مواجهة العجز الاجتماعي أولوية ملكية

الأربعاء 17 ماي 2006 - 17:02

أن يعطي صاحب الجلالة الملك محمد السادس بنفسه انطلاقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فهذا يدل على أن البلد يدخل مرحلة جديدة، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، شعارها محاربة الفقر والإقصاء والتهميش.

ليس الأمر وليد اللحظة، فالقطاع الاجتماعي ما فتئ يحظي باهتمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين، ولعل إشراف جلالته شخصيا على إطلاق العديد من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية لفائدة الفئات المهمشة، وإعلانه في جل خطبه عن نيته القاطعة في اجتثاث الفقر والإقصاء من المغرب، ما يؤكد أن الأمر يتعلق بمسار ثابت ونهج واضح تسيرعليهما المملكة.

ولقد كان جلالة الملك واضحا في الخطاب السامي ليوم 18 ماي الماضي، حيث أكد جلالته أن " المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليست مشروعا مرحليا، ولا برنامجا ظرفيا عابرا، وإنما هي ورش مفتوح باستمرار " إننا، والحال هذا، أمام استراتيجية مفتوحة ودائمة، تعتمد "سياسة خلاقة، تجمع بين الطموح والواقعية والفعالية، مجسدة في برامج عملية مضبوطة ومندمجة" كما قال جلالة الملك.

فالمبادرة فتحت رهانات كبرى تنبثق من منظور شامل لبناء مغرب حديث يقوم على تعزيز دولة حديثة قوامها الديموقراطية والحق والقانون، مع فتح ورش الإصلاحات والمشاريع الهيكلية المحدثة للنمو، وكل ذلك وفق استراتيجية للتنمية البشرية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إنها باختصار مبادئ التدبير والحكامة الجيدين.

ولعل أهم المواصفات التي تسم هذه المبادرة كونها واقعية وشاملة، طموحة وخلاقة، فهي تنطلق من أنه رغم من كون أكثر من 50 في المائة من نفقات الدولة مخصصة للقطاعات الاجتماعية، فإن الخصاص الاجتماعي قائم، إذ أن 23 في المائة من الساكنة القروية تعيش تحت مستوى عتبة الفقر، وحوالي 700 ألف أسرة تعيش في أحياء السكن غير المنظم أو في مدن الصفيح.

ولذلك، فإن المبادرة جاءت من أجل الإنسان، من أجل كرامته، وانبنت على الإنصات والتشاور والثقة في المستقبل، مرتكزة على إشراك المستفيدين والفاعلين في التنمية المحلية. وهي كذلك استراتيجية عملية وهادفة وشفافة، ومدعوة إلى أن تشكل مرجعا للحكامة الجيدة والاستمرارية.
وما يميز المبادرة كذلك، كونها لا تحل محل عمل الدولة والجماعات المحلية، بل تمنح إمكانات إضافية لدعم الأنشطة المدرة للدخل ودعم الإستفادة من التجهيزات والخدمات الاجتماعية الأساسية وعمليات التنشيط الاجتماعي والثقافي والرياضي، فضلا عن تعزيز الحكامة والقدرات المحلية.

والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية تستند، في ذلك كله، إلى أربعة برامج أولية تتمثل في محاربة الفقر في المجال القروي، ومحاربة الإقصاء الاجتماعي في المجال الحضري، ومحاربة التهميش بالإضافة إلى البرنامج الأفقي.
فبرنامج محاربة الفقر في المجال القروي يستهدف أولا 360 جماعة قروية ضمن الجماعات الأكثر فقرا، بغية تقوية الحكامة والقدرات المحلية، ودعم الولوج إلى التجهيزات الاجتماعية والصحية والتربوية الأساسية، ودعم عملية التنشيط الاجتماعي من خلال محو الأمية والحماية الصحية والرياضة.

ولهذه الغايات سينصب الاهتمام على الأنشطة المدرة للدخل، من قبيل دعم بعض التعاونيات الفلاحية والصناعية والتقليدية وغيرها، وتشجيع المشاريع المحلية مثل تربية النحل والسياحة القروية، وتشجيع القروض القروية الصغيرة.
كما سيتم الاعتماد على الاستفادة من التجهيزات والخدمات الاجتماعية، الصحية منها والتربوية، بالإضافة إلى التنشيط الاجتماعي والثقافي والرياضي وتقوية القدرات المحلية
وفي المجال الحضري، يستهدف البرنامج الأولي 250 حيا ضمن الأحياء الأقل حظوة.

ويروم هذا البرنامج خلق الإدماج والتلاحم الاجتماعيين لتحسين ظروف عيش السكان
وفي هذا البرنامج أيضا، تعتمد المبادرة، الأنشطة المدرة للدخل ودعم الاستفادة من التجهيزات والخدمات الاجتماعية الأساسية من ماء وكهرباء وتطهير، بالإضافة إلى الدعم المدرسي ومحاربة التخلي عن الدراسة ومحو الأمية، وتحسين الاستفادة من الخدمات الصحية، والتقليل من نسبة وفيات الأم والطفل ونظافة الأحياء، وخلق المساحات الخضراء.

وعلاوة على البرنامجين الخاصين بالعالمين الحضري والقروي، تتضمن المبادرة برنامجا خاصا لمحاربة التهميش، يستهدف 50 ألف شخص يعيشون وضعا جد هش
وتشمل اللائحة الشباب دون مأوى، وأطفال الشوارع، والأطفال المتخلى عنهم، والنساء في وضعية هشاشة قصوى، والمتسولين والمشردين، والسجناء السابقين بدون مورد، والمختلين عقليا بدون مأوى، والمعاقين بدون مورد، والمسنين المحتاجين.

ويهدف هذا البرنامج كذلك إلى تحقيق الدعم لهذه الفئات، مع التكفل بأفرادها في مراكز مخصصة، والسعي إلى إدماجهم اقتصاديا واجتماعيا، من خلال دعم عمليات التكوين وتلقين الحرف، ودعم الجمعيات النشيطة في مجال مساعدة الأطفال في وضعية هشة، ودعم الأنشطة ومشاريع إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للنزلاء.

أما البرنامج الأفقي، فيتمثل في برنامج وطني لدعم العمليات ذات الوقع الكبير على التنمية البشرية، على صعيد كافة الجماعات القروية والحضرية غير المستهدفة، وذلك من خلال اقتراح مشاريع على مستويات العمالات والأقاليم.

ومن الطبيعي، أن مبادرة بهذه الجسامة، تحتاج تمويلا في حجمها، لذلك رصد للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، عشرة ملايير درهم، على مدى خمس سنوات 2006- 2010، ستة ملايير منها تقدم من الميزانية العامة للدولة، وملياران من الجماعات المحلية، وملياران آخران من التعاون الدولي.

ولعل أهم مايميز هذه المبادرة كونها لا تكتفي برسم الأهداف والغايات، بل عمدت إلى تحقيق سقف زمني مضبوط لمختلف المشاريع الآنفة الذكر، مما يسهل عملية تتبع ومراقبة وإنجاز المشاريع المسطرة بشكل دقيق وناجع، والواقع أن الأمر يتعلق فعلا، بورش كبير وطموح إلى أبعد الحدود .

وإذا كان جلالة الملك، قد أعطى بمدينة الفنيدق انطلاقة هذا الورش، فإن الفرصة مواتية الآن، لتضافر جهود جميع فئات وشرائح المجتمع من أجل رفع تحدي تحقيق التنمية المنشودة الذي تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سبيله الواضح وطريقه الأنجع.




تابعونا على فيسبوك