"تواضع رهيب" هو العنوان المُوجِز لما حرره المثقفون المغاربة كما ونوعا، قراءة وتعليقا وتفكيكا لصدمة اعتداءات 16 ماي 2003 في الدار البيضاء.
ويزداد الحال بؤسا عندما نتأمل ما حررته هذه الأقلام (من مفكرين وباحثين وكتاب وصحافيين). حيث سيادة منطق تصفية الحسابات، وطغيان الخطاب الإيديولوجي والدعائي، وتكريس الرؤى الاختزالية بشكل مثير مقارنة مع القراءات النقدية الرصينة التي ميزت مثلا تعاطي النخب العالمية ـ الأوروبية على الخصوص وحتى بعض من الأسماء العربية، مع صدمة تفجيرات 11 شتنبر 2001 .
أهل الفكر وحتمية إعمال النظر ولنبدأ أولا برأي أهل الفكر في الحدث، متوقفين عند ثلاثة أسماء، يتقدمها الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن الذي لا نعتقد أن هناك من يختلف معه عندما يشير إلى أن نظرة المثقف أو المفكر لهذه الأحداث، لا بد أن تختلف عن نظرة رجل السياسة ورجل الأمن، ذلك أن نظرة المثقف تستوجب إقامة مسافة كافية بينه وبين هذه الأحداث، وتتمثل هذه المسافة في الخروج عن لحظات الغضب والانفعال الأولى التي قد تصدر فيها أقوال أو تصريحات تفتقد إلى الحكمة والموضوعية.
جاء ذلك في مقاله الوحيد حول الحدث، وصدر تحت عنوان "الحاجة إلى الإبداع وتحدّي الانْقِتال".
وصدر المقال في يومية "القدس العربي" اللندنية وأسبوعية"السياسة الجديدة" وضمن أعمال العدد الاستثنائي لمنشورات الزمن، وجاء عنوان "المثقفون المغاربة وتفجيرات 16 ماي".منشورات الزمن الرباط 2003.
تقييم يتقاطع مع ما ذهب إليه سعيد بنسعيد العلوي، من أن الفكر مُطالب بإعمال نظره وأدواته العقلية من أجل المزيد من الفهم والوعي حقا ثم بإنارة الطريق بما يلزم التوجه نحوه وعمله حاضرا من أجل مستقبل باسم ومجتمع يكون حقا وصدقا جمعا وتآخيا سعيدين بين الحداثة والديمقراطية وإحقاقا لدولة الحق والقانون وبين الإسلام، دين المغاربة ولحمة وجودهم وطريق عملهم.
لولا أن ردود فعل العديد من المثقفين المغاربة ـ كما أشار إلى ذلك التقديم الذي حرره محمد سبيلا لكتاب »المثقفون المغاربة وتفجيرات 16 ماي« ـ كان يحكمها سياق حار، وهو سياق الانفعال بما حدث، سياق الإدانة والاتهام السريع، وتبادل الاتهامات باتخاذ المواقف الاستئصالية الإقصائية لأنه كان من العسير الانفلات من هذا الشرط.
وواضح أن مُعظم المعالجات والحوارات المدرجة في كتاب "الزمن" تضمنت حدا أدنى من أعمال الفكر، سواء الجامعي أو الفردي، في فهم ما حدث وتفحص أسبابه في شموليتها وتداخلها.
إن هذه الأحداث مليئة بالدلالات والعبر، يضيف محمد سبيلا، فهي تبين أن العنف ليس طبيعة بشرية، وليس طبيعة شعب من الشعوب، بل إن الفتنة نائمة وكامنة تنتظر أسباب الاندلاع والاشتعال.
والمجتمع مطالب دوما بجعل حياته السلمية محاولة مستمرة لاستبعاد العنف.
قبل العروج على وجهات نظر باحثين وفاعلين سياسيين وجمعويين، نتوقف عند تدقيق.
