تحيط بمنطقة سيدي مومن سلسلة من الأحياء الصفيحية التي لا تفصل بين بعضها سوى مسافات قليلة، وتحيط ببعضها الآخر بنايات إسمنتية تشكل لوحة عمرانية غير متناسقة، تشير إلى تناقض في التهيئة العمرانية بالمنطقة.
كانت عجلات السيارة التي كنا نستقلها متوجهين إلى دوار السكويلة، تلوي وراءها المسافات الطويلة وهي تعبر شبه أحياء سكنية "يختبئ"فيها أناس تحت كومة من "القصدير"تقيهم لهيب الشمس وبرودة الشتاء.
منطقة لا دليل فيها على وجودهم بمنطقة حضرية سوى الصحون المقعرة، التي امتلأت بها أسقف الدور الصفيحية.
أشارعداد كيلومترات السيارة أن المسافة الفاصلة بين "دوارالسكويلة"ووسط المدينة حوالي 20 كيلومترا، مرورا بـ "كاريان الرحامنة" و»كاريان زرابة" وبعده"كاريان طوما"وأخيرا "كاريان السكويلة".
كان المدخل الرئيسي لـ "الدوار" بئيسا، عبارة عن أحجار وممرات غير معبدة، تنتشر على جنباتها الأتربة وتلطخها السوائل النثنة المتعفنة التي أفرزتها مجاري المياه المستعملة المختنقة.
تنتشر هنا وهناك بقايا أكياس بلاستيكية ممزقة تؤثت مدخل الدوار بشكل يخجل سكان الحي ويحرج زواره الذين يفاجئهم الوضع.
تقدمنا من شاب في الأربعين من العمر، فأوضحنا له أن زيارتنا الحالية تتمحور حول ما جد أو استجد بـ "الدوار"بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث تفجيرات 16 ماي التي شهدتها الدار البيضاء، فرد مسرعا بقسمات وجه منقبضة "أريد اليوم أو في وقت قريب جدا تفجير نفسي، لست منتميا لأي تيار حزبي ولا منظمة إرهابية، لكن أريد الانفجار هروبا من حياتي الميتة".
تحدث عن مأساته مع البطالة التي يشاركه فيها جل »دوار السكويلة«، وشرح كيف أنه يشعر بالقمع والذل عند توجهه إلى مصلحة من المصالح الإدارية طلبا لوثيقة رسمية من قبيل شهادة السكنى، ومواجهته لمواقف ومساطر معقدة تدفعه إلى إعطاء الرشوة
في دروب "الدوار" تصطف"براريك" أغلب أبوابها مفتوحة لا يحجب المارة عن ما بداخلها سوى ستار من قماش بال.
وعلى جنباتها يقف شباب من مختلف الفئات العمرية، منهم من "يمتص" سيجارة رخيصة ومنهم من يحمل بين يديه قطعة بلاستيكية وضعت بها مادة مخدرة "السيليسيون"، ومنهم من يجر عربة مملوءة وعاءات بلاستيكية متوجهين إلى سقاية "الدوار" لحمل الماء إلى"منازلهم".
شكل شباب الدوار حلقة مغلقة حول فريق"الصحراء المغربية" كل منهم يحاول أخذ الكلمة للحديث عن مشاكلهم اليومية شرط عدم الكشف عن أسمائهم.
أجمعوا على أنهم شباب ممنوع من الإستفادة من الأنشطة المقدمة في دار شباب"أهل الغلام"، حيث "لا يلجها سوى شباب"حي أناسي »لأسباب غير معروفة"، وأنهم يفتقرون لملعب لممارسة الرياضة وكرة القدم التي يعشقها بجنون شباب الدوار.
فيما آخرون أصروا على ضرورة إحلال الأمن بالمنطقة وتنفيذ تدخلات سريعة بعد الاتصالات الهاتفية التي يجريها بعض السكان لتفريق شباب يدخلون في عراكات حقيقية، يتخوف السكان من أن تكون نهايتها ارتكاب جريمة قتل.
القاسم المشترك بين سكان المنطقة هو الفقر والأمية وانقطاع الأطفال عن التمدرس في سن مبكرة وعطالة الشباب، والعوز المادي لأرباب الأسر.
اعترف أحدهم قائلا »كثير منا ينتظر من والدته أو أخته أن تقدم له ثمن شراء سيجارة رخيصة«، فقاطعه آخر أن انتماءهم لـ »دوار السكويلة« يغرقهم في دوامة من المشاكل في كثير من الأحيان، خصوصا عند توجههم إلى وسط المدينة حيث يشكل عنوان سكنهم سببا للتحقق من هويتهم والبحث في ما إذا كانوا أشخاصا مشتبه بهم أو مبحوث عنهم من طرف السلطات الأمنية.
يقول شاب في العشرين من عمره إن سكان الحي يتخبطون في فقرمذقع وجلهم يعيشون على مبلغ عشرة دراهم في اليوم، "لذلك كثرت بين شباب حينا السرقة ونهب حقائب يد الفتيات واستهلاك المخدرات بكل أنواعها" .
لا يحس شباب "دوار السكويلة" أن لهم وقت ثالث من المفروض استثماره في أشياء مفيدة بعيدة عن السلوكات المنحرفة، فالحصص الزمنية لحياتهم متشابهة : استيقاظ فوقوف في أزقة »الدوار«، وتسكع في جنبات المنطقة فنوم في ساعات متأخرة، وبعده استيقاظ متأخر صبيحة كل يوم.