لم يتأت لحاكم عربي ولا أجنبي أن يجرب من العقائد السياسية بقدر ما فعل العقيد معمر القذافي في عهده الطويل على رأس السلطة في ليبيا ذات الاسم الرسمي الطويل أيضا.
فرغم أن فكر الزعيم الليبي بقي مؤطرا ضمن سياق إنساني عام وهلامي، إلا أنه اقتبس عدالة الاشتراكية وأخلاقيات الدين، ونزعة القومية وثورية الفوضوية، دون أن يحدث في كل ذلك قطيعة مع الرأسمالية، ليبشر البشرية بـ "النظرية العالمية الثالثة" التي ضمنها في "الكتاب الأخضر" وحدد كمجال لتطبيقها "الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى"، المسلحة بـ "اللجان الثورية" و"المؤتمرات الشعبية".
على مستوى السياسة الخارجية، وبدافع القومية والإعجاب المبكر برمزها جمال عبد الناصر جرب العقيد الوحدة مع كل البلدان العربية تقريبا، لا فرق في ذلك بين الأنظمة الجمهورية والملكية، حتى إذا أصابه الإحباط بالفشل المتكرر لمحاولات لم تعمر أزيد من بضعة أشهر، ولم تنتقل أبدا من الورق وإعلان النوايا إلى أرض الواقع، غير هواه نحو القارة الإفريقية وهدد علنا بالطلاق البين مع القومية العربية مهددا بالانسحاب من الجامعة العربية، بعد أن استبدلها بـ "الاتحاد الإفريقي" الذي كان عرابه الأكبر لدى ميلاده في مدينة سرت الليبية، مسقط رأسه قبل 64 عاما وحتى القضية الفلسطينية التي استنزفت العرب وفرقتهم على مدى أزيد من نصف قرن وجد لها الزعيم الليبي حلا لغويا في صيغة "إسراطين"، كما أرجع من قبل شكسبير إلى "أصله العربي" باسم الشيخ الزبير.
يعتبر العقيد عميد الزعماء العرب، فقد قضى في الحكم حتى الآن 37 عاما، منذ "ثورة الفاتح" في شتنبر 1969 ولد معمر القذافي بمدينة سرت عام 1942، وتلقى تعليمه الأول في بلدته ودرس ما بين 1956 و1961 في سبها.
وأثناء دراسته الأولى كان مع بعض زملائه يشكلون نواة لحركة ثورية كانت وراء إسقاط نظام الملك الشيخ إدريس السنوسي، عام 1969 على ما حصل في مصر المجاورة على يد "الضباط الأحرار" عام 1952 رغم تفوق القذافي في دراسته فإنه تعرض للطرد من المدرسة نظرا لنشاطاته السياسية، ومنذ الصغر تأثر بشخصية الزعيم المصري جمال عبد الناصر بعد ذلك أكمل دراسته في الأكاديمية العسكرية ببنغازي حيث تخرج فيها عام 1963.
وأرسل في بعثة للتدريب العسكري ببريطانيا عام 1965 كون القذافي مجموعة "الضباط الوحدويين الأحرار" عام 1964 ولعب دورا جوهريا في الانقلاب على الحكم السنوسي في ليبيا وفي فاتح شتنبر 1969 أطاحت مجموعة الضباط بالملك إدريس السنوسي وأعلنت الجمهورية في ليبيا.
وفي المرحلة الثورية لم تبخل جماهيرية العقيد القذافي على حركات التحرر والانفصال في العالم لا بالمال ولا بالسلاح، من الباسك في إسبانيا إلى الجبش الجمهوري الإيرلندي، فضلا عن المنظمات الفلسطينية لكن أبرز الأزمات الدبلوماسية التي تعرضت لها ليبيا خلال هذه الفترة، وكانت بداية لمنعطف مثير، هي قضية لوكربي حيث فرض على ليبيا حصار دولي وسلمت مواطنين لها متهمين، ثم قبلت تسوية للقضية دفعت بموجبها 2.7 مليار دولار.
أما التسوية الأكبر فقد كانت في أواخر عام 2003، غداة الغزو الأميركي للعراق، عندما تخلت ليبيا عن أي طموح لأسلحة غير تقليدية وفتحت أبوابها أمام الأميركيين للتفتيش وتبرأت من أي صلة بالحركات الثورية عبر العالم.
كانت "المكافأة" رفع الحصار الدولي، والترحيب بالعقيد القذافي في أوروبا التي تهافت قادتها على زيارة طرابلس تسابقا على الصفقات التجارية، ثم جاء التتويج بإسقاط ليبيا من اللائحة الأميركية للدول المتهمة برعاية الإرهاب.
اختفت من ساحات طرابلس وبنغازي شعارات "طز في أميركا والموت لإسرائيل"، ولا تزال الصور الكبيرة للعقيد معمر القذافي تحرس عقيدة الجماهيرية وتذكر الليبيين بأفضال "الأخ القائد".