مفهومي تطرق إليه طه عبد الرحمن بخصوص الخلط اللغوي السائد بين وصف المتورطين في كذا اعتداءات، ما بين الحديث عن إرهابيين أو انتحاريين أو استشهاديين
ـ في الحالة الفلسطينية مثلا، والتي تختلف بالكلية مع الحالة المغربية كما سنوضح ذلك مع اجتهادات الباحثة حنان السقاط ـ وللخروج من هذا الخلط، اقترح صاحب مشروع »فقه الفلسفة"مصطلح "الانقِتال" وليس الانتحار أو الإرهاب، على اعتبار أن "القاتل في هذه الأحداث لم يقتل غيره فحسب، بل قتل أيضا نفسه، فهذا حال في القتل لا تُعَدُّ انتحارا، لأن الأصل في الانتحار أن يقصد المنتحر قتل نفسه، لا قتل غيره، ولا إرهابا، لأن الأصل في الإرهاب القصد إلى قتل الغير لا إلى قتل الذات، ولا بالأولى استشهادا، لأن الأصل في الاستشهاد هو حفظ حياة الأبرياء«، لذا، استحقت هذه الحال أن يوضع لها اسم خاص، وقد اشتق لها اسم "الانقتال".
التقزيم من " 11 شتنبر المغربية" وصفت الباحثة حنان السقاط أحداث 16 ماي بأنها " 11 شتنبر المغربية" جاء ذلك في كتابها »بين الاستشهاد والإرهاب. منشورات الزمن العدد 43 2004 .
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نفسر تواضع الإنتاج المعرفي من إصدارات ومؤلفات ودراسات حول هذه الأحداث تحديدا.
ولنبدأ بالجانب الكمي الصرف، حيث يتزامن تحرير هذه الكلمات مع مرور الذكرى الثالثة لاعتداءات الدار البيضاء سيئة الذكر، ثلاث سنوات مرت على الحدث، مقابل إصدارات تعد على رؤوس الاصابع تلك التي تطرقت حصرا للصدمة، وهذا أمر يبعث حقا على القرف
المسألة ليست بالهزل، إما أننا واعون بأن الاعتداءات جسدت صدمة معرفية ومجتمعية لمغرب ما بعد الاستقلال، مما يتطلب وقفات تأملية عديدة من قبل أهل الفكر والنقد، وإما أن التقزيم المبدئي من دروس هذه الاعتداءات يغيب بالمرة أو جزئيا في أذهان المتتبعين المغاربة.
ولعل أبسط الأمثلة الدالة على هذا التقزيم، تكمن في شكل وكم الإصدارات الخاصة بالذكرى الشؤم، بحيث لم يخرج أغلبها عن قاعدة تجميع مقالات وخواطر وتداعيات
فكتاب " 16 ماي 2003 : الواقعة والدرس" لسعيد بنسعيد العلوي، عبارة عن تجميع لمقالات نشرها المؤلف حول الحدث في يومية »العلم«، ينضاف إليها حوار أجراه معه الزميل جمال بورفيسي جاء تحت عنوان "الإسلام والإرهاب".
وقد تطرقت هذه المقالات لقضايا الإسلام والإرهاب والأمية والتعليم والوسطية في الإسلام ومسؤولية العلماء ومهام الدولة وأدوار المجتمع المدني وعمل الأحزاب السياسية، إضافة إلى مقال أخير جاء تحت عنوان "إمارة المؤمنين ضمان"، ملاحظا في هذا الصدد أن "المغرب كبلد يتميز عن باقي الدول العربية والإسلامية بثلاثة مكونات جسدت ذاتيته المُمَيِّزة وهي : الإسلام والملكية والنسيج الاجتماعي المُتماسك«، وكون هذه »المكونات حفظت للمغرب وحدته وتماسكه ومكنته، في الأزمات والصدمات التي عصفت به، من المقاومة، بل أمدته بالقدرة على معاودة السير رصا للصفوف على نحو غريب".
ينطبق نفس المُعطى ـ تجميع المقالات ـ على أغلب إصدارات محمد عابد الجابري التي تعرضت لمواضيع العنف والإسلام والإرهاب في سلسلة "مواقف"، على اعتبار أن السلسلة تقوم أصلا على تجميع مقالات حديثة أو قديمة الإصدار .
