أكد رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، خليهن ولد الرشيد، أنه مع مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية "يكون صاحب الجلالة الملك محمد السادس باشر المسيرة الخضراء الثانية، التي ستطوي بصفة نهائية صفحة مشاكل الماضي".
موضحا أن الزيارة الثالثة لجلالة الملك للأقاليم الجنوبية كانت تاريخية، مشيرا إلى أن تنقل جلالة الملك بهذه الوتيرة، يعطي فكرة عن الأهمية، التي يوليها جلالته لهذه الجهة من المملكة.
وقال إن الزيارة كانت تاريخية ومهمة لأنه"للمرة الأولى في تاريخ المغرب، منح جلالة الملك بشكل رسمي الحكم الذاتي لهذه الأقاليم كحل نهائي".
هذا جزء من أحاديث رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية إلى الإعلام، وإلى عدد من المسؤولين، في عدد من الدول، التي شملتها جولة خليهن ولد الرشيد، التي ما زالت متواصلة .
ويعكس مشروع الحكم الذاتي الموسع، الذي نادى به صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي من شأنه أن يخرج المنطقة برمتها من بؤرة التوتر والمنازعات، حجم "الثورة"، التي أحدثتها المبادرة الملكية، والتي كانت وراء تنامي التأييد الدولي للمقترح.
وسجل المراقبون بنيويورك أن مجلس الأمن، في قراره الأخير، الذي أكد التزامه بمساعدة الأطراف على التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من لدن الأطراف لقضية الصحراء، وبدعوتهم مرة أخرى إلى »التعاون التام مع منظمة الأمم المتحدة لإحراز تقدم نحو إيجاد حل سياسي«، يكون استبعد نهائيا مخطط بيكر الأخير، والذي أقبره التقرير الأخير للأمين العام الأممي، من خلال دعوة الأطراف إلى الشروع في مفاوضات مباشرة لتسوية سياسية متفاوض بشأنها
ولاحظ المراقبون أن أيا من أعضاء مجلس الأمن لم يتطرق للمخطط، الذي كان قدمه جيمس بيكر سنة 2003، على خلاف ما كان عليه الشأن في التقارير السابقة لكوفي عنان
كما أن أيا من أعضاء الهيئة الأممية لم يشر، خلال المداولات، لأي مقترح سابق للأمم المتحدة.
وسجل المراقبون أيضا أن أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين أكدوا مجددا دعمهم للأمين العام كوفي عنان، ولمبعوثه الشخصي بيتر فان والسوم، في مجهوداتهما الرامية إلى إيجاد حل سياسي متفاوض بشأنه لقضية الصحراء.
وتساءل هؤلاء المراقبون كذلك عن الموقف، الذي عبرت عنه الجزائر، التي تواصل، لوحدها، الإلحاح على مخطط بيكر والمطالبة بتطبيقه.
بالنسبة إلى المغرب، جدد الخميس المنصرم الإعراب عن ارتياحه لمضمون القرار الأخير، الصادر عن مجلس الأمن حول الصحراء المغربية، لما تضمنه من تأكيد على الإرادة الواضحة لمجلس الأمن لمساعدة الأطراف بهدف الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من لدن كافة الأطراف، ما يؤكد تبني الأمم المتحدة لخيار التفاوض، الذي تدافع عنه منذ سنة 2004، من جهة، والدعم الدولي المتنامي للتوجه المغربي، من جهة ثانية.
وقال نبيل بنعبد الله، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي كان يتحدث في لقاء صحافي، أعقب اجتماع مجلس الحكومة برئاسة الوزير الأول إدريس جطو الخميس، إن الحكومة المغربية سجلت بإيجابية مطالبة الأمم المتحدة كافة دول المنطقة بالتعاون.
