مرت ثلاث سنوات على هجمات الدار البيضاء الإرهابية، وهي مدة كافية كبعد زمني يفترض أن تكون تحددت خلالها استراتيجية متكاملة للتعاطي مع ظاهرة الإرهاب المرتبط بالتطرف الديني، بعيدا عن ردود الفعل العاطفية والانفعالية التي عبرت عن نفسها مباشرة بعد الصدمة .
الآن، ومع فرضية اقتناع الجميع باستيطان جرثومة التطرف والإرهاب في جسد البلد، وأن النار أصبحت في الدار، يبقى السؤال المركزي هو : ما العمل، وكيف العمل، حتى لا يتكرر ما جرى.
فبعد ثلاث سنوات من المجهود الأمني أدى إلى إبطال عمليات إرهابية أخرى كانت في الطريق إلى التنفيذ، وتفكيك خلايا وشبكات للمنظرين والمنظمين لإيديولوجيا الكراهية والقتل
بعد هذا كله لا أحد يستطيع العودة إلى العزف على نغم التطمين، وكل شهر تقريبا حمل جديده من الأدلة على سعي الإرهاب إلى الاستنبات في التربة المغربية، كما أتثبت أحداث ووقائع في مناطق ومدن مختلفة بالبلاد.
أدرك المغاربة اليوم، أن الشر لا يصيب الآخرين فقط.
وفي التعامل مع خطر الإرهاب، الذي كان كامنا من قبل وصار فعليا بعد 16 ماي، ظل الخطاب الرائج يدعو المغاربة إلى النوم فوق وسادة »خصوصية« طالما استخدمت اعتباطا، إلى أن استيقظ المغاربة في اليوم المعلوم، أو على الأصح أصابهم الأرق من هول الصدمة، على حقيقة خطر لم يعد مقصورا على الجيران، وأدركوا أن الحرائق لا يمكن أن تندلع دائما في بيوت الآخرين فقط.
بذلك قد يكون من"حسنات" 16 ماي 2003 كونها خلقت صدمة جعلت المغاربة يقفون على حقيقة الخطر، وأن المغرب لم يعد »استثناء«، في الوقت الذي شهد العالم مع مطلع القرن الحالي تنامي ظاهرة الإرهاب المرتبط بالإسلام السياسي، فتعرض بدوره لعمليات إرهابية استهدفت مدينة الدار البيضاء، رد عليها الشعب المغربي بالرفض والإدانة، كما تجلى ذلك في مسيرة سلمية بنفس المدينة، وفي جل المدن الأخرى، من منطلق نبذ فكر التطرف والعنف والوفاء للقيم المغربية في التسامح والتعايش والإقرار بحق الاختلاف والاحترام المتبادل بين مكونات الأمة وتجاه العالم الخارجي.
المعالجة الأمنية أدت إلى إبطال عمليات إرهابية أخرى كانت في الطريق إلى التنفيذ، وتفكيك خلايا وشبكات للمنظرين والمنظمين لإيديولوجيا الكراهية والقتل، لكنها أظهرت قصورها في معالجة عمق المشكل، ولو أنها ساهمت في الوقت نفسه في تغذية النقاش حول الإرهاب من زاوية موضوع الإصلاح السياسي والاقتصادي.
وتتزامن الذكرى الثالثة لصدمة 16 ماي مع النقاش الجاري على المستوى السياسي والإعلامي والأكاديمي حول موضوع الإصلاح، بصرف النظر عن الطرق والآليات في تصور كل طرف، من منطلق قناعة تبدو مشتركة في مطلب تحقيق الانتقال الديموقراطي
في هذا السياق تكون الذكرى بمثابة مساءلة للفاعلين السياسيين والاقتصاديين، فضلا عن المثقفين والإعلام ومكونات المجتمع المدني، وكذا للمدرسة المغربية والنظام التعليمي.
ولعل حصيلة المواجهة، بما تخللها من جدل حول الطرق والوسائل والمقاربات، باتت كافية لإقناع الجميع باستحالة اختزال سلاح مقاومة الإرهاب في المقاربة الأمنية وحدها، فالإرهاب الدولي أدرك من الخبرة ما جعله يراهن على التسرب والاستيطان واكتساب المواقع داخل البلدان المستهدفة، وهي ليست مواقع تنظيمية ولوجيستية فقط، بل أخطر من ذلك مواقع فكرية وذهنية في عقول تتغذى بالجهل والفقر والأمية، قبل أن تنتقل إلى التفكير في القنابل والمتفجرات.
هجمات الدار البيضاء كشفت كذلك مسؤولية المدرسة المغربية، من خلال العجز عن الملاءمة بين التكوين وسوق الشغل في اختلال أدى في العقدين الأخيرن إلى إنتاج جيوش العاطلين، ولم يعد خافيا دور الفقر والبطالة والتهميش في تعزيز شروط السقوط في التطرف.
وكذلك الفشل في توفير الأرضية الأولية للمشروع المجتمعي الديموقراطي الحداثي، وشكلت الهجمات حافزا لمراجعة المناهج والمقررات الدراسية من أجل محاربة ثقافة التطرف.
ومع تسجيل مكسب القناعة العامة التي تبدو حاصلة بجدية الخطر فإن استراتيجية المقاومة لن تستقيم بدون سلاح مركب يفترض أن يجمع بين التربية والثقافة والسياسة والاقتصاد وطول النفس.