وكذلك الحال مع كتاب عباس الجراري "لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام" صدر عن منشورات النادي الجراري. العدد 30 الرباط .يوليوز 2004، والكتاب في الأصل، تجميع لعروض قدمها المؤلف في عدد من المنتديات الدولية حول العلاقات الدولية في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين : أي أفق؟ والتسامح في الحضارة الإسلامية، والتطرف ومظاهره في المجتمع المغربي، والحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح، وقد تعرض الجراري في هذا الكتاب إلى بيان مفهوم مصطلحي التطرف والإرهاب وأثبت سماحة الإسلام ووسطيته، معرِّجاً على بيان أسباب وقوع التطرف والإرهاب، ويهدف المؤلف إلى الإسهام في التعريف بحقيقة الإسلام وتبرئة المسلمين مما ينعتون به من تطرف وإرهاب.
ونأتي أخيرا إلى كتاب "المثقفون المغاربة وتفجيرات 16 ماي" صدر عن منشورات الزمن بالرباط، مباشرة بعد صدور العدد الجماعي الذي سبق وأصدرته الدار إثر أحداث 11 شتنبر 2001 تحت عنوان »الديانات السماوية وموقفها من العنف".
تضمن الكتاب الجماعي مجموعة من المقالات لعدد مهم من الكتاب والمثقفين وبعض من الحوارات التي أجرتها معهم بعض الصحف الوطنية والعربية بعد الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي، وذلك لفهم ما حدث وتفحص أسبابه المباشرة وغير المباشرة.
ونتذكر من هذه الحوارات ذلك الذي أجرته يومية "الشرق الأوسط"اللندينة مع الشيخ محمد الفزازي الذي اعتقل بعده مباشرة وحوكم بثلاثين سنة سجنا، حيث أشار في الحوار إلى أنه »من المعارضين بأقسى ما تكون الشدة للحكومة المغربية، منذ أن كنت ولا أزال، وأكتب كتبي وأنشرها داخل البلد، وأنتقد الحكومة بكامل الحرية والعفوية من دون أن يعترض سبيلي أحد.
فهناك هامش كبير من الحرية في التعبير عن الرأي، وأظن أن بلدا مثل هذا لا يستحق أن ينال منه بهذا الشكل الذي لا نقره ولا نرضى به، أيا كان الفاعل.
فكل المغاربة مستاؤون من تفجيرات الدار البيضاء، وكلهم لا يرضون بما حدث" وعن موقفه الشرعي من الاعتداءات، يقول الفزازي : »هذه التفجيرات هي تفجيرات، ينبغي أن تسمى باسمها فإذا كان ولا بد أن نعطيها اسما معينا فهو الإرهاب".
الاستثناء الوحيد في منطق تجميع المقالات جاء من خلال كتاب لابراهيم أبراش -الجهاد
شرعية المبدأ والتباس الممارسة منشورات ألوان مغربية مكناس العدد 15
(2003 وكتاب آخر لحنان السقاط )"بين الاستشهاد والإرهاب".، ولكنهما يعالجان أساسا مفاهيم الاستشهاد والجهاد والإرهاب في الحالة الفلسطينية، بحيث لم تتطرق الباحثة لاعتداءات الدار البيضاء سوى في تمهيد المبحث.
صمت علماء المؤسسة من الملاحظات المثيرة المُرتبطة بالاعتداءات ذاتها، وما دام الأمر يتعلق بتداخل الديني بالسياسي، وبتورط إسلاميين جهاديين، والانخراط في معارك سياسية وإعلامية بين الإسلاميين وبعض محتكري النطق باسم الإسلام، وباقي الفاعلين السياسيين، مقابل إصرار ممثلي المؤسسة الدينية على تبني موقف المتابعة والتجاهل، فقد كان من الأولى أن تعقب هذه الصدمة صدور قراءات محسوبة على هذه المؤسسة، بالموازاة طبعا مع المبادرات المهمة والانقلابية التي شهدتها الساحة الدينية الرسمية في مغرب ما بعد اعتداءات الدار البيضاء، والتي تندرج إجمالات ضمن ما أصبح يُصطلح عليه بـ »إعادة هيكلة الحقل الديني".
لولا أن الصمت المُطبق، كان عنوانا يوجز تعاطي المشتغلين في مؤسسة وزارة الأوقاف من حيث الإصدارات والإنتاجات الفقهية والفكرية، تقليدا لممارسات الماضي، والتي تجعل من الفقيه أو العالم أو الواعظ مُنخرِطا فقط في ما يسطره المسؤول الإداري في الوزارة الوصية، وكان الاستثناء، صدور مبحث متواضع المحتوى، رغم عنوانه الكبير، لأحد أعضاء "رابطة علماء المغرب"، وبعض الإصدارات الشكلية لهذا العضو أو ذاك، وبالكاد، لأنها لم تخرج عن دائرة الخطاب الإنشائي.
