خيم متناترة هنا وهناك بألوان تتشكل من الازرق والبني والاخضر، إنه كرنفال الخيام على الشاطئ خلال فصل الصيف، منظر هاته الأخيرة يغري الناظر بتفحصها عن قرب.
أشكالها تختلف بين المربعة والمثلثة والمستطيلة وهناك من اغتصب شكلها الأصلي بإضفاء جزء هلامي آخر لها، تتشبت الخيام برمال ذهبية أخادة تداعبها أمواج تتكسر بدلال عليها، لوحة طبيعية سرعان ماتركض هاربة عندما تلمح أثاث المنزل هو نفسه قد حل ضيفا على الشاطئ واحتل زوايا الخيام، هل في ذلك تقديس لتفاصيل الحياة المغربية أم غياب لثقافة التغيير والبساطة وخلق عوالم بديلة عن ميكانيزمات الحياة اليومية.
تراهن يركضن مندفعات على اللحاق بالحافلة رقم 9 المتجهة لشاطئ عين الذئاب، نسوة يتعثرن بين الخطوة والأخرى بسبب القفف الكبيرة التي يحملنها، وثقل وزنها، إلا أنهن وفي غمرت انشغالهن بالقفف يوجهن تعليمات لأطفالهن " عنداك الشانطي ".
في بداية المطاف وليس نهايته، تمكن من امتطاء الحافلة، المتجهة بطريقة متباطئة صوب الشاطئ، لعله الاكتظاظ الذي زاد من حدته، حجم الأمتعة التي يحملها الركاب، تتراقص رؤوس هؤلاء على أنغام الموسيقى المختلفة، الشعبية والغربية والشرقية، بعضهم أغلق مسامعه من كثرة الضجيج الذي تحدثه أبواق المسجلات.
بمجرد وصول الحافلة، يتنفس المتضايقون وتنبسط أساريرهم للشمس والمياه وتنساق أرجلهم وراء الرياح في اتجاه البحر، حيث يركض الأطفال في مرح عارم نحو الأمواج الزرقاء، في حين تنشغل الأمهات بإفراغ القفف من محتوياتها، هذه "برمة وكسكاس" وهذه كؤوس وصحون وغيرها مما خف حمله أو ثقل، بالمختصر المفيد، مطبخ متنقل.
تنهمك النسوة في التحضير لوجبة الغذاء وأعينهن تسافر بين الفينة والأخرى إلى الشاطئ بحثا عن أطفالهن، تقول مليكة "تمارة تابعانة حتى في البحر، الناس يتبحرو واحنا لكوزينة لاصقة فينا الله يدير لينا تاويل ديال الخير"، سألناها أن تجرب السندويشات الخفيفة في النزهة لتتمتع هي الأخرى بروعة الطبيعة فضحكت مجيبة "أولادي ما يكفاهمش السندويش وأنا مكنحملش ماكلت الزنقة".
أما فاطمة، فقد تحدثت إلينا وهي تأكل من صحن، لمحنا به البطاطيس والجزر، "البحر كيجوع ما ينفع معاه غير تغماس وماكلة الدار هي الحل والسندويشات إلى طايبين في الزنقة معرفناش لجو اللي طابوا فيه، واش نقي ولا امسخ".
كانت سناء تنظر إلى المحيطين بها نظرة حالمة ومتفحصة، لم يكن حولها سوى فوطة السباحة وبعض الأغراض الخفيفة مثل زجاجة الماء وواقي الشمس ونظارات، ظلت سناء تحادث المصطافين حولها، إلى أن حان وقت الغذاء فكشفت عن ورق الأليمنيوم ملفوف به ساندويش تحدثت وهي تأكل "للأسف ليست لدينا ثقافة الإصطياف، الكل يفكر في بطنه ولا يفكر في نفسه، أقصد الصحة النفسية، هذا شاطئ جميل يجدر الانتعاش ببرودته وهذه رمال ذهبية تغري بالانبطاح فوقها تحت أشعة الشمس الذهبية للحصول قبل الغروب على اللون البرونزي، أشعر بالحسرة على هؤلاء الذين يعيشون في البحر نفس أجواء المنزل ألم يرهقهم الروتين، الوضع يدعو إلى الاستغراب".
على النقيض من سناء اعتبر أحمد أن جل العائلات المغربية تلجأ إلا نقل أجواء المنزل إلى فضاء طبيعي مختلف عن البيوت، إذ يكون المرء أكثر إنفتاحا وحرية وعلاقته التواصلية بالمحيط الخارجي تكون مرنة.
واعتبر عبد الرحيم العطري الاختصاصي في علم الاجتماع في تصريح لـ "الصحراء المغربية" أن ما يلاحظ من أغراض التصبين والطبخ قرب الخيام المنصوبة يؤشر فعلا من جهة على أن التخييم مغربيا يكون بشق الأنفس، ومن جهة ثانية يدل على الغلاء الذي يصادف المصطافون.
وقال "إذن فالأسر المغربية في عمومها تجد صعوبة بالغة في تدبير رهان الاصطياف، وإن توفرت لها الأسباب، وعلى قلتها، فإنها تبدع من أجل الاصطياف بأقل الخسارات، لأن الاصطياف يظل مرحلة في سلم الانشغالات الحياتية متبوعا بمصاريف أخرى من قبيل الدخول المدرسي وخروف العيد والسلفات".
وشدد الاختصاصي في علم الاجتماع مستطردا "الاصطياف مغربيا لا يمكن أن نقرأه كليا بعين الاصطياف الأوروبي، فلكل مجتمع خصوصياته ومعطياته، بل إنه داخل المجتمع الواحد كما في حالة المغرب، نجد أن لكل صيفه واصطيافه"، وأضاف أن "هناك اصطياف عالي الكعب يرفل في أبهاء الفنادق والشاليهات والفيلات، وهناك اصطياف في حدود المتوسط بثقافته وطقوسه الخاصة، وهناك اصطياف شعبي بشق الأنفس يبصم مسارات مغاربة كثيرين هنا والآن، لكن السؤال المطروح آنا هو متى يصير الاصطياف حقا وليس امتيازا بالنسبة لكل الأسر المغربية؟".
بعيدا عن الأسر أو الأفراد الذين يرتادون الشاطئ بطريقة يومية وقريبا من الأشخاص الذين يفضلون التخييم لمدة يحددونها حسب رغباتهم وقدراتهم المادية، فمنهم من يختار كراء منزل شاطئي صغير ومنهم من يفضل نصب خيمة قد تكون في ملكه أوفي ملك صاحب الأرض وفي هذه الحالة فالثمن يختلف، والجميل في الأمر أن كل من صادفناهم برغم من أوضاعهم المادية المساعدة فهم يفضلون الخيام على المنزل الشاطئى إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن هاته الفئة تضم بالأساس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ما يدفعنا للتساؤل حول طريقة التفكير هاته هل هي مغربية قحة أم ثقافة غربية تشبعوا بها في بلاد المهجر.
بشاطئ الواليدية قرب الجديدة وجدنا كريم يكنس خيمته وهو يدندن مع إيقاعات جورج وسوف, سرح بنظره في اتجاه البحر وهو يردد "لايوجد أبهى من البساطة في العطلة, على المرء أن يتحرر من الروتين، وهذا هو سر إحداث العطل" .
أما سهام فنظرت إلى محتويات خيمتها بحب وقالت "إنه فضاء حميمي نؤثته بأذواقنا حبا لدواتنا في هذه العطلة الجميلة".
في حين كان لحسن رأي آخر، إذ أعلن قائلا "أظن أن الشخص الذي تتوفر لديه الإمكانيات المادية، سيسطاف في مكان راق كالشقة أو الفيلا، ولو توفرت الإمكانيات المادية للجميع لن يترددوا في قضاء عطلهم في أماكن راقية ومريحة" .
الحديث عن الامكانيات المادية، جعل عبد الرحيم العطري يؤكد وجوب "الاعتراف بدءا بأن الاصطياف والتخييم يختلف من حيث الممارسة من فئة اجتماعية إلى أخرى، تبعا لاختلاف مستوى الدخل وطبيعة المستويات الاجتماعية، بل إن هذا التفاوت التخييمي ينسحب أيضا على جميع مراحل الاصطياف بدءا من الاستعداد القبلي، مرورا بالمواصلات واختيار الوجهة فضلا عن النفقات والطقوس المصاحبة لهذا الفعل" .
وقال في التصريح نفسه "في قراءة الفعل، أي فعل، من زاوية سوسيولوجية، لا يمكن تفسير الفعل الاجتماعي إلا بالاجتماعي، ولا يمكن قراءة الظاهرة إلا في شموليتها المفتوحة على عوامل أخرى، اعتبارا للتداخل والتركيب والتعقيد الذي يبصم الشرط الاجتماعي".
واستطرد موضحا "وعليه فالتخييم والاصطياف مغربيا يعبر من خلال فعالياته عن التشكيلة الاجتماعية، عن صراعاتها وانكساراتها، عن حالها ومآلها أيضا، ومنه يمكن التمييز بين ثلاث مستويات على الأقل للتخييم بالمغرب" وصنف الاصطياف في المغرب.
إلى "الاصطياف العالي الكعب الذي يظل حكرا على الذين هم فوق، والذين يتوجهون بالأساس نحو فيلاتهم وشالياتهم البحرية والجبلية أو مباشرة نحو الفنادق الفاخرة، وهناك اصطياف في حدود المتوسط تمارسه الأسر المتوسطة الدخل والتي تتشكل في الغالبية العظمى من الموظفين، وهؤلاء يتوجهون في غالب الأحيان نحو مخيمات للإصطياف بأسعار معقولة، أو يلجأون لكراء الشقق في المدن التي تشهد نشاط في عز الصيف".
أما الصنف الثالث يقول العطري فيمكن وصفه "بالاصطياف بشق الأنفس، ويمارسه أناس قادمون من دنيا الفاقة والتهميش، ورغبة منهم في تزجية فصل الصيف هربا من حرارة المناطق الداخلية أو فقط من أجل تغيير الأجواء، ولهذا يختارون أقل الأسباب تكلفة من أجل تمضية الصيف سواء بالحلول ضيوفا على الأهل والأحباب أو الالتحاق بالحامات الشعبية والمزارات والمواسم".