الكامل معها، للخروج من المأزق الحالي، والتوجه نحو حل سياسي نهائي، وعدم تضمن قرار مجلس الأمن الإشارة إلى أي مخطط للتسوية، ما يعني تخلي المنتظم الدولي عن هذا التوجه، مؤكدا أن الحكومة ثمنت"تأكيد القرار بقوة وحزم ووضوح على الحل السياسي، الذي يحظى بتأييد دول أساسية في مجلس الأمن، بما فيها دول دائمة العضوية، باعتباره المقاربة الوحيدة، الكفيلة بتسوية النزاع المفتعل، حول مغربية الصحراء، خاصة بعد فشل جميع المخططات السابقة" .
وبناء على ذلك، يضيف وزير الاتصال، يتعين على المنتظم الدولي والأمم المتحدة إيجاد »الصيغ الملائمة« للوصول إلى "القبول المشترك لهذه الفكرة من قبل كافة الأطراف المعنية، بما في ذلك الجزائر«، مبرزا أن هناك عددا من الدول أكدت أنها تنتظر المقترح المغربي بخصوص الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، الذي من »شأنه أن يأتي بقيمة مضافة بالنسبة إلى سبل إيجاد حل لهذه المشكلة".
التأييد الدولي، الذي تحدث عنه وزير الاتصال، برز بشكل جلي، خلال الجولة الأخيرة لوزير الشؤون الخارجية والتعاون، محمد بن عيسى، في عدد من دول أميركا الجنوبية، وتوجها، بداية الأسبوع الجاري، بزيارة الولايات المتحدة، ومباحثاته في واشنطن مع كاتبة الدولة الأميركية في الخارجية، غوندوليزا رايس، التي بينت أن »الولايات المتحدة مهتمة بمشروع الحكم الذاتي الموسع« في الأقاليم الجنوبية
وقال بن عيسى للصحافة، عقب اللقاء، الذي جرى الثلاثاء المنصرم، إن الاهتمام ذاته أبداه الممثل الدائم للولايات المتحدة بالأمم المتحدة، جون بولتون، في أعقاب التصويت على القرار الأخير لمجلس الأمن حول الصحراء.
وبعدما ذكر بأن مباحثاته مع رايس تناولت قضية الصحراء والعلاقات الثنائية، أوضح بن عيسى أن مشروع الحكم الذاتي يمثل مبادرة ملكية، تشكل حاليا موضوع استشارات على مستوى الأحزاب السياسية، وتشاورا مع سكان الأقاليم الجنوبية، مضيفا أن "الولايات المتحدة تولي اهتماما خاصا للإصلاحات، التي جرى إنجازها، وتلك الجارية حاليا، بمبادرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس".
واللافت أن التنامي المضطرد للدعم الدولي للمقترح المغربي بخصوص الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية، زاده قوة إرادة جلالة الملك محمد السادس الحاسمة في اعتماد نهج التفاوض من أجل حل عادل ودائم على أساس الاتفاق الإطار الأممي، الذي يؤكد جلالة الملك أنه "حظي بالموافقة والتشجيع الدوليين الواسعين والوازنين، ولأنه قبل كل شيء يندرج في إطار احترام السيادة المغربية والوحدة الترابية، ويلائم توجهنا الاستراتيجي، القائم على الديموقراطية، والجهوية، واللامركزية، والحفاظ على استقرار المغرب العربي، وتوطيد وحدة شعوبه، بدل تمزيقها بافتعال كيانات وهمية".
وبناء على هذا المنطلق الملكي، تستكمل حاليا الاستشارات مع الأحزاب وسكان الصحراء لبلورة وطرح مقترح الحكم الذاتي، بالصيغة، التي تمثل المخرج الأمثل للنزاع المفتعل في الأقاليم الجنوبية، أولا باعتباره حلا يملك المصداقية الدولية، وثانيا باعتبار الجهوية تعد رافعة رئيسية للدمقرطة والتنمية المندمجة والمستدامة، وثالثا لأنه حل يجسد العزم الملكي على جعل الأقاليم الجنوبية مثالا يحتذى للتنمية الجهوية المندمجة، على قاعدة أن "يكون التخطيط لها، وإنجازها، بتشاور وتشارك مع كل أبناء هذه الأقاليم، بمختلف مجالسهم المنتخبة، وشبابهم، وفعالياتهم، ونخبهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".