ولنتوقف نموذجا عند أحدث الإصدارات التي تطرقت للاعتداءات، وصدرت منذ أيام قليلة فقط تحت عنوان "تأهيل الحقل الديني".محمد عزيز الوكيلي سوماكرام الدار البيضاء 2006.
يرى الوكيلي أن ما تم يوم 16 ماي له علاقة وطيدة بالعامل التربوي، فالأمر يتعلق بما كان يدور في خلد منفذي التفجيرات، والمنظرين لها والآمرين بإخراجها من قوقعة فكرهم المنغلق والرجعي إلى جعجعة الانفجار والتقتيل.
ان للأمر علاقة بجهاد ضد الكفار، والمقصود هنا عموم المجتمع المغربي، مستشهدا بما جاء في رسالة وزعت على أبواب بعض مساجد الدار البيضاء أياما قليلة قبل تاريخ الاعتداءات.
وهذا قول، يضيف عضو »رابطة علماء المغرب«، ليس إلا نتاج فهم مختل ومُلتبس قائم حول مسألة الجهاد، ومسألة الكفر ومسائل أخرى على علاقة بهذين الأخيرين
وبَدَهي أن الفهم المختل ليس بدوره إلا ابن تربية وتعليم غير سليمين، منها ما وقع تلقينه بالمدرسة أو المسجد أو بهما معا، وما تم زرعه وترسيخه داخل جماعات يستغل المتعلمون فيها فطرة وسذاجة غير المتعلمين.
ومادام في الأمر متعلمون وأميون، فإن له وثيق الصلة بسياسة الدولة في التربية والتعليم، وبدور المؤسسات التربوية والتعليمية في القطاعين العام والخاص، وكذا بدور كل الجهات المؤطرة للمواطن من أحزاب ونقابات وجمعيات وأندية ثقافية وغيرها.
وإن نظرة يسيرة إلى مؤهلات العناصر المنفذة والمخططة لأحداث 16 ماي، تبين أنها لا تتعدى مستويات المرحلتين الابتدائية والإعدادية، مع هيمنة للمستوى الأول على الثاني
كلام جميل، وقريب من الموضوعية المتوخاة في معرض التنقيب عن بعض أسباب.
اعتداءات الدار البيضاء، لولا أن ما قد يُشكِّك في ثنايا الجزئية الخاصة بالمستوى التعليمي المتواضع للمتورطين في الاعتداءات، تأمل المستوى التعليمي للمتورطين في أحداث 11 شتنبر 2001، ونترك الكلام هذه المرة للراحل إدوارد سعيد، فهؤلاء الناس ـ يقصد جماعة محمد عطا ـ ليسوا يائسين وليسوا سكان مخيمات لاجئين (في إحالة إلى المخيمات الفلسطينية، و»كاريان طوما« في الدار البيضاء)، فهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى وهم متعلمون كفاية بحيث يستطيعون الالتحاق بمدرسة للطيران في فلوريدا ويستطيعون التحدث بالإنجليزية.
إن ما نتحدث عنه ـ يضيف سعيد، وهذا نقد نوجهه لمؤلف "تأهيل الحقل الديني على الخصوص، مادام عضوا في"رابطة علماء المغرب"ـ يتجاوز السياسي ويدخل في منطقة الميتافيزيقي (إدوارد سعيد) الثقافة والمقاومة حاوره دايفيد بارساميان ترجمة علاء الدين أبو زينة دار الآداب بيروت 2006.ص 106، وسوف نستعرض الخطوط العريضة لهذا الكتاب الرائع في مناسبة قادمة.
تصوروا أن إدوارد سعيد العلماني، وصاحب أطروحة "الدولة ثنائية القومية" في الأراضي المحتلة، والمُندِّد بالعمليات التفجيرية في الأراضي ذاتها، يتحدث عن تجاوز السياسي للدخول في منطقة الميتافيزيقي، فما الذي من المُفترض أن يصدر عن فقهاء وعلماء المغرب؟ وحتى لا نبخس الناس أشياءهم، يحق التنويه ببعض حيثيات كتاب عباس الجراري الذي يحمل عنوان »لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام"وصدر عن منشورات النادي الجراري
العدد 30 الرباط يوليوز 2004 .
