لماذا أبدأ هاته الورقات، التي أود أن أقترح على القارئ الكريم محاورتها، بتحية إلى الصحافة؟
إن المنهاج التربوي قضية مجتمع بامتياز، بل هي عصب القضايا ومحورها، كيفما كانت النظرة التي نحلل، انطلاقا منها، تفاعلات مختلف قضايا المجتمع.
كذلك جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وكذلك يصرح به في كل المناسبات الرسمية وغير الرسمية، وعلى رأس تلك التصريحات اعتبار التربية والتكوين القضية الوطنية الثانية بعد وحدتنا الترابية.
ولا تخفى العلاقة الجدلية الوطيدة بين القضيتين، باعتبار قضية الوحدة الترابية هي قضية الوجود الأبدي واعتبار قضية التربية والتكوين قضية الوجود الرمزي والحضاري الإنساني
وإذا كان الأستاذ عبد الله العروي يستغرب، في أكثر من مناسبة كيف لا يناقش المغاربة قضية وحدتهم الترابية وكيف ظل ملفها ملفا للاختصاص الضيق، فإن الاستغراب نفسه يطال عدم الاهتمام الكافي بمناقشة قضية التربية والتكوين؟ حري بالقضايا الاستراتيجية أن تحظى بالبحث والدرس المناسبين وعلى مستوى وطني، وحري بالصحافة أن تعكس هذا الاهتمام وأن تنخرط فيه، فلا جدوى في هاته السطور من بسط التساؤل حول أسباب استنكاف المغاربة عن الانخراط في حوار متحمس وممنهج حول قضاياهم الاستراتيجية، فالمهم أن النتائج ستكون بالتأكيد غير مرضية إذا ظل الوضع على ما هو عليه.
لا شك أن الصحافة الوطنية، بهذا الصدد، عاشت فترات مختلفة بدءا على الأقل بمرحلة ظهور الملحقات التربوية الأسبوعية في مجموعة من الجرائد المعروفة، ثم تم اختفاؤها والاقتصار على نتف محتشمة من هنا وهناك فيما يعرض للمشهد التربوي من أعراض، ثم مرة أخرى ظهور اهتمام بالتربية من خلال عودة تجربة الملحق في بعض الجرائد مع استمرار البعض الآخر في النهج المفكك، أعني نتفا من هنا وهناك… إن المشهد الصحافي، في علاقته بالتربية يطرح أكثر من ملاحظة، أولاها، أن الوضعية العامة لطبيعة اهتمام الصحافة الوطنية بالتربية والتكوين هي انعكاس لطبيعة اهتمام المغاربة غير المعلن على الأقل، غير أن هذا الانعكاس لا يعفي الصحافة نفسها، ككائن مستقل له وجوده المستقل نسبيا عن الوجود الاجتماعي ككل، من المسؤولية.
ومن هذا المنظور تتحمل الصحافة مسؤولية حث المغاربة على الانخراط والإسهام بالفعالية المطلوبة في تنشيط الحوار، ولا يخفى ما لدور التنشيط من مسؤوليات تواصلية وكفاءة تقنية واتساع خيال لإبداع أشكال وصيغ من التقاطعات التي تلتقي حولها الأفكار لبسط وجهات النظر في إطار دينامية بانية للهياكل والأطر الكبرى لفضاءات التناظر.
ثانيا، إن اعتبار جسم الصحافة مستقلا بذاته نسبيا عن الوجود الاجتماعي ككل يعني من ضمن ما يعنيه أنه مشكل متعدد التوجهات وتباين الأهداف والمواقع، لذلك تطرح أسئلة أساسية حول نوع التناغم في ما يطرح على أعمدة الصحف والجرائد المختلفة مما له صلة بالتربية والتكوين، يقصد بالتناغم هنا الظهور بمظهر الانكباب على ملفات تناقش وطنيا ويجد القارئ في وقت متقارب عدة وجهات من النظر على أعمدة الصحف تحمل بصمات متباينة مما يشجع ويساهم في تأسيس الاهتمام الوطني بالقضايا المختلفة على نطاق واسع من المهتمين، ولا شك أن لكل أولوياته ولكن ومع ذلك هناك حد أدنى من المواصفات يجعل بعض المواضيع يستحق أن تكون قضايا رأي عام بامتياز، فإذا تم السكوت عنها في أغلب الصحف رغم الإشارة إليها في صحيفة ما تضيع على الرأي العام خدمة الصحافة في إثارة الانتباه وحفز الاهتمام بقضايا رأي عام حقيقية قد تكون لها فائدة كبيرة في حينها.
لهذا ولغيره مما لا يسع التفصيل فيه أحببت أن أفتتح هاته الورقات بتحية إلى الصحافة لما تنجزه ولما ينتظر منها ويعول عليها فيه في إطار تحمل مسؤولياتها التاريخية والمهنية والوطنية إزاء القضايا الاستراتيجية للبلاد وترسيخ ثقافة الشأن العام.
إننا ونحن نتحدث عن الصحافة، في علاقتها بالتربية والتكوين، بصدد الحديث عن أهم ورقة من أوراق إصلاح المنظومة التربوية، إنها أهم ورقة لسبب لا أحسبه إلا حاسما بامتياز، إنه انخراط الجميع في مسار الإصلاح عبر بنائه وتعهده، وهل يعكس درجة انخراط ومنهجية انخراط مجتمع ما في ميدان ما أكثر من مجال الصحافة؟ إذا أحلنا على تجربة كندا مثلا، ما دمنا نحيل في تجاربنا على تجارب كثيرة ومتنوعة، فسنجد أن أهم ما ميزها وهي بصدد بناء الكتاب الأخضر أنها راكمت نقاشا كبيرا أثناء الإعداد وأثناء التنفيذ وهو نقاش متنوع وكثيف تراوح بين الإسهام العلمي الرصين والرأي المتنوع ومنحى التفكير والتفكير على التفكير…
إن كل المنظومات التربوية وبشكل منظم أو غير منظم واضح أو ملتبس نوعي أو تبسيطي هي مجال خصب بامتياز للرأي والرأي الآخر، وكل قوى المجتمع لها رأي في الموضوع، بل إن أغلب المنظومات التربوية تتخذ فيها القرارات الأكثر إجرائية في كثير من الأحيان بناء على ما يسمى ويبحث في مجال المواجهات السياسية في ساحة المناهج التربوية، من أجل ذلك، فنحن في حاجة إلى حوار وطني غني وهادئ هو الكفيل بفهم المنظومة التربوية والفعل فيها، ولا حاجة للتأكيد على أن نقاشا من هذا النوع لا يستطيع أن ينضج شيئا في غياب العناية اللازمة بتنشيط البحث العلمي الرصين والمنظم الكفيل بقيادة أي حوار يرجى منه نفع ما.