاحظ أيضا أن هذه التغيرات لا يقف وراءها العامل الثقافي المفتوح على التحولات الثقافية الكبرى للمجتمع، بل يقف وراءها الفقر والهشاشة، وهنا مبعث القلق والخطر في آن، فأن يصير الفقر واللهاث وراء المال هو سبب التخلي عن القيم، لا يهم إن كانت تقليدية أو حداثية، وهو سبب اللهاث وراء صناعة زيجة مختلطة على غير المقاس.

ففي ذلك خطر أكيد على المجتمع واتساقه القيمي ، فمن أجل حفنة دراهم يمكن للمرء أن يبيع قيمه و يرضى بزيجات محكوم عليها بالفشل منذ لحظتها الأولى، وعلى العموم فهذه الأمور صارت اليوم تشكل ظاهرة بارزة، وهذا ما يتطلب من الباحثين و المختصين أن يهتموا أكثر بدوافعها وانعكاساتها التي لا تهم أصحابها، بل يمكن أن يلتسع بها المجتمع برمته، فماذا سيتبقى لنا لو فقدنا القيم في شقها الإيجابي طبعا ؟ لقد فقدنا معارك الاقتصاد والسياسة والأرض، فماذا لو فقد المغرب قيمه أيضا ؟ ألن تكون النهاية؟.

٭ يعد الزواج المختلط مصدرا للمحبة وازدياد التمازج وسببا للمخاوف العائلية في آن واحد

ـ لقد أبرزنا في الجواب على سؤال فائت أن الزواج المختلط صار يحظى بنوع من القبول الاجتماعي، رغم الاعتراض أو التبرم الصوري الذي يقابل به، كما كان التأكيد قبلا على أن شروط إنتاج وإعادة إنتاج هذا الزواج تظل سوسيو اقتصادية في غالب الأحيان، أوراق الإقامة، الرغبة في الهجرة بشكل قانوني بدل الغرق في مقبرة المتوسط، مراكمة الثروة و الانتهاء من وضع الهشاشة والفقر والعطالة.


كل هذا أساسيات مركزية داخل مطبخ صناعة هذا النوع من الزواج، وبالطبع فالزواج الذي يكون ممهورا بلغة الربح والخسارة لا بد وأن يكون مفتوحا على احتمالات الخسارة بدرجة عليا، على اعتبار أن الزواج لا يحسب ولا يفهم بهذه اللغة ، بل يبنى ويتطور ويتقوى بالقيم والمشاعر، ألم يقل باريتو بأن المشاعر هي القوة المحركة للتاريخ ؟ .

فمنذ البدء يعي طرفا هذا الزواج بأن هذه المشاعر هي آخر نقطة تستحق التفكير، على الأقل يكون هذا الاعتقاد من طرف العنصر الأضعف في العملية، وبالمقابل يصير هاجس الاستفادة هو الأكثر حضورا وتوجيها لمجريات هذا الزواج، وبين تحقق ذلك من عدمه يستثمر كل طرف إمكانياته من أجل تحصين الصفقة الاجتماعية وإطالة أمدها عبر تجييش العواطف وإبداء الطاعة العمياء ، لكن بعد تحصيل المطلوب يتغير كل شيء وينطلق العد العكسي لانتهاء العلاقة، أو لاندلاع شرارة المشاكل الاجتماعية على مستوى طرفي الزواج أو من أنجبوهم من أطفال.

إن الزواج المختلط وفقا لشروط إنتاجه المفتوحة على ما هو مادي صرف لا يمكن أن يكون إلا مفضيا إلى مزيد من المشاكل والصراعات الذي يؤدي ثمنها في الغالب أطفال يحملون في أعماقهم هوية مهزوزة، ولا يمكن وفقا للشرط المادي المنهجس بشرعنة الإقامة ومراكمة الأموال، أن يكون فرصة لحوار الحضارات و تلاقح الشعوب و تجسير الهوة بين الثقافات والأديان، فقليلة هي الحالات التي يكون فيها الزواج المختلط قائما بمثل هذه الأدوار، فالعامل السوسيواقتصادي يفرغ الزواج المختلط من محتواه العميق ويحيله مجرد صفقة تجارية للحراك الاجتماعي.

وهذا ما يجعل العمر الافتراضي للزواج المختلط مهددا دوما بالانتهاء في أي وقت ويجعله مفتوحا على احتمالات العطب الاجتماعي والنفسي للأطفال قبل الآباء.




تابعونا على فيسبوك