ونقتطف من كتاب الجراري رؤية نقدية متواضعة، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما جاء في ثنايا فصوله، حيث الترحال مجددا مع تعريف التطرف والإرهاب، والتذكير بوسطية الإسلام وسماحته، وتسامح المسلمين. إلخ، حيث يتأسف الجراري، لدور علماء الإسلام اليوم ـ ومنهم علماء المغرب طبعا ـ والقائمين عليه في مختلف المجالات.
لنلاحظ أن الإسلاميين لا يعتبرون أنفسهم من القائمين على الإسلام، وهذا ما لا يتطرق إليه المؤلف بالمرة، بل إنهم يعتقدون بأنهم الأحق بتمثيل الإسلام، سواء تعلق الأمر بالإسلاميين المعتدلين، أي حركات وأحزاب "الإسلام السياسي"أو الإسلاميين الجهاديين.
ومرد نقد الجراري للقائمين على الإسلام اليوم، كونهم لم يبذلوا على امتداد العصور التي تعاقبت بعد العهد النبوي التأسيسي وما تلاه من فترات ازدهار، ما يلزم من جهد واجتهاد لتجديد أمر الدعوة، ولتطوير الفكر الإسلامي، لاسيما في أبعاده السياسية والاقتصادية.
ولو تحقق ذلك ـ بيت القصيد في نقد الجراري الهام ـ لما ظل المجال مشرعا للذين يرفضون الإسلام ويطعنون فيه، ويخاصمونه، وكذا للذين يدعون إليه بغلو وتشدد، وبدون منظور واقعي للعصر ورؤية واضحة للمستقبل.
وقفات مع أسباب صدمة البيضاء تعددت المقدمات التي أخرجت للوجود صدمة الدار البيضاء، وكما كان متوقعا، فإن غلبة الهم الإيديولوجي في تمرير جملة من أسباب الاعتداءات أثرت سلبا على تمرير وجهات نظر مقنعة، دون الحديث عن غياب الحوار العميق والمسؤول، وهو ليس بالأمر المستغرب بالنظر إلى سياق الأحداث في بلدنا من جهة أولى، وإلى شيوع أحوال من انعدام الوضوح النظري وغياب الرؤى السياسية الجلية أو انتشار الخلط بين قضايا لا يجب الخلط بينها وغلبة منطق »الدعوة« و»الدعاية« بتعبير سعيد بنسعيد العلوي.
ففي بحث تقدم به لأكاديمية المملكة المغربية في ندوة "التطرف ومظاهره في المجتمع المغربي"(2004)، يتوقف العلوي عند تِعداد الأسباب المباشرة التي أدت إلى إشعال فتيل الإجرام .الأمية بأصنافها، الفقر المدقع، شروط "السكن" المتدنية والخالية من الحدود الدنيا الضرورية، البطالة وفورة الشباب، الحقد الاجتماعي، غياب التأطير السياسي، ضعف المجتمع المدني وقصوره، تقصير العديد من القطاعات الحكومية عن القيام بالواجبات الضرورية تجاه الأحياء التي ينتسب إليها المنفذون. إلخ
كما توقف عند حديث المتتبعين للعوامل الذاتية السيكولوجية، وسعي البعض الآخر إلى التماس التفسير في شيوع »ظاهرة الإرهاب« في المستوى العالمي، ونظر غيرهم بعين الريبة والشك إلى بعض التنظيمات الإسلامية، مؤكدا على أن ما قيل عنها أنها الأسباب المباشرة، في وقوع الحادثة يظل عوامل ضرورية في الفهم ولكنها غير كافية.
من جهته، لاحظ أحمد عصيد في الندوة التي نظمتها أسبوعية"الصحيفة"وتم نشرها في العدد الخاص لمنشورات "الزمن"، أننا في المغرب لا نجتمع لكي نناقش قضايا بهذه الخطورة (يقصد اعتداءات الدار البيضاء) إلا عندما تصدمنا الأحداث التي تصعقنا، مطالبا بضرورة التمييز بين الإرهاب كفعل إجرامي واقعي مباشر ومادي، وبين الإرهاب كفكر وأسس إيديولوجية.
