حكاية حفل زفاف

الصحراء المغربية تحضر عرسا في الدار البيضاء

الأربعاء 19 يوليوز 2006 - 17:55
عروس بالتكشيطة

أدى التلاقح الثقافي الذي تتميز به مدينة الدار البيضاء جراء احتضانها لعينات مختلفة من سكان جميع مناطق المغرب، إلى ظهور عادات تمزج بين عدة تقاليد، وهو الأمر الذي انعكس بالأساس على احتفالات أعراس الزواج.

فكان من بين نماذجها هذا الحفل الذي حضرته "الصحراء المغربية"، والذي جمع بين عائلتين من مدينتين تفصل بينهما أكثر من 320 كلم، إنهما مدينة مراكش وسلا .

تنحدر عائلة العروس من مدينة مراكش فيما تتجدر أصول أسرة العريس من مدينة سلا، ونظرا لما تنفرد به هاتان المنطقتان من عادات خاصة، تختلف كل واحدة عن الأخرى وكانت مدينة الدار البيضاء التي نشأ فيها العروسان، الفاصل الذي حاول إدماج الإرثان الثقافيان والخروج بصيغة متوازنة لعرس مغربي صرف.

قبل موعد حفل الزواج حوالي 15 يوما تتخذ جميع التحضيرات للقيام بعملية دعوة الأهل والجيران سواء داخل المدينة أو خارجها، كما تقول والدة العروس، مضيفة أنه لا يمكن للعارضة أن تتحرر من مسؤوليتها إلا بتسليم الدعوة مباشرة للمعني أو معاودة الذهاب إليه ثلاث مرات في حالة عدم وجوده.

وقبل اليوم الرسمي للحفل يقام ما يعرف بحفل الحناء، وخلاله جرى التهييئ منذ الصباح لاستقبال أهل العريس، وحوالي الساعة الرابعة بعد الزوال أعلنت أصداء أنغام فرقة "الدقة المراكشية" قدوم أقارب العريس ليستقبلوا من طرف أهل الدار وعلى رأسهم أم العروس بالتمر والحليب كتعبير على الترحيب وحميمية الأجواء.

كان أهل العريس محملين بأطباق الحناء والتمر وبعض الملابس وقطع من الذهب، وقبل أن يجتمع الجميع بصالون فسيح جلست في صدره العروس وأمامها النقاشة التي أسلمت لها أيديها وأرجلها في ما بعد، وعلى نغمات فرقة من "الهواريات" وهي مجموعة يتكون جميع أفرادها من النساء، تخضيب اليدين والرجلين بالحناء هو من الطقوس الأصيلة للزفاف المغربي، فمن المستحيل التخلي عن هذه العادة لأن المغاربة يتفاءلون بالحناء ويعتبرونها مصدر تفاؤل لحياة العروس، إذ يقول المعتقد الشعبي إن التخلي عن هذه العادة لهو نذير شؤم للحياة الزوجية، وتناوبت الفتيات غير المتزوجات على "النقّاشة" من أجل تخضيب أيديهن أو على الأقل بعض أصابع اليد من باب "الفأل الحسن" بقدوم عريس.

وقبل انتهاء النقاشة من مهمتها دخلت أم العروس وبيدها دملج فضي لتضعه في طبق وضع فيه مسبقا البيض وقليل من الحناء، وحسب أم العروس، يستعان به عوض السكين لإزالة الحناء من يد العروس عندما تجف، إنها تقاليد انتمائنا، تؤكد المرأة.

في اليوم الموالي الذي هو موعد الحفل الرسمي، كانت جميع الترتيبات جاهزة قبل حلول منتصف اليوم علما أن الحفل ابتدأ في حدود الساعة العاشرة ليلا بإحدى قاعات الأعراس في منطقة "عين الذئاب"، وسبقه توجه العروس لصالون التزيين للخضوع لآخر اللمسات التي ابتدأ الاستعداد لها منذ حوالي عشرة أيام.

استهل الحفل بموسيقى منفردة دون غناء، في الوقت الذي مازال توافد الضيوف مستمرا على القاعة، والدا العروس والعريس ينتقلون من مائدة إلى أخرى من أجل الترحيب
دقت حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلا ليعلن عودة العروس محاطة بفرقة "عبيدات الرمى" فترك كل واحد في القاعة مكانه ووقف لتحيتها، في ما ترد بابتسامة امتزج فيها الخوف بالدهشة، وأيضا تعليمات خفية من "النكافة" للمحافظة على ابتسامتها
ساعدت رقية النكافة ومساعدتيها العروس كي تجلس، والجميع يردد معهم "الصلاة والسلام على رسول الله"، أما فرقة "عبيدات الرمى" فواصلت ترديد أغانيها وحركاتها الاستعراضية في ظل هذه الأجواء الملتهبة الحميمة، اقتنصنا فرصة للالتحاق بمطبخ العرس والمشرفات عليه، إنهن ثلاث نسوة ينتمين لعائلة العروس، فهمست واحدة منهن لنا بعد السؤال طبعا بأن الاتفاق جرى على أن يقدم في وجبة العشاء "البسطيلة" المعمرة باللوز والدجاج ثم اللحم المحمر بالبرقوق، هذا إلى جانب المشروبات الغازية والفواكه التي توزع بعد الوجبة الرئيسية، ولم تخف هذه الطباخة الملمة بجميع أصناف الطبخ المغربي، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

العودة إلى قاعة الاحتفال صادفت طلب النكافة من العروس مرافقتها إلى بيت خاص لتغيير زيها بزي آخر، وأفادت رقية النكافة أن الالتزام بعدد معين من "اللبسات" الفاسية والمراكشية والشلحاوية والوجدية وأحيانا الهندية، يجري مسبقا، فكل هذه الأمور متجاوزة حاليا وكل ما يهم أن يكون اللباس المتمثل في "التكشيطة" بتصميم وخياطة أنيقة مع التركيز على الحلي، التي تقول عنها رقية ينبغي أن تكون رسمية.

وبالموازاة مع لحظة تقديم وجبة العشاء أنشدت الفرقة الموسيقية بعض المقاطع من الطرب الأندلسي، ولوحظ انسياب عميق وانسجام تام لأهل العريس مع تلك النغمات لدرجة أن منهم من تحولت يده لا شعوريا من طبق الأكل إلى الضرب برفق على الفخذ تماشيا مع إيقاع الموسيقى.

اعتبرت لحظة حمل العروس في "العمارية" أقوى لحظات الحفل إلى جانب لحظة وضع الخواتم بين العريس والعروس، إذ تبقى الفرصة التي يقترب فيها العروسان بحضور الجميع في صورة تآلف، كما أنها تشعر الجميع باقتراب نهاية الحفل، وبالتالي تؤكد لديهم الرغبة في تفريغ كل ما تبقى لهم من حماس.

غادر المدعوون مقر الحفل مباشرة بعد أن ارتدت العروس فستانا بتصميم أوروبي، ووزعت على الحضور بعض القطع من الحلوى قبل أن يفاجئها نزول بعض الدموع وهي تقبل يد والدها على الدرج المؤدي لسيارة أطلقت العنان لمنبهها على طول الطريق التي عبرتها للوصول هي وزوجها إلى إحدى الفنادق بمنطقة "عين الذئاب" .




تابعونا على فيسبوك