أصالة ورمزية وبذخ حشيش

طقوس ومراسيم عريقة في أعراس الريف الأوسط

الأحد 28 ماي 2006 - 10:52
اللباس المعتاد لدى أغلب العرسان المغاربة

تنفرد منطقة الريف الأوسط شمال المغرب، بمراسيم حفلات زفاف ذات طابع خاص تميزها عن باقي الأرياف، إذ وبالنظر لما لها من طابع أصيل متجدر في تقاليد العرس المغربي فإن ما يذره الحشيش من مداخيل مهمة على سكان المنطقة يجعل أعراسها أكثر بذخا عن غيرها .

تدوم حفلة الزفاف في الغالب ثلاثة أيام وتتعداها لتصل أحيانا سبعة أيام، إذ تجري في فصل الصيف خاصة، بعد الانتهاء من عملية حصاد محصول الحشيش وغيره من المزروعات، وتهيئ ما يتطلبه العرس من الفحم الخشبي للطهي، لمنح هذه الحفلة ما تستحقه من الاهتمام.

في قرية بني عيسى بأعماق منطقة كتامة، يحاول الفتى الراغب في الزواج من فتاة أحلامه، أن يقصد الحقول حيث تعكف الفتاة على جلب العشب والرعي بجانب الغابة أو جلب الماء من المنابع والعيون، تلتقي فتيات القرية هناك في شكل مجموعات، يجري خلالها تبادل نظرات الحب والانجذاب العاطفي، تنتهي بانجذاب الفتى إلى الفتاة التي يرغب في أن تكون شريكة حياته، يجري ذلك في جو تؤطره تقاليد صارمة تمنع اللقاءات الودية بين الفتيات والشبان خارج الحدود الشرعية التي ما زال سكان المنطقة متمسكين بأعرافها.

وان علم البعض بهذه العلاقة التي يمكن أن يذيع خبرها بفعل الوشاة ومجالس النميمة، فان الفتاة غالبا ما تكون عرضة لرد فعل بعقاب شديد من قبل عائلتها بتجريدها من بعض حقوقها في الخروج من المنزل وجعلها تلازم الأشغال المنزلية والفلاحية الشاقة وبحرمانها من زيارة الحفلات الأسرية للأقارب ومرافقة والدها إلى السوق الأسبوعي
يضطر الفتى إذا ما حصل له تجاوب نهائي مع محبوبته، لان يستشير أمه التي بدورها تناقش الموضوع مع زوجها في سرية عن ابنهما، إذ لا يتم العرس إلا بموافقة أب العريس، باعتباره المسؤول عن المصاريف المادية للعرس، يقصد والد العريس أب العروس أو ولي أمرها ويجري ذلك بخاصة يوم انعقاد السوق الأسبوعي، ليسأله طالبا يد ابنته لابنه، وإذا حدث ووافق على ذلك فان مراسيم وأعراف الزواج في كتامة، تقتضي ألا تستشار الفتاة في أمر زواجها أو اخذ رأيها في موضوع زواجها الذي يعنيها بالدرجة الأولى، إذ يظل الأب أو ولي الأمر مالك زمام المبادرة وصاحب قرار بدون منازع في أمر زواج ابنته، في هذا الإطار حكت امرأة أنها لم تتعرف على زوجها ولم يكن لها فرصة لأن تشاهده أو تتحدث إليه من قبل إلا في اليوم الأول من زواجهما، وتحدثت عن أن زوجها كانت تربطه علاقة مهنية بوالدها.

عند حصول الاتفاق بين أب العريس ووالد العروس، تقصد أم العريس وجدته وبعض من أفراد أهله من الإناث بيت الفتاة يحملن معهن قوالب سكر وبيض بلدي وحلويات يكن قد أعددنها، وذلك كل حسب إمكاناته المادية، يجري خلال هذا اللقاء التعارفي اتفاق بشان قيمة "الصداق" الذي غالبا ما يجري تقديمه على شكل ألبسة وحلي وأفرشة وأغطية، يعقب ذلك كتابة عقد الزواج لدى عدلين بحضور الزوجين وأقاربهما، تقرأ على إثره سورة الفاتحة، ويرفع الدعاء بالخير والبركة والحياة السعيدة للزوجين.

وإذا ما طالت الفترة الفاصلة بين الخطوبة والزواج يتلافى الطرفان كتابة عقد الزواج، تجنبا للقاءات الودية خارج الإطار الشرعي بين الخطيبين، ويجري تأجيله إلى حين الإعلان الرسمي عن القيام بحفلة الزواج التي هي العرس.

تجري مراسيم العرس بمنطقة كتامة، بعقد حفلات منتظمة، تبتدئ في اليوم الأول، ببيت العريس ويسمى هذا اليوم بيوم الحناء الصغرى، تعد خلاله فتيات من أقارب العريس وليمة وتنظفن وتصبغن المحيط الخارجي للمسكن، ترافق كل ذلك، رقصات وزغاريد وأهازيج غنائية تحمل في مضمونها حجم الفرحة والقيم الدينية والاجتماعية، ولعل ما يميز هذا اليوم ما يعرف بـ "الدفوع"، إذ يرسل العريس إلى منزل خطيبته كل ما يلزم نفقة حفل الزفاف، ويزين في هذا اليوم عجل بسجادة وتخضب أجزاء منه بالحناء قبل ذبحه، إذ يقوده صبي يعرف بالشجاعة في موكب ترافقه أهازيج محلية ترافقها نغمات الدف وزغاريد النساء وأصوات الأطفال تعبيرا عن فرحهم، ويكبر الموكب كلما اقترب من بيت العروس
يستقبل أهل العروس "الدفوع" والفرحة تغمر قلوبهم، وتكون العروس قد تزينت وهي جالسة بداخل المنزل بمعية فتيات عائلتها، يتبادلن أطراف الحديث معها إذ يشاطرنها ألم الفراق الأسري وحولهن امرأة من العادة أن تكون بكرا تقوم بدق الحناء في مهراز تقليدي، حيث تسهر في ليلة نفس اليوم على تخضيب العروس بالحناء بوضعها قصعة من هذه المادة مزينة بالشموع وتتوسطها بيضة حسبما تقتضيه العادات هناك.

