تحل اليوم الذكرى الثالثة للعمليات الإرهابية، التي استهدفت الدار البيضاء ليلة 16 ماي 2003، وفجرت أربعة مواقع، فندق فرح وكاسا دي اسبانيا ومقر الرابطة اليهودية ومطعم بوزيتانو، وخلفت 45 قتيلا وعددا من الجرحى.
وتخليد هذه الذكرى الأليمة اليوم يطرح، من بين ما يطرح، مسؤولية الدولة والمجتمع
ولأن سؤال الدولة شبع أجوبة، اختارت "الصحراء المغربية" أن تطرح سؤال المجتمع، ونواته الصلبة : المواطن، إذ لم تكن المواقع المفجرة وحدها المستهدفة، ولا العاصمة الاقتصادية للمملكة برمتها، وإنما مجموع أرجاء المغرب، وعموم الشعب المغربي، وأساسا مستقبل الوطن والمواطنين.
كانت الجريمة تريد تخريب البناء الجاري في الحاضر، بكل أوراشه المفتوحة، وكان القتلة، ومن يقف وراءهم وأمامهم، يريدون واهمين أن يقتلوا في المغاربة الفرح والأمل والحب وكل شيء جميل، وأن يدفنوا في هذا الوطن انفتاحه وتسامحه الديني، وأن يعرقلوا مسيرته على درب النماء الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، وبناء المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي.
لم يكن المواطنون ينتظرون أن تخرج من ظهرانيهم كائنات ملغومة بالقبح والظلام والدم والإجرام، ما جعل كل مكونات الشعب المغربي، تخرج في مسيرة البيضاء ضد الإرهاب، لم يكن الخروج الشعبي الحاشد يحتاج إلى الشيوخ والمقدمين، الذي كانوا يطوفون على الناس، أيام عربدة التزوير، لجرجرتهم إلى مكاتب التصويت ليسوطوهم بما تريده الإدارة، لم ينتظر المواطنون »البراحة« والأبواق، لأن قيم المواطنة لا تنتظر، وليست بطاقة يوزعها أعوان السلطة، ولا سلعة تباع أو تشترى، فخرجوا بالآلاف، بكل تلقائية، واختيارا وطواعية، ليعلنوا للعالم أجمع مواقف الرفض والتنديد والشجب والاستنكار لخلايا الإجرام، خرجوا في مسيرات ومظاهرات لممارسة الحكم، الذي أجمعوا على إصداره ضد ما اقترفته خلايا الموت والظلام، وكانت أبدع لحظة في ممارسة هذا الاختيار، يوم 25 ماي 2003، يوم خرج أزيد من مليون مواطن ومواطنة، نابوا عن الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وعن الشعب المغربي بأطفاله ونسائه ورجاله وشيوخه وشبابه، وليهتفوا بصوت واحد : "لا للإرهاب "ماتقيش بلادي".
لذلك اختارت "الصحراء المغربية"أن تطرح، من خلال موقعها على الإنترنيت، استطلاعا سريعا للرأي، عبر السؤال التالي : "هل تعتقد أن المواطن يتحمل مسؤوليته في جعل المغرب يكون بمنأى عن عمليات إرهابية؟".
ونتيجة التصويت، الذي شارك فيه 387 قارئا إلى حدود ظهر أمس الاثنين، جاءت كالتالي : نسبة 56.6 في المائة (219 صوتا) أجابت بنعم، و35.7 في المائة (138) أجابت بلا، و7.8 في المائة (30) ليس لها رأي.
ندرك محدودية الاستطلاع، بيد أن نتائجه تحمل دلالات مهمة، وضعناها بين يدي الباحث محمد ضريف، الخبير بشؤون الإرهاب، الذي قرأها من زاوية »التطور، الذي حدث على مستوى علاقة المواطن بالسلطة، أي أن هناك تطورا في الموقف والرؤية بالنسبة إلى المواطن المغربي، في علاقته مع السلطة السياسية، عكس النظرة القديمة الكلاسيكية السائدة، التي تتجلى في أن الأمن يعتبر من اختصاص السلطات، ولا دخل للمواطن العادي فيه، ولا في عملية تدبيره، وليس له الحق في المساهمة من أجل تجنيب البلاد المخاطر والتحديات، التي قد تهدد الحياة العامة".
أما اليوم، يوضح ضريف، نجد أن المواطن بات ينظر إلى السلطة من زاوية »الشراكة«، بينها وبين المجتمع المدني، مبرزا أنه، من خلال هذا التطور الإيجابي الملموس، فإن المواطن أضحى يلتمس الدور الإيجابي والأساسي، الذي يمكن أن يلعبه، لمساعدة جهات الأمن عموما، وتدبير الشأن العام.
وتابع ضريف أنه"على المستوى الخاص، بالنسبة إلى النسب المعبر عنها في الاستطلاع، حول حماية المغرب من أخطار الإرهاب، هناك وعي متنام لدى المواطن لتطويق الفكر المتطرف، ومحاربة الإرهاب، باعتبار هذا الأخير يهدد حياة المواطنين الأبرياء".
وقال إن "نسبة 56 في المائة تبقى غير كافية للوصول إلى التصور المثالي في ما يخص علاقة السلطة بالمواطن، وتبقى 36 في المائة، التي عبرت بالسلب، نسبة ليست إيجابية، ومخيفة بعض الشيء، وتبقى 7 في المائة مترددة«، ليخلص إلى أن الوضع، الذي »نطمح إليه هو ارتفاع نسبة الذين يمتلكون تصورا إيجابيا حول دور المواطن في مساعدة السلطات من أجل حماية المغرب من الإرهاب".
واللافت أن الوصول إلى هذا المطمح مسؤولية جماعية ومشتركة، بين الدولة والمجتمع، لمضاعفة الجهود من أجل العمل على محاربة جميع أشكال الإرهاب، ابتداء من التعريف بمبادئ الإسلام السمحة، وتكريس قيمه المتمثلة في التسامح والاعتدال والوسطية والعدالة الاجتماعية، فضلا عن مبادئ احترام حقوق الإنسان والديمقراطية، وإشاعة قيم المواطنة، مثلما أظهرت مسيرة البيضاء، التي كانت من أكبر دروسها أن ثقافة الانتماء الى الوطن، أقوى وأقدر على التصدي لذوي النزوعات العدمية الظلامية أيا كانت منطلقات أفكارهم الإيديولوجية المتطرفة.