الزواج المختلط والهجرة

السبت 22 يوليوز 2006 - 13:44

إذا كان الكل يتفق على أن الهجرة ظاهرة قديمة عرفها الإنسان منذ زمن بعيد فإن هناك إجماع كذلك على أنها لم تطغ على الساحة الدولية .

كموضوع يفرض نفسه بقوة في العلاقات الدولية إلا في العقود القليلة الماضية لعوامل متعددة من جملتها الانفجار الديموغرافي لسكان العالم الذين بلغوا ستة ملايير منذ سنة 2000 مما يجعل التحكم في تنقلات الناس في الوقت الراهن أمرا صعبا خاصة في ظل التقدم التكنولوجي والتقني في عصر العولمة وتحطيم الحدود .

لكن ما تعيشه بعض الدول المتقدمة من مشاكل في السنوات الأخيرة تلقي فيها الحكومات اللوم على المهاجرين وتحديدا في بعض الدول الأوربية كهولندا وفرنسا وانجلترا تعود بداياته إلى مخلفات الحربين العالميتين الأولى والثانية التي أتت على الأخضر واليابس في القارة العجوز وغيرت الخصائص الديموغرافية لها حيث أصبحت في أمس الحاجة إلى يد عاملة قادرة على القيام بالأعمال التي لا تقدر عليها النساء الأوروبيات بعد أن حصدت الحرب أرواح جل الشباب والرجال ولم تترك سوى نساء وشيوخ لا طاقة لهم على العمل المضني والشاق.

اتجهت الدول الأوروبية إلى المستعمرات وفتحت أبوابها أمام الذين يرغبون في العمل في مناجمها والذين يتحملون قساوة نظام المعامل على الطريقة الرأسمالية.

ومرت السنوات وأصبح الوافدون على أوروبا في عز شبابهم كهولا وشيوخا لكن لهم أولاد تعلموا في مدارس بلدان إقامتهم وأغلبهم استطاعوا الحصول على شواهد تؤهلهم لولوج سوق الشغل حيث تمكنوا على مدى مدة إقامتهم من الاندماج في مجتمع البلد المضيف مما طرح لهذه الدول مشاكل تتعلق باحترام حقوق المهاجرين وتمكينهم من ممارسة طقوسهم وإحياء تقاليدهم، وبالأخص أولئك الذين يحملون جنسية بلدان إقامتهم فيعتبرون بذلك قانونيا مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات مثلهم مثل " الأصليين " .

واعتبرت هذه الدول المشاكل التي عرفتها أمورا داخلية ولم تقبل أي تدخل من الأطراف الأخرى، في ظل ازدياد حجم المهاجرين ودخولهم في علاقات وروابط مما حتم على الدول المعنية أن تخرج عن صمتها وتولي للظاهرة الاهتمام الذي تتطلبه، وهكذا نجد وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي يدعو إلى ما سماه "الهجرة الانتقائية" .

وإن كان من الواضح أن الدول المتقدمة تقوم بذلك فعلا عن طريق استقطابها "لأدمغة" دول العالم الثالث في عصر التكنولوجيا والتقنيات الجديدة.

في الوقت الذي هددت فيه عدة دول بطرد المهاجرين الذين يوجدون على أراضيها بطريقة غير قانونية دون الاكتراث بما قد يخلقه تصرف من هذا القبيل من مشاكل لدولهم الأصلية
وإذا كان دخول المهاجرين في علاقات أسرية وروابط عائلية مع سكان البلدان المستقبلة قد فرض على الدول الأصلية والمضيفة التعاون في ما بينها للسهر على ضبط وضعيتهم القانونية مع العمل على حل المشاكل التي قد تعيقهم في حياتهم مثلما تعاونت الدول المعنية فيما بينها باستثناء التي تدعي أن لا علاقة لها بالموضوع كالجزائر مثلا في مؤتمر الهجرة المنعقد مؤخرا بالرباط بغض النظر عن انعقاده على خلفية الرغبة الأوروبية في مواجهة جحافل المهاجرين غير الشرعيين في الأراضي الإفريقية قبل أن يعبروا حوض البحر الأبيض المتوسط.

ومن جهتها عملت الدول الأصلية على فتح قنصليات ذات اختصاصات مدنية وإدارية لجعل مواطنيها من المهاجرين في علاقة دائمة مع بلدهم الأم بجانب السفارات ذات الاهتمامات السياسية والدبلوماسية، بل إن بعض الدول قامت بإحداث مؤسسات خاصة للدفاع عن حقوق مهاجريها.

فالمغرب مثلا أنشأ قبل سنوات مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ولما تأسست مؤسسة محمد الخامس للتضامن أصبحت بدورها تقدم مساعداتها وخدماتها للعائدين إلى أرض الوطن خاصة في فصل الصيف.

غير أن قرار جلالة الملك منح الجنسية المغربية لأبناء المغربيات من أب أجنبي اعتبر من أهم المبادرات التي قام بها المغرب في سبيل تحسين أوضاع جاليته بالخارج فضلا عن الإعلان عن قرب إنشاء المجلس الأعلى للجالية برئاسة جلالته ناهيك عن مشاركة المغاربة المقيمين في الخارج في الاستحقاقات المرتقبة في السنة المقبلة تصويتا وترشيحا
إن الدول المتقدمة تستقبل المهاجرين وفق متطلباتها فلما كان اقتصادها يعتمد على الصناعات التعدينية والمناجم قبلت بكل من يرغب في العمل في هذا المجال، أما الآن وبعد أن أصبحت تعتمد بشكل كبير على التقنيات الجديدة التي تتطلب خبرة وتكوينا على أسس علمية، أضحت تنتقي المؤهلين لذلك مما أدى إلى استنزاف "أدمغة" الدول الفقيرة.

لكن الأكيد أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد لأن الدول الكبرى في حاجة ماسة إلى أفواج أخرى من المهاجرين في السنوات القليلة المقبلة في ظل ارتفاع نسبة الشيخوخة فيها حتى أن بعضها ليسجل معدل نمو طبيعي سالب.




تابعونا على فيسبوك