على كرسي تهالكت إحدى أرجله، وبملابس نظيفة ومتناسقة رغم بساطتها، جلس مصطفى البالغ 38 سنة، في وضع غير متوازن يمسك بيده اليمنى قلما وفي الثانية ملفا يتضمن نماذج استمارات وحوالات بريدية، لكن دون أن ينطق بكلمة واحدة، فموضعه بمدخل المركز البريدي يدل على المهمة التي يضطلع بها في هذا الفضاء العمومي، فهذا الشاب ذو القامة القصيرة، والنحيف الجسم، أجرى أكثر من مرة اختبار ولوج مفتشي وزارة الاتصال، دون نتيجة إيجابية، يتمنى كل لحظة أن يدخل المركز البريدي، شخص لا تسعفه مداركه المعرفية لإنجاز الإجراءات بمفرده، حتى يتمكن هو من لعب هذا الدور، وكسب دريهمات تؤنس مفاتيح البيت التي تحتكر جيبه.
رغم وضعه الاجتماعي المعتل، ووقوفه على مشارف سن الأربعين، دون أن يحقق شيئا يذكر في حياته، يحاول مصطفى الحاصل على شهادة الإجازة في العلوم الاقتصادية، تجاهل واقعه حتى لا يضيف لمتاعبه مرض السكري، حسب ما يعتقد، لذلك تجده كما قال يلغي أي تصور لرغباته المستقبلية ويتعايش فقط مع اليوم الذي يحيا، قال مصطفى الذي حولت لفحات الشمس وربما عوامل أخرى سحنة وجهه إلى السمرة، "كثيرة هي الأمنيات التي خططت لبلوغها أيام دراستي، ولم أبلغ منها هدفا واحدا، فكيف أطمع إذن في أن أتدارك ما مضى واليوم الذي يحل أكتشف بأنه أسوأ من سابقه".
تنحصر مهمة هذا الابن البكر في أسرة، تتكون من خمسة أفراد، في ملء بعض الاستمارات البريدية للعاجزين عن ذلك، كما أنه وبدرجة أقل يعمل على قراءة الرسائل للأشخاص الأميين، وخصوصا تلك المكتوبة بلغة أجنبية "فرنسية أو إنجليزية"، وأيضا يهتم بكتابة رسائل على هذا النحو كذلك.
وقوع مصطفى الذي هجمت شعيرات الشيب على مفرقيه، في موقف لم يكن يتمناه لأعدائه، حسب تعبيره، جعله يتبنى أفكارا يستغرب منها هو أولا قبل أي شخص آخر، إذ أدى به تنكر المحيط لقيمته الشخصية، مثلما تنكر المسؤولون لشهاداته التعليمة، إلى أن يصبح أنانيا في تطلعاته الآتية ويتلهف على أساس ذلك إلى رؤية الجميع لا يستطيع "تمييز الألف من الزرواطة"، وبالتالي يهيم الكبير والصغير، في عتمة الجهل والأمية، ربما هذا الواقع سيعيد له الإحساس بقيمة السنين التي قضاها على كراسي الثانوية والجامعة، ومن يدري فقد يأتي صباحا ويجد كرسيه اللامتوازن استبدل بآخر "يدور دورة كاملة" في غرفة كتب على بابها "مدير الوكالة البريدية".
وفي جوابه عن القرار الذي سيتخذه إزاء من سيحل محله بباب المركز البريدي، قال مصطفى بهدوء وبعد تفكير طويل "سأختاره نائبا لي، لكن على أساس أن يحتفظ بمهمته الأولى، حتى لا نضطر لإضافة كتاب رسائل آخرين "على حنا غادي نقابلو غير هاذ الكتاب" .