غداة الغزو الأميركي للعراق، قبل ثلاث سنوات، قال نعوم تشومسكي : " أحس بالخجل من الانتماء إلى بلد يحكمه جورج بوش ". وعندما سئل الرئيس الأميركي عن رأيه في هذه الشهادة من مواطنه أجاب : "لا أعرف من يكون هذ السيد".
قد يكون للرئيس كل العذر في جهله باللساني الذي يحفر في ثنايا اللغة بعُدة العالِم، ليكشف متاهات الخطاب، وخاصة في بعده السياسي.
فاهتمامات الحاكم القادم من عالم النفط إلى البيت الأبيض لا تتقاطع في شيء مع هموم المثقف الذي يعتبر أحد أكثر العلماء تأثيرا في علم اللغويات الحديث، وُيصنف في طليعة المثقفين المنشقين بالولايات المتحدة، أو اليساريين، بالمعيار الأميركي
أميركي، ولا يختار كلماته، أو بالأحرى ينتقيها بعناية، في مهاجمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
يهودي، ويتحدى قوة المال والإعلام الضخمة للوبي الإسرائيلي في أميركا، ليقدم عن إسرائيل صورة دولة تحتل أرض شعب وتقامر بالأخلاقية اليهودية.
هذه الفرادة كانت وراء صداقته للأميركي الآخر المتفرد، المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وجعلته في طليعة المدافعين عن القضايا العربية في الولايات المتحدة، ومن أشد منتقدي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، التي يصفها بأنها ضالة ومضللة، خادمة لإسرائيل وتكيل بمكيالين، ويحذر من أنها قد تؤدي بالعالم إلى الدمار، باعتبار الشرق الأوسط من المناطق شديدة الالتهاب في العالم.
عن هذه المخاطر أصدر نعوم تشومسكي عدة كتب تنتقد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، مثل "السلام في الشرق الأوسط"، و"مثلث المقادير"، و"قراصنة وقياصرة"، و"ثقافة الإرهاب"، و"أوهام ضرورية"، و"الديمقراطية المعوَّقة".
كان طبيعيا أن تثير أعماله ومواقفه سخط مطارديه، إذ نعتته منظمة "بناي بريث" أبناء العهد اليهودية الأميركية، ذات الميول الصهيونية، بأنه أشد مواطني الولايات المتحدة عداءً لإسرائيل، واستخدم البعض التحليل النفسي لوصفه بأنه يهودي يكره ذاته.
أما محطة "سي إن إن" الإخبارية العالمية، فقد اعتبرته أهم منتقدي السياسة الأميركية، واختير ضمن استفتاء ثقافي للرأي بالولايات المتحدة ليكون ضمن أهم ثلاث شخصيات ثقافية على قيد الحياة في هذا القرن.
ولد نعوم تشومسكي عام 1928 وحصل على درجته العلمية في اللغويات عام 1951 من جامعة بنسلفانيا.
كانت التجربة الإسرائيلية الوليدة آنذاك مصدر إغراء لليهود اليساريين والتقدميين في أميركا وأوروبا، فسافر تشومسكي في بداية الخمسينات من القرن الماضي إلى إسرائيل ليعيش لفترة في أحد المزارع النموذجية التي عرفت باسم الكيوبوتزات، حيث اعتقد في الطبيعة الاشتراكية والإنسانية لحركة الكيبوتز .
إلا أنه سرعان ما غير رأيه من خلال الاحتكاك بالواقع ليترك إسرائيل ويعود من حيث أتى، إلى الولايات المتحدة، إذ شرع في مزاولة التدريس عام 1955 بجامعة هارفارد، ثم انتقل بعدها ليعمل أستاذا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وما زال يعمل به حتى الآن، وهو أيضا عضو الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم.
من أهم الشخصيات الثقافية على مستوى العالم، وهو أهم عالم لغويات معاصر، وأحد أكثر العلماء تأثيرًا في علم اللغويات الحديث. وتستخدم نظريات تشومسكي اللغوية بكثرة في علوم الاتصال. إلا أن هذا الجانب العلمي لا يمثل الشق الأهم في تشومسكي، فهو أهم "المنشقين" في الولايات المتحدة الأميركية.
كما في السياسة، لم يهادن تشومسكي في مجاله العلمي، فعام 1957 أصدر مؤلفه الأكثر شهرة "البناء السياقي"، الذي أحدث ثورة في علم اللسانيات، واعتبر التجاوز الأساسي للبنيوية في مجال اللغويات.
ومن أهم أعماله الأخرى "اللغة والعقل" و"بعض جوانب نظرية السياق" و"القواعد والتمثيلات" و"دراسات سيمانطيقية في النحو التوليدي".
تتسم نظرية نعوم تشومسكي اللغوية المعروفة باسم النحو التوليدي أو التحويلي بأطروح النحو كمجموعة القواعد تُمكِّن الإنسان من توليد مجموعة من الجمل المفهومة ذات البناء الصحيح، رافضا عملية الكفاءة الرصدية التي اتسم بها النحو التقليدي؛ أي القدرة على الرصد الكمي للبيانات دون محاولة تقديم نموذج تفسيري يفسر قدرة المتكلم، مستخدم اللغة، وحدسه اللغوي.
يعيب على التقليديين اهتمامهم بالأداء وانصرافهم عن القدرة، لتقوم أهم سمات نظريته اللغوية على أن الإدراك اللغوي والقدرة اللغوية هي صفات إنسانية أساسية تكمن في النوع البشري وليست مكتسبة، ولتكون "اللغة البشرية العادية المستخدمة في الحياة اليومية عملية إبداع مستمر تعكس قدرات الإنسان المذهلة".