شخصية من رمل ورياح، يصعب تحديدها ورسمها، والعثور على النقط والفواصل في كلامها ومواقفها وتحركاتها .
يتحدث عن كل شيء، ويحتفظ لنفسه بالجواب الأخير .
أشبه بالمدى، معروف وواضح، لكن يتعذر العثور عليه ولمسه أو الاحتفاظ بمواقفه في سجل الذكريات أو التاريخ أو المواضيع، التي يفترض الرجوع إليها مرة ثانية، حتى أنه في اللحظة، التي قررت فيها إسبانيا أن تجعل منه ظلها أو حارس موروثها الاستعماري في الصحراء، وجمعت له العدة، وأمنت له الطريق، ومنحته تذكرة السفر من إسبانيا إلى الصحراء، وحملته بوصيتها الأخيرة لكي يكون عمادها وحافظ سر أسرارها وامتيازاتها واستمرارية وجودها في الصحراء.
لم يقل لا، لم يرفض، أو يعاند أو يعيد التذكير بأن المهمة الإسبانية أخطأت العنوان والتقدير، وأن اسبانيا وضعت ثقتها في رجل أشبه بكتيبة رملية، سهل التمدد والخفاء، عنيد كرياح الصحراء، صلد بكبرياء أبناء الجنوب، مشتعل في كلامه وطموحاته السياسية كقرص الشمس .
لا يقول لا، ويحتفظ لنفسه دائما بالجواب الأخير، الذي يفاجئ به ويدهش، ويقلق، لكن أيضا يعرف كيف يصارع به، ويتطرف في الدفاع عنه.
قال للجينرال الإسباني الحاكم العام للصحراء المستعمرة، أنا ذاهب إلى هناك، باسم إسبانيا، تحت يافطتها وسياستها وأهدافها، لكن عوض ذلك، استقل طائرة حملته إلى مطار أكادير، وقدم البيعة إلى جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، رفقة جماعة من رفاقه من بينهم حمودي بوحنانة، والديه النوشة، والخليل الدخيل.
وهم أعضاء في الحزب، الذي أنشأته إسبانيا تحت اسم الاتحاد الوطني الصحراوي.
كانت إسبانيا، بعد إجرائها للإحصاء السكاني في الصحراء، عينت خليهن ولد الرشيد ليكون حاكما للصحراء، لكن الرجل بدهائه وذكائه، فطن إلى اللعبة الإيبيرية، فلم يعلن ساعتها رفضه للعرض.
قال إنه ذاهب ورفقاؤه في الحزب لتمديد البقاء الإسباني في الصحراء، وفي اللحظة الأخيرة عاد إلى بلده المغرب.
في السياسة، يمكن أن تتحول المواقف إلى سخونة وسعار وحرب، وأيضا إلى خسائر وهزائم.
وفي السياسة أيضا، يمكن أن يتحول استثمار الأفكار نفسها إلى نصر وفخر وأرباح
والمعنى السياسي لهذا الكلام أن الحكامة والتدبير الجيدين للسياسة يظفي على الشخص قيمة مضافة، ولمواقفه صفة الإنتاج والامتداد والقوة.
وهي الطريقة التي سار عليها خليهن ولد الرشيد، بعد عودته إلى وطنه، إذ لم يكتف بالعودة، وصولا ونهاية، وخاتمة لعمل وتصور واختيار .
وإنما بدأ رحلة من نهايتها، جعل منها منطلقا لمسار وحدوي لم يكتمل بعد، وأيضا صراعا متواصلا ترتفع درجة حرارته وتحتد، وتبرد وتعتدل، وتعاود الأدوار والألوان وأشكال الصراع
ولم تنته بعد.
اختار خليهن ولد الرشيد، بعد عودته إلى المغرب، دخول معترك السياسة، وينتمي إلى حزب من أحزاب الأغلبية الحكومية آنذاك، ويصبح فيه فاعلا ومدبرا لتوجهاته ونوعية اقتراحاته ومساهماته في الشأن السياسي العام، لكن أيضا، أن يبقي على نفس ريادته السياسية السابقة، رجل من جرأة وصراع.
ويتولى في لحظة من لحظات المعارك المتأججة بين الحكومة والمعارضة آنذاك، الدفاع عن اختيارات الحكومة، وأبدى جرأة غير معهودة في نقد المعارضة، التي كان يقودها حزبا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال، وتطور ذلك إلى مواجهة مستعرة بين الحكومة والمعارضة، التي طلبت من خليهن تقديم اعتذار عما صدر عنه من انتقادات واتهامات لها.
كان ظهوره هذا، عنوانا لأول المعركة، وأصبح في فترة قياسية عنصرا فاعلا، عرف كيف يتحرك على خلفية السياسي الشاب، صاحب تجربة سياسية في إسبانيا ودراية لافتة بالشأن الصحراوي، إضافة إلى معرفته القوية باللغة الإسبانية، وكذا الفرنسية، التي تعلمها بعد عودته إلى المغرب، فتقلد العديد من المناصب داخل الدولة، راوحت بين كاتب دولة إلى وزير مكلف بالشؤون الصحراوية، الذي شغله سنوات، وبرلماني، إضافة إلى رئاسته للمجلس البلدي لمدينة العيون، إلى أن عين أخيرا من طرف جلالة الملك رئيسا للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية.
تحتفظ الذاكرة الحزبية بالهجوم الضاري، الذي شنه ولد الرشيد ضد وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، عندما اتهمه، بالحيلولة دون فوزه بمقعده البرلماني في الانتخابات التشريعية لعام 1992، وهجومه على النقابي محمد نوبير الأموي، الذي وصف سكان الصحراء بالبداوة في مؤتمر الكونفدرالية الديمقراطية بالعيون، وجرأته اللافتة في طرح العديد من الأفكار بخصوص تدبير قضية الصحراء المغربية، التي يحملها معه اليوم، وهو يطوف بها في جولة دولية، من الأمم المتحدة إلى فرنسا، وصولا إلى إسبانيا، التي دافع فيها بقوة، أول أمس، عن وضع الحكم الذاتي بالصحراء، باعتباره "الحل الوحيد القابل للحياة«، مشيرا إلى أن »قيام دويلة سوف يؤدي إلى نزاعات مستمرة بين القبائل حول الموارد«، ما سيخلق »دارفور ثانية في إفريقيا".