كما تعمد الناشط الأمازيغي التوقف عند ورقة الفقر والجهل، مشيرا إلى أن "الفقر والتلوث لا يؤديان بالضرورة إلى الإرهاب".
فالإرهاب "لا تصنعه إلا الإيديولوجية سواء كانت دينية أو غير ذلك"، وهو ما لخصه يوما العنوان الذي أطلقه عبد الكبير العلوي الإسماعيلي ومفاده أن "الإرهاب لا دين له"، مُلاحظا أن المغرب ليس دولة موز لتهز مؤسساته هجمات كهذه، مع فظاعتها، كما أن ملك المغرب لن ينقلب على مبادئه.
أما خالد السفياني، فقد توقف عند الأسطوانة التي تبرئ علاقة الإسلام بالإرهاب، مستشهدا طبعا بالإرهاب الصادر عن منظمات الألوية الحمراء ومنظمة إيتا والجيش الجمهوري الإيرلندي.إلخ، ومنددا بالإرهاب الصهيوني ضد المقدسات في فلسطين.
وقد تعمد الأمين العام الجديد للمؤتمر القومي العربي العروج على هذه الأسطوانة رغبة منه في ما وصفه"عدم الانزلاق في ما يريده الغرب في هذا الظرف بالذات".
والحال أن الإصرار على تبرئة الإسلام ـ أو على الأصح تبرئة الإسلاميين ـ من الإرهاب لا يمكن إلا أن يُؤجل الحسم في أسباب ذاتية قد تتشابك وقد لا تتقاطع مع مقدمات خارجية تغذي الممارسات الإرهابية المحلية، ناهيك عن كونه يخلط الأوراق بين طبيعة الاعتداءات التي تمت في عقر الدول العربية والإسلامية واعتداءات أخرى شهدتها الدول الغربية، وهو خلط أثار جدلا فقهيا لم يُحسم فيه بعد لدى أهل الاختصاص، إن صح التعبير، ولعل هذه ذريعة المقدمات الخارجية، تقف وراء تركيز مداخلة السفياني على نقد ممارسات الإدارة الأميركية والإدارة الإسرائيلية.
"فالإرهاب الأميركي، يضيف السفياني، سواء كانت له يد مباشرة أو لا، هو من أسباب إيجاد أرضية خصبة في كل أنحاء العالم، وليس العالم الإسلامي فقط".
بين الجهاد والإرهاب توقفت حنان السقاط عند نقد خلفية نموذج الاستشهاد الفلسطيني في الاعتداءات التي عصفت بالمغرب، فقد كان من أهداف المنفذين والمخططين والمتواطئين مقبرة يهودية ونادي للجماعة اليهودية.
فالهدف الأول يحيل على ماض مردود (جاهلية) والثاني يحيل على حاضر مرفوض (طاغوت وردة)، وبعد أن تطرقت لمجموعة اعتراضات على الخلط المقصود ـ سواء عن جهل أو عن اجتهاد سلبي ـ بين الوضع في فلسطين وفي ما سواها من الدول العربية والإسلامية، توصلت إلى أنه "لا مجال للمقارنة بين الحالتين الفلسطينية والمغربية، لأن ما تم في الدار البيضاء هو عمل إجرامي، منطلقاته تكفيرية، وأسانيده غير شرعية، وأساليبه وحشية، وغاياته شيطانية تروم الفتنة".
شجاعة الباحثة، غابت في قراءات أغلب المعلقين المنضوين تحت لواء خطاب الطمأنة، بحيث أشارت بشكل صريح وجريء إلى أن استمرارية السكينة في الحالة المغربية ـ بالرغم من استفحال الأزمة الاقتصادية واتساع الهوة بين أقلية مالكة وأغلبية محرومة وغيرها من المعطيات التي لا تغيب حتى في إقرارات ملكية سامية ـ لا يمكن تفسيرها حصرا (السكينة) بقدرات السلطات الأمنية على ضبط واحتضان وتجفيف منابع التذمر، كما لا يمكن ردها أيضا لما وصفتها بالأسطورة التي يحلو لقنوات التأثير الترويج لها، من كون الإنسان المغربي مسالم بطبعه وحريص بالفطرة على السلم، وكأن الطبيعة خصته بجينات تجعله خارج حركة التاريخ.
وترجع الكاتبة أسباب السكينة إلى مهارة المؤسسة الملكية في جس نبض العامة، وقدراتها على تجنيد الفاعلين في الحقل السياسي، واستعدادها لإدماج كل من يعترف ويتعهد باحترام قواعد اللعبة.
(في إحالة طبعا إلى التيارات اليسارية والإسلامية التي انخرطت في اللعبة السياسية الشرعية).
أما ابراهيم أبراش، أستاذ علم السياسة جامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة الأزهر بغزة، فقد لاحظ أن الجدل حول مفهوم الجهاد في الإسلام كان محل خلاف طوال أربعة عشر قرنا، وأن عدم حسمه حتى الآن هو الذي يربك المواطن العربي والمسلم ويجعله في حيرة من أمره حيال اتخاذ موقف مع أو ضد عمليات (جهادية) تقوم بها جماعات إسلامية مثل العمليات التي قام بها تنظيم »القاعدة«، وكون بعض التصورات الإسلامية الحركية للعنف السياسي تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم إجابات.
ودون تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، والادعاء بأن الإرهاب السياسي كما هو معروف اليوم كان له وجود في التاريخ الإسلامي، يُمَيِّز أبراش في ترحاله مع أدبيات التشريع الإسلامي بين حالتين من اللجوء إلى العنف :
ـ الحالة الأولى : هي (الحرابة)، مُستشهدا بالذي ذهب إليه صبحي الصالح من أن الحرابة لغة "توحي بالمخالفة والمضادة ومدلولها اللغوي هذا يُلمح أيضا في الاصطلاح الفقهي، عند إفساد الأمن وتعطيله بالإرهاب، ومضاده النظام والخروج عليه بقوة السلاح لقطع الطريق وإخافة الآمنين والفساد في الأرض".
ـ الحالة الثانية : الجهاد، فقد أولى الإسلام للجهاد حيزا كبيرا من اهتماماته، وتعددت الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد وتعتبره واجبا على المسلمين.
ويشمل الجهاد في معناه الواسع أشكالا متعددة من البذل والتضحية في سبيل الحق ودين الحق، فهو جهاد بالنفس والمال.
في التصدي لمسببات الاعتداءات يصعب الجزم في الصيغة المجتمعية المثلى الكفيلة بعدم تكرار ما حصل يوم 16 ماي 2003، خاصة أن هناك عوامل خارجية أصبحت تفرض نفسها على المشهد الداخلي، ولن يكون آخرها تورط إسلاميين مغاربة مع تنظيم"القاعدة" في العديد من التفجيرات التي شهدتها بقاع المعمور منذ صدمة 11 شتنبر 2001، إضافة إلى الأرقام المهولة التي تفرزها نتائج استطلاعات الرأي حول تعاطف المغاربة مع الإسلاميين الجهاديين والإسلاميين المعتدلين على حد سواء، وهو تعاطف وتداخل قلق ولا يبعث على التفاؤل بالمرة، وقد لخصه بامتياز نقد صدر عن محمد الساسي أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالرباط في بحث له جاء تحت عنوان"الدولة والأحزاب و16 ماي بين خيار المكتسبات الآنية وخيار حماية المستقبل«".
صدر ضمن منشورات "الزمن".
ملاحظا أولا أن »حركات الإسلام السياسي تتدرج من حركة تعمل في الحقل السياسي الرسمي، إلى حركات تكمن بحقل مضاد ولا تستعمل العنف المسلح ولكنها تحمل مشروعا منازعا في مشروعية الدولة القائمة، إلى حركات وتيارات للإسلام البدائي تحاول الالتصاق بقاعدة المجتمع وبالفئات الأكثر تهميشا وفقرا، وتقدم أكثر الأجوبة تبسيطية في مقاربة إشكالات الواقع.
ويقوم هناك تقاطع بين خطابات كل هذه الحركات، كما أن هناك تبادلا للوافدين"
أما الخلاصة التي يتوصل إليها الساسي، والتي تهمنا أكثر لأنها تحيل على معالجة أسباب الاعتداءات، فتقوم على ".
فرض الالتفاف حول طاولة وطنية في سبل مواجهة التهميش الاجتماعي والبطالة، وذلك عن طريق خطة استراتيجية للإنقاذ تروم مصالحة المغرب مع المغرب (صدرت هذه الاقتراحات قبل الإعلان الملكي عن مبادرة التنمية البشرية) وتقصد إلى إعادة تأسيس سبل التضامن، وتفرض على كل مكون من مكونات المجموعة الوطنية أن يبذل الواجبات الضرورية والتضحيات اللازمة من أجل إنقاذ الوطن".
كما"يتعين علينا التأسيس لتوافق وطني يسمح بإدماج كل الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي، ويرسم الخطوات الجوهرية نحو نظام ديمقراطي اجتماعي" وهذا عين ما يَخلُص إليه محمد سبيلا، من خلال حديثه عن"ضرورة تقوية الديمقراطية كنظام سياسي هدفه الأساس هو تحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع سلمي، وتحويل »حوار« البنادق إلى حوار بين الأفكار والمشاريع والمصالح".
في كتابه الأخير »شروط المصالحة مع السياسة في المغرب"، نقرأ لبنسعيد العلوي ـ وهو بالمناسبة من حَرَّرَ أكثر عدد من المقالات حول الاعتداءات ـ أن »الدرس الذي خرج به المغاربة من واقعة 16 ماي 2003، هو أن الجسد المغربي قوي وسليم، وأن قدرته على المقاومة مذهلة وثقته في مؤسساته جلية وقابليته لرد الفعل والالتحام مدهشة للملاحظ وهي عند المواطنين تلقائية".
نترك مسك الختام لطه عبد الرحمن، والذي أوجز مسؤولياتنا الجماعية إزاء دروس وتبعات الاعتداءات في تطليق منطق »استيراد الحلول الجاهزة وتلقّي الإملاءات الأجنبية والقياس على حالات الانقتال عند سوانا، بل يلزم أن نبرهن على قدرة إبداعية غير مسبوقة تجعلنا نبتكر من عندنا حلولا كفيلة بأن تقطع أسباب الانقتال في مجتمعنا، تاركين العدالة تأخذ طريقها، ولا أظن، يضيف طه أن هذا الإبداع في الحلول يتأتَّى لنا ما لم نتحمل جميعا أفرادا ومؤسسات مسؤولية ما حصل، ومتى تيقنَّا بأننا مسؤولون عمّا حدث بوجه من الوجوه ونحن كارهون له وشاعرون بأننا مكروهون من أجله، نهضت همَّتنا إلى تحقيق يقظة فكرية واسعة يرتفع بها مستوى المصارحة بين كل فئات ومؤسسات المجتمع وتتقوى بها آليات التنافس والمسارعة إلى الخير العام، فنأتي بما لم يأت به غيرنا في إصلاح أحوالنا".
لائحة بأهم الإصدارات التي تطرقت لاعتداءات 16 ماي بالدار البيضاء :
ـ سعيد بنسعيد العلوي 16 ماي 2003 : الواقعة والدرس منشورات "المعرفة للجميع"العدد 29، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء. 2003 (168 صفحة من الحجم الصغير).
ـ المثقفون المغاربة وتفجيرات 16 ماي تقديم محمد سبيلا منشورات الزمن الرباط 2003.
218 صفحة من الحجم الصغير
ـ محمد عابد الجابري لماذا يلجأ الإسلام السياسي إلى العنف؟ العدد 24 من سلسلة مواقف الدار البيضاء فبراير 2004, 112 صفحة من الحجم الصغير .
ـ ابراهيم أبراش الجهاد شرعية المبدأ والتباس الممارسة , منشورات ألوان مغربية
مكناس العدد 15 ( 2003 ) 95 صفحة من الحجم المتوسط .
ـ حنان السقاط بين الاستشهاد والإرهاب تقديم عبد الهادي بوطالب منشورات الزمن العدد 43 2004. 141 صفحة من الحجم الصغير
ـ عباس الجراري لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام منشورات النادي الجراري العدد 30
الرباط يوليوز 2004 143 صفحة من الحجم الكبير .
ـ محمد عزيز الوكيلي تأهيل الحقل الديني سوماكرام الدار البيضاء 2006.158 صفحة من الحجم المتوسط .