ويستحضر المراقبون هنا الإعلان الملكي عن قرار إحداث وكالة خاصة بتنمية الأقاليم الجنوبية، تضطلع بمواصلة المجهودات المبذولة لتزويد هذه المناطق بتجهيزات تحتية أساسية، في مجالات الطرق والمرافئ والإسكان والإنارة والماء الشروب، وتمكينها من التنمية الاجتماعية، ومن أسباب النهوض بالاستثمار المنتج المبدع للثروة، والمنشئ لفرص الشغل القار والكريم للشباب.
تنامي الدعم الدولي يعود أيضا إلى أن المنتظم الدولي بات على اقتناع بإرادة المغرب الثابتة، في الخروج من الأبواب المسدودة، وبسعيه المتواصل إلى تطوير علاقاته مع جيرانه، عاملا بالخصوص على تذليل العراقيل من أجل الانطلاق الجماعي لبناء اتحاد المغرب العربي، على أسس متينة، تكفل النهوض برفع رهانات المرحلة، ومواجهة تحدياتها المصيرية.
ولاحظ مراقبون دوليون كيف اتسع حجم الدعم الدولي للسلوك المغربي المتمسك بالشرعية، في الأسابيع الأخيرة، فهذه وزارة الخارجية الروسية تحرص، خلال الزيارة الرسمية، التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للجزائر، على تأكيد أن "التوصل إلى حل سياسي ومقبول لجميع الأطراف، وتحت إشراف هيئة الأمم المتحدة، لمشكلة الصحراء، يشكل عنصرا مهما في الحوار الروسي الجزائري".
وأكد المساعد الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة والممثل الخاص الأسبق للأمين العام الأممي في الصحراء، إريك يانسين، خلال المؤتمر الدولي الأخير، الذي انعقد بلاس بالماس (جزر الكناري) في موضوع "الصحراء : رؤى من أجل المستقبل"، أنه "لأسباب ومبررات مختلفة، فإن الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا ملزمة بدعم حل سياسي متفاوض بشأنه ومتفق حوله بين كل الأطراف المعنية"، مبرزا أن الولايات المتحدة لها مصلحة في سوق شمال إفريقيا، ومنشغلة بشكل عميق بموضوع الإرهاب وتوسع تأثير منظمة (القاعدة) بالمنطقة، بينما فرنسا، التي لها روابط تاريخية مع دول المنطقة وعلاقات جيدة مع المغرب، تدعم بدورها فكرة إيجاد حل سياسي للنزاع، في حين أن إسبانيا، يضيف يانسن، ليس من مصلحتها دعم "خيار الاستقلال بالصحراء"، بغض النظر عن الدعم، الذي يستفيد منه دعاة الانفصال في إسبانيا، و"المشاعر التواقة إلى الماضي"، التي يحن إليها البعض تجاه المنطقة.
وأكد الرئيس السابق لحكومة الكناري، خيرونيمو سافيدرا، أن "الحكم الذاتي يشكل قاعدة الحل المعقولة، ويجب أن يؤخد بعين الاعتبار بصورة جدية"، داعيا جميع البلدان المعنية الى البحث عن حل يضمن الاستقرار.
وأضاف سافيدرا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية سيتيح عودة صحراويي تندوف الى بلادهم، إذ يمكنهم تسيير شؤونهم بأنفسهم مباشرة، وانتخاب مؤسساتهم التمثيلية واستغلال الخيرات، التي تتوفر عليها المنطقة، مشددا على أهمية استقرار هذه المنطقة.
