لا يمكن ولايجوز اعتبار أي تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة مجرد وثيقة عادية، قد تقرأ أو يجري تجاهلها، بل إنها تلزم المنتظم الدولي، وتندرج بحكم الثقل الأخلاقي والسياسي لمنظمة الأمم المتحدة، في تاريخ الإنسانية كذاكرة، معبرة عن حقبة معينة ووقائع ثابت
من هذه الزاوية، يتعين قراءة التقرير الأخير لكوفي عنان حول الصحراء بعين متفحصة ودقيقة نقطة نقطة، وكلمة كلمة، ما دام هذا التقرير يحمل دلالة سياسية واضحة
يتطلب هذا التقرير إذن قراءة، لكي تكون موضوعية، يجب أن تتغذى من المعنى الأصلي لمصطلحاته، ثم بعد إتمام هذا العمل، يتعين التمسك بروح علاقته مع الوقائع والاقتراحات المعلنة فيه بوضوح.
وعلى غرار أي وثيقة رسمية، قد يفضي التقرير لاحقا إلى ملاحظات، سواء على مستوى الشكل أو المضمون أو هما معا، غير أن من ضمن هذه الملاحظات لايمكن الاعتداد إلا بما هو على أرض الواقع وما هو قائم سياسيا.
بعد التذكيرات المعتادة وتقديم المعطيات التقنية والإدارية والمالية المتعلقة بـ "المينورسو"، شدد التقرير من الوهلة الأولى على أنه منذ أبريل 2004، لم يتطرق مجلس الأمن قط في قراراته إلى مخطط السلام، بعد أن جرى حفظه منذ ذلك الحين في الأرشيف، داعيا بدل ذلك إلى حل سياسي توافقي.
هذا التذكير، موجه بشكل واضح إلى أولئك الذين لهم ذاكرة ضعيفة، الذين لا يفوتون أية مناسبة للحديث عن هذا المخطط الذي عفا عنه الزمن، مما يجعلهم يعاكسون الأمل الذي يعبر عنه بوضوح المنتظم الدولي.
إن أي نقاش حول المخطط السالف الذكر، لا يمكن أن يجد أرضية إلا خارج منظمة الأمم المتحدة، وبالتالي فهو غير مقبول في جميع الأحوال.
يلاحظ المراقبون والمحللون لهذا النزاع، أنه من أبريل 2004 إلى أبريل 2006، لا تردد الجزائر و"البوليساريو" سواء في خطاباتها أو في تحركاتها إلا مخطط السلام هذا الذي تخلت عنه منظمة الأمم المتحدة منذ وقت طويل في نقاشاتها كما في وثائقها.
إن الفارق السياسي واللغوي بين الأمم المتحدة من جهة، والجزائر و»البوليساريو« من جهة أخرى، يبدو أكثر وضوحا، عندما تتحدث الأمم المتحدة مجددا في التقرير ذاته، وبلهجة ملحة, على ضرورة حل سياسي توافقي كخيار واحد، بينما لا تتحدث "البوليساريو"والجزائر إلا عن إنهاء الاستعمار وعن الاستقلال
هناك هوة يصر معارضو السلام والوئام على تعميقها .
وبما أن العالم لا يعرف الجمود، فإن الأمين العام للأمم المتحدة، يشير في تقريره إلى الوقائع السياسية على الأرض، بينما الجزائر و»البوليساريو« اللذان يظلان حبيسي الماضي، لا يتحدثان إلا عن القرار 1514 .
التمسك بهذا القرار يعني جر عجلة التاريخ إلى الوراء إن هذا الخطاب غير المسموع، لأنه غير مفهوم، هو الذي جعل الأمم المتحدة تعلن أن قضية الصحراء لم تعد ضمن الأولويات في الأجندة السياسية .
وبالواضح فإن البضاعة التي تحمل علامة "البوليساريو" لم تعد صالحة للاستهلاك ومروجوها، سواء المعلنون أو من هم وراء الستار، يحاولون سدى إدخال تحسينات عليها
هذا يسمى عملية نصب واحتيال، والتي يبدو أن تقرير الأمم المتحدة وجه إليها هذا التحذير : لا يمكن لأي أحد أن يفرض على المغرب التنازل عن سيادته على الصحراء
هذه الملاحظة الأممية، هي بمثابة رسالة موجهة إلى أولئك الذين لا يهاجمون علنا إلا هذه السيادة .
عندما يخطئ المرء الهدف، فمن الأفضل عدم التصويب نحو الفراغ
إن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لا يحمل جديدا عندما يدعو جميع الأطراف بالاسم إلى الجلوس حول مائدة للتفاوض "دون أي شروط مسبقة".
غير أنه في التقرير نفسه، قيل إن »البوليساريو« ترفض أي تفاوض حول حكم ذاتي تحت السيادة المغربية.
إنها مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي تنضاف إلى التراكمات السلبية للحركة المزعومة
وقد حث الأمين العام البلدان الأعضاء في مجلس الأمن على تشجيع هذه المفاوضات، مشيرا في الآن نفسه إلى أن غالبية العواصم (أي البلدان الكبرى) تحرص على الحفاظ على علاقات جيدة مع المغرب والجزائر.
ويتعلق الأمر هنا بشبه تنبيه موجه لأولئك الذين يداعبون حلم الزعامة المجنون بالمنطقة، ويراهنون على فكرة اللعب في ساحة الكبار، والتي تشكل بحق جوهر هذا المشكل.
وعليهم اليوم أن ينظروا إلى الأمور كما هي في حقيقتها، كما جرى وصفها في هذا التقرير، والقيام على الخصوص بحصيلة لذلك.
فعندما تؤكد منظمة الأمم المتحدة أن مشكل الصحراء ليس مدرجا ضمن الأجندة السياسية، فإنها تمزق أطنان الخطابات والبيانات التي جرى إعدادها بجهد جهيد بالجزائر وتندوف منذ أكثر من ثلاثين سنة، إلى ألف قطعة.
(و م ع)