في صبيحة اليوم الثاني المدعو بيوم الحناء الكبرى، تذبح ذبيحة بمنزل العريس، الذي يكون قد اتسم بالحركة والهرج والمرج، وتعكف النساء خلاله على إعداد طعام الغذاء والعشاء وهن ينشدن أغاني تظهر براعتهن في فن الغناء التلقائي، وتنشغل كل واحدة في مدح قريب لها أو هجاء خصم لها بذكر مساوئه، وهكذا وفي ليلة نفس اليوم يقدم طعام العشاء للمدعوين، بعد أن يجرى استدعاؤهم في يوم الحناء الصغرى، يدخل الرجال من باب منعزلة إلى منزل مفروش يجمعهم به الحديث والثرثرة عن انشغالاتهم اليومية ويجري المناداة على حفظة القرآن الكريم يتلون من حين لآخر آيات من الذكر الحكيم، فيما تجتمع النساء المدعوات في بيت مخصص لهن داخل المنزل.

وعند الانتهاء من تناول "زردة" العشاء تبدأ ما يسمى بـ "الفرجا" ممزوجة بزغاريد النساء ونغمات جوق يحضره فنان شعبي ذائع الصيت إذ يجري خلالها جمع غرامات نقدية من الحضور، ويمدح المغني كل من قدم هدية للعروس أو العريس، ويذكر "البراح" خلالها الشخص الذي قدم الهدية بالاسم الكامل تشجيعا للمدعوين على المساهمة في هذا الجو الاحتفالي، وفي نفس الوقت يلبس العريس جلبابا أبيض وسلهاما لتضع له أخته حناء على كفيه بعد أن يجلس على أريكة بين صبيتين تحمل واحدة منهن شمعة، ومن العادات أن يقوم العريس بالضرب على حائط بيته بواسطة كفه المحنى لاعتقادات موروثة
ويعيش منزل العروس في اليوم نفسه جوا مماثلا، إذ تزين العروس في جو احتفالي بالكحل والسواك ويمشط شعرها وتعطر بعطور مختلفة، وتقوم امرأة متقدمة في السن معروفة بالصدق وحفظ الأمانة وحسن السلوك بجمع ما يسمى "الغرامات" من المدعوات تقدم لها هدايا نقدية وعينية، تستفيد العروس من الهدايا العينية وتمنح الهدايا النقدية لأم العروس.

وفي اليوم الثالث تزف العروس، تنطلق الحفلات من بيت العريس باتجاه بيت العروس، إذ يزين فرس قوي بسرج وتوضع فوقه سجادة من الحرير، يقوده شاب ومن ورائه أهل قريته نساء ورجالا وفتيانا، تتعالى أصواتهم في سماء القرية مع زغاريد النساء قاصدين منزل العروس.

في هذا اليوم وقبل حلول موكب العريس تهتم أخوات وقريبات العروس بتزيينها، إذ يلبس لها ايزار أبيض اللون وتحلى بحلي من الفضة المسماة بـ "الخلاخل" وبشتى أنواع الزينة التقليدية، ويصاحب ذلك أغاني ذات حمولة تحمل العروس على فراق أمها والاستعداد للحياة الزوجية، عندها تخرج العروس بعد أن تضع على رأسها خمارا يحجب جميع جسدها، ثم يقودها أبوها حيث موكب العريس في الانتظار ليحملها على امتطاء الفرس، إذ يعود حينها الموكب إلى منزل العريس والجو كله فرحة وسرور على نغمات الطبل والغيطة والبارود.

عند وصول العروس إلى منزل زوجها تجد في استقبالها أم العريس وأقربائه، إذ تعمد قبل دخولها بيت الزوجية بإلقاء خليط من الكسكس وقطع من السكر الصلب والحلويات على الحشد من المدعوين، ومن المعتقدات أن من حصل على قطعة حلوى أو سكر تفتح له أبواب الزواج قريبا ومن كان متزوجا تزداد حياته سعادة .

وعلى وقع ذلك، يعمد فتيان أقرباء للعريس والعروس للالتفاف بشكل دائري حول العريس وهم يرددون بصوت مرتفع، "سبحان الخالق سبحان الرازق ارحمنا يا الله وارحم والدينا هما ربونا وارضاو علينا" إلى غير ذلك.
بعدها وفي نفس الليلة التي تعيش على وقع جو احتفالي يختلي الزوج بزوجته، ليعرض بعدها على أهل العروسين منديل من ثوب أبيض ملطخ ببقع من دم الافتضاض، تفتحصه في الغالب امرأة ذات تجربة من أهل العريس لتتأكد من صحة الدم، عند ثبوت صحته تطلق المرأة ومعها باقي النسوة زغاريد للإعلان عن شرف وعفة العروس والافتخار بفحولة العريس، وهكذا تنتهي حفلة العريس بتأسيس عش أسري جديد.




تابعونا على فيسبوك