من جانبه، اعتبر رئيس الحكومة المستقلة للكناري، أدان مارتان، أن "الأمم المتحدة تظل هي الاطار المرجعي المقبول من قبل جميع الأطراف للبحث عن حل" للنزاع، معربا عن استعداد حكومته للمساهمة في إيجاد حل يكون مرضيا لجميع الأطراف وعلى قاعدة "لاغالب ولا مغلوب"، مؤكدا أن حل النزاع لن يخدم فقط مصالح البلدان المعنية مباشرة بالنزاع، بل أيضا سيساهم في تسهيل عملية الاندماج في بلدان المغرب العربي، وضمان الاستقرار في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
واعتبر الرئيس الأسبق لحكومة جزر الكناري، لورنزو أولارتي، أن مخطط "بيكر مند ظهوره لم يكن له أي حظ للتطبيق"، مبرزا أن قضية إحصاء السكان الصحراويين تثير مشكلا، على اعتبار أن الإحصاء، الذي قامت به السلطات الإسبانية سنة 1975 لم يقع استكماله أبدا.
وقال الجنرال ماجور جوناتان س غرايشن، مدير الإستراتيجيات والسياسة وعمليات التقييم بقيادة القوات الأميركية المرابطة بأوروبا، إن تسوية قضية الصحراء يعد أحد الجوانب الرئيسية في محاربة الإرهاب في شمال إفريقيا .
وأوضح المسؤول العسكري، خلال مائدة مستديرة نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن محاربة الإرهاب تستوجب إعطاء الأولوية لتسوية النزاعات الترابية في المنطقة والعمل من أجل تدعيم التجمعات الإقليمية القادرة على اعتماد مقاربة أمنية إقليمية.
وأكد أن خطر الإرهاب أحدث تغييرا مهما في المعطى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، على اعتبار أن العدو الجديد مجهول الهوية، ولا يوجد داخل الحدود الجغرافية المرسومة، ولا يخشى الموت.
ومن ثمة يتعين، حسب المسؤول العسكري، التحرك بشكل وقائي.
وأبرز، في هذا السياق، ضرورة تسوية قضية الصحراء، والعمل من أجل عودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الإفريقي، وتعزيز الديموقراطية ودولة الحق والقانون والحكامة الجيدة في بلدان المنطقة، وكذا استثمار الفرص الاقتصادية لفائدة الشعوب المغاربية.
واعتبر أن منطقة جنوب الصحراء تتسم بعدم الاستقرار السياسي وأنشطة تهريب السلع والاسلحة والمخدرات والأشخاص مما يجعل منها أرضا خصبة للجماعات الإرهابية التي توظف متمردين وتحدث مواقع للتدريب وقواعد للعمليات.
وأكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الإسباني الغرفة السفلى للبرلمان، جوزيب أنطوني دوران إيلييدا، أن مقترح المغرب بمنح الحكم الذاتي للصحراء في إطار السيادة المغربية "هو حل جيد لهذه القضية".
وقال البرلماني الإسباني، خلال حفل غداء - مناقشة نظمته جمعية المراسلين الأجانب بمدريد، إن الحكم الذاتي "سوف يكون حلا جيدا بالنسبة إلى مخرج أولي للأزمة".
وأضاف جوزيب أنطوني، الذي يشغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي الديموقراطي الكطلاني كونفيرجانسيا إي أونو إن »نزاع الصحراء هو مشكل معقد«، وتابع "لذلك يجب أن نكون واقعيين، فمخطط حكم ذاتي للصحراء، من أجل مخرج أولي من الأزمة، يبدو لي شيئا جيدا".
وخلاصة لهذه الجولة، وعودة إلى البدء، وكما أكد خليهن ولد الرشيد، فإنه بات يتعين على كل الصحراويين حيثما وجدوا، بالأقاليم الجنوبية أو بمخيمات تندوف أو بموريتانيا أو بإسبانيا أو في أي مكان آخر، أن يعترفوا بأن مشروع الحكم الذاتي، الذي أعلن عنه صاحب الجلالة، هو مشروع يسوي تاريخيا ونهائيا النزاعات، ويضمن لكل أبناء الصحراء حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.