يعتبر فصل الصيف الفرصة المواتية لمعظم الأسر من أجل الاستفادة من عطلتها السنوية، لذلك تكون الوجهة غالبا نحو الفضاءات الطبيعية، سواء كانت بحرا أو جبالا أو غابات.
والغاية عموما هي الابتعاد قدر الإمكان عن الأجواء التي من شأنها إعادة ذاكرة المصطاف إلى طبيعة الروتين الذي يعيشه في بيته بشكل يومي.
وهذا ما يفسر اختيار بعض الناس للخيام بدل البيوت " المعروضة للكراء " من أجل قضاء عطلتهم، رغم من الامتيازات التي يقدمها أصحاب هذه الدور، وافتقار الخيام لبعض المرافق الأساسية والمألوفة لدى المصطاف في حياته العادية، غير أن ما يفتح مجالا للاستطلاع هو ليس فقط انتقال بعض الأسر من سكنها الأصلي إلى سكن مشابه له بالقرب من أحد المصطافات، وإنما الحالات التي يغير فيها أصحابها، وإن مؤقتا، مساكنهم بأخرى تعود لأقاربهم بأحياء غارقة في ضجيج المدينة وصخب حركتها.
تتخذ أسرة بوهلال هذه الأيام جميع تدابيرها، لأجل أن تحط الرحال في مدينة الصويرة خلال أحد الأيام العشرة الأخيرة من الشهر الجاري، وتحديدا في بيت شقيقه عبد الوهاب, وبحسب رب الأسرة، فإنها ليست المرة الأولى التي سيقضي فيها وأسرته الإجازة الصيفية هناك، وإنما أصبح الأمر بالنسبة إليهم عادة، بل حتى أن عدم سفره في صيف عام 2002 لأسباب خاصة، خلق بعض الشنآن بينه وبين أخيه، الذي اعتبر السبب ترفعا وعدم رضى بمستوى الضيافة التي يقدمها.
يقول بوهلال، البالغ 37 سنة "من بين المفارقات التي أصبحت تطبع موضوع سفري والأسرة إلى حيث يقطن أخي، ضرورة إخباره وأيضا إقناعه حالة إلغائي لقرار الرحيل أو مجرد تأجيله، أما عدم اتصالي به فهذا يعني مسبقا بأن سفري مؤكد، وبالتالي عليه أن يتوقع وصولنا في أي لحظة.
ويستطرد المتحدث الذي يشتغل محاسبا بإحدى الشركات، بكون بداية الحكاية تعود إلى الأعوام التي كان يجتمع في صيفها جميع الإخوة ببيت والدهم بقرية الشياضمة "إحدى ضواحي الصويرة"، إذ وبعد أن توفي الوالد, صانع الفكرة، واستقرت والدتهم عند إحدى بناتها بمدينة سلا, حاول الأخ الأكبر التمسك بهذه العادة واستضافة أشقائه خلال كل موعد صيفي, لكن وأمام حدوث مستجدات على الأوضاع العائلية لباقي الإخوة, وتعذر التزامهم بالسفر للمدينة نفسها كل صيف, بدأت العادة في التراجع إلى أن استقرت بين أسرة عبد الوهاب وشقيقه.
من جهتها لا تبدو فتيحة، 32 سنة، متحمسة لهذا السفر، معتبرة خلفية "الصواب" التي يعتمدها زوجها وحرصه على إرضاء أخيه، ليست بأسباب منطقية لتكون قبلتهم كل سنة هي مدينة الصويرة، في حين أنهم لم يزوروا الكثير من المدن، ولم يتذوقوا قط طعم الاصطياف في مخيم شاطئي أو جبلي، وتضيف فتيحة قائلة، إنه إذا كانت العطلة عادة هي فرصة لالتقاط الأنفاس والارتياح من تعب عام كامل، فإنها تأخذ معنى معاكس لديها تبعا للطريقة التي تقضيها بها.
تقول فتيحة موضحة "أعتبر قرار قضاء العطلة عند أسرة أخرى أمرا ينافي منطق التفكير السليم، لأن عنصر الحرية الذي نتوخاه من العطلة يلغى في ظل تلك الأجواء التي تتضارب فيها الآراء والأذواق وأيضا القرارات، علما أن النتائج تكون بشكل أسوأ لدى الأسرة الضيفة"، وتستدرك فتيحة بالقول "داخل هذه الأسرة المستضيفة تظل الزوجة الطرف الأكثر تضررا، بفعل خروجها من مطبخ بيتها ودخولها مطبخا آخر دون تغيير يذكر باستثناء ازدياد المهام، أما الزوج والأبناء فحظهم أوفر على الأقل لتمكنهم من مغادرة البيت والالتحاق به حسب مشيئتهم".
وفي جوابها عما إذا كان هدف زوجها تتقاسمه إلى جانب الرغبة في صلة الرحم غاية التقليل من المصاريف، ردت فتيحة بابتسامة مصطنعة وهي تخاطبنا "لو عاودتم الزيارة يومين فقط قبل سفرنا لتأكدتم من خلال قائمة المشتريات، القيمة المالية التي ننفقها، هذا دون الحديث عن المصاريف اليومية التي نتكلف بها منذ أن تطأ أقدامنا ذلك البيت وإلى أن نغادره في اتجاه الدار البيضاء، لكن وللأسف كل من لم يعاين عن كثب الظروف التي تمر فيها العطلة بالنسبة لنا يعتقد الشيء نفسه الذي طرحتموه، أقول هذا لأن أصواتا من داخل العائلة رددت هذا الكلام، وأشاعت كوننا استغلاليين ونبني مستقبلنا على حساب غيرنا، والحقيقة أننا الخاسر الأكبر ماديا ونفسيا" .
أسرة أخرى يعاني أفرادها الإشكال ذاته، لكن باعتبارها الطرف المستضيف والمتحمل لجميع أعباء الاستضافة، الأمر الذي يجعلها بين اختيارين أحلاهما مر، كما يقول العربي، 43 سنة، وهما التفكير في المصلحة الذاتية للأسرة وبالتالي ضرب عرض الحائط أي اعتبار لزيارات الآخرين، أو إرضاء هؤلاء على حساب راحة الأسرة وحقها في قضاء العطلة على الطريقة التي تناسبها، وباعتبار عاداتنا، يضيف العربي، موظف، يبقى بعيدا عن التفكير مجرد الاعتذار أو رفض استقبال ضيف اختار بيتك لقضاء العطلة أو جزء منها، رغم من العواقب الآنية والمستقبلية التي نجنيها بهذا السلوك.
ولم يستطع العربي تحديد طبيعة جميع العلاقات التي تجمعه بمن يزوره لقضاء عطلة الصيف، على اعتبار أن كل من له صلة قرابة به أو بزوجته، يعتبر منزله محطة أساسية في أيام العطلة، والسبب، حسب ما يذكر, يعود إلى كونه الوحيد في عائلته الذي يقطن مدينة الدار البيضاء، والأكثر من ذلك أنه يقيم في منزل قريب جدا من شاطئ عين السبع
وبمجرد أن تطرق محدثنا لهذه النقطة انفجرت زوجته ضحكا لتعلق بقولها : "الحل إذن لقيناه، لازم نبدلوا الدار أو المدينة"، فأجابها العربي : "هاذو والله حتى يتبعوك واخا تمشي لـ لأسا الزاك" على شكون اللي كيكره فابور فهاذ البلاد".
وتتأسف ماجدة، 38 سنة، لكون بعض أقاربها يرسلون أبناءهم إليها دون إذن أو التأكد من خلال السؤال "بأننا لن نسافر هذه السنة، أو مستعدين لاستقبال أطفالهم، وبطبيعة الحال فلهؤلاء الأطفال حاجيات نجبر على توفيرها، وأحيانا نضطر لحرمان أبنائنا من بعض متطلباتهم لضرورة تلبية الطلب نفسه بالنسبة للزائرين الصغار".
وبعيدا عن هذه الأجواء المشحونة التي تتخبط فيها كل من أسرة بوهلال والعربي، وجدنا في أسرتين، إحداهما تقطن مدينة آسفي والأخرى مدينة الدار البيضاء توافقا على جميع المستويات، بحيث تعمدان منذ سنين إلى قضاء عطلة الصيف بإحدى هاتين المدينتين، وفي السنة الموالية بالمدينة الأخرى، في حين يقضون عطلة السنة التالية في مكان آخر من اختيارهم جميعا.
وقد بلغ الانسجام بين هاتين الأسرتين حد الاتفاق على نفس اليوم الذي يطلب فيه الأزواج الإجازة من إدارات عملهم، كما أن الأمور المادية التي تكون عادة السبب في تأزيم العلاقات يناقشون تفاصيلها كالأعداء، حسب تعبير محمد، رب الأسرة القاطنة بالبيضاء، الأمر الذي لا يترك مجالا للاختلاف، والدليل، يؤكد محمد -ممرض- هو استمرار هذه العادة لما يزيد عن عشر سنوات، هذا بصرف النظر عن كون الزوجتين شقيقتين.
وتشير فدوى، 40 سنة، في تذكرها لأحد المواقف الطريفة بهذا الخصوص، إلى أن زوجها اقترح في إحدى السنوات أن تتبادل الأسرتان مفاتيح بيتيهما "أي أن تمضي أسرة البيضاء العطلة في آسفي والعكس صحيح، وبالفعل تمت التجربة، تستطرد فدوى، لكن ما إن مرت ثلاثة أيام حتى استفاق زوجها في اليوم الرابع على ضجيج حزمها للحقائب وتجهيزها أمام الباب، تستحضر فدوى : "لا أدري وصف الإحساس الذي أصابني وقتها، فقد شعرت بضيق شديد، لأن العطلة اقترنت بالنسبة لنا باجتماع الأسرتين، وهذا ما تداركناه حين اندهشت أختي وهي تفتح لنا الباب، قبل أن ترتمي في حضني وتعقب كونها كانت ستقوم بالفعل ذاته لو مر يوم أو